في ظل توتر الأوضاع في هونغ كونغ بسبب موجة الاحتجاجات الشعبية المتزايدة ضد مشروع قانون تسليم المتهمين للصين، تزداد المخاوف من دخول هونغ كونغ التي تتمتع باستقلاليَّة عاليةً ونظاماً سياسياً مختلفاً ويبلغ عدد سكَّانها نحو سبعة ملايين نسمة ومساحتها 1,104 كم2، في ازمات ومشكلات كبيرة، قد تتيح وبحسب بعض المصادر لبكين فرض سيطرتها على الإقليم بشكل اوسع. هذه التوترات اسهمت ايضا في ازدياد الازمات بين الصين ودول اخرى، تتهمها بكين باثارة بعض الازمات من اجل تحقيق مصالحه الخاصة وتُعَدُّ هونغ كونغ واحدةً من المراكز الاقتصادية الرَّائدة في العالم، إذ تمتاز باقتصادٍ رأس ماليٍّ مزدهر يقوم على الضرائب المنخفضة والتجارة الحرَّة، تتميَّز هونغ كونغ كذلك بمراتب دولية متقدِّمة في مجالاتٍ عديدةٍ أخرى، مثل الحرية الاقتصادية و جودة الحياة و مكافحة الفساد و التنمية البشرية وغيرها. ووفق تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الزراعة والأغذية العالمية فإنَّ متوسّط عمر الإنسان في هونغ كونغ أعلى من أيّ منطقةٍ أخرى على وجه الأرض.

وفي هذا الشأن فقد تظاهر عشرات الآلاف في إحدى ضواحي هونج كونج الكبرى، احتجاجا على معالجة الحكومة لملف مشروع قانون تسليم المشتبه بهم لبكين والذي أحيا مخاوف من سيطرة الصين على المدينة والنيل من الحريات المكتسبة فيها. ونزل الملايين إلى الشوارع على مدى الشهر المنصرم في بعض أكبر وأعنف الاحتجاجات منذ عقود اعتراضا على مشروع قانون تسليم المشتبه بهم الذي يسمح بإرسالهم للصين لمحاكمتهم أمام محاكم يهيمن عليها الحزب الشيوعي.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع بعض المحتجين الذين استخدموا حواجز معدنية وغيرها من الأشياء لإغلاق عدد من الطرق. وعادت هونج كونج للسيادة الصينية عام 1997 ضمن صيغة ”دولة واحدة ونظامان“ التي تضمن لشعبها حريات لمدة خمسين عاما لا يتمتع بها سكان البر الرئيسي في الصين بما يشمل حرية التظاهر واستقلالية النظام القضائي. وتنفي بكين التدخل في شؤون هونج كونج لكن الكثير من سكانها يخشون مما يعتبرونه تراجعا في تلك الحريات وتوجها مستمرا نحو سيطرة البر الرئيسي على شؤون هونج كونج.

وقال منظمو الاحتجاج إن نحو 115 ألفا شاركوا فيه بينما قالت الشرطة إن عدد المشاركين أثناء ذروة الاحتجاج بلغ 28 ألفا. وأثارت الاحتجاجات أكبر أزمة سياسية في المستعمرة البريطانية السابقة منذ أن استعادت الصين السيادة على المدينة كما شكلت تحديا مباشرا للسلطات في بكين. ويرى المعترضون على مشروع القانون، أنه يمثل تهديدا لسيادة القانون في هونج كونج. كما يطالب المحتجون بتنحي لام وفتح تحقيق مستقل في شكاوى بشأن وحشية الشرطة في التعامل مع المتظاهرين. ونددت الشرطة بمن سمّتهم ”المحتجين الذين ينتهجون العنف“ وأكدت أنها ستجري تحقيقات في كل الأفعال غير القانونية.

مثيري الشغب

قالت كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونج كونج إن المحتجين الذين شاركوا في الاشتباكات الأخيرة مع الشرطة يمكن وصفهم بأنهم من ”مثيري الشغب“ وعبرت عن تأييدها للشرطة في تطبيق القانون والبحث عن المتورطين. و أدلت لام بهذه التصريحات في أحد المستشفيات حيث يعالج ثلاثة من رجال الشرطة من جروح أصيبوا بها في مواجهات مع محتجين غاضبين من مشروع قانون مثير للجدل لتسليم المشتبه بهم إلى الصين.

وشهدت هونج كونج سلسلة من الاحتجاجات الكبيرة التي شابها العنف في بعض الأحيان بسبب مشروع قانون لتسليم المشتبه بهم إلى الصين لمحاكمتهم أمام محاكم خاضعة لسيطرة الحزب الشيوعي الحاكم مما زج بالمستعمرة البريطانية السابقة في أكبر أزمة سياسية منذ إعادتها إلى الصين في 1997. وتحولت مسيرة احتجاجية شارك فيها عشرات الآلاف إلى فوضى في مركز تجاري حيث رشق عشرات من المحتجين رجال الشرطة بالمظلات والزجاجات البلاستيكية بينما ردت الشرطة بإطلاق رذاذ الفلفل واستخدمت الهراوات.

وقالت لام إن أكثر من عشرة رجال شرطة أصيبوا نُقل منهم ستة إلى المستشفى. وأضافت ”نشكر ضباط الشرطة على الحفاظ على النظام العام والمهنية لكنهم تضرروا من هجمات المشاغبين - يمكن أن نصفهم بالمشاغبين“. وقال مكتب معلومات الحكومة إن 28 شخصا من بينهم رجال شرطة أصيبوا في الاحتجاج الأخير. وقال قائد الشرطة ستيفن لو إنه تم إلقاء القبض على أكثر من 40 شخصا باتهامات من بينها الاعتداء على الشرطة والتجمهر بشكل غير قانوني. بحسب رويترز.

وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع منذ بداية يونيو حزيران للتظاهر ضد مشروع القانون. واضطرت لام تحت الضغط تعليق مشروع القانون في منتصف يونيو حزيران ثم أعلنت الأسبوع الماضي أنه ”انتهى“، لكن المعارضين يقولون إنهم لن يرضوا سوى بسحب مشروع القانون رسميا من المسار التشريعي.

لام و طلبة الجامعات

في السياق ذاته قالت كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونج كونج إن مشروع قانون تسليم المشتبه بهم إلى الصين، الذي أثار أكبر أزمة سياسية تشهدها المدينة منذ عقود، انتهى واعترفت بأن عمل الحكومة على مشروع القانون كان ”فشلا ذريعا“. لكن محاولات لام لاستعادة النظام في المركز المالي الآسيوي والحفاظ على منصبها لم ترض العديد من المحتجين الذين طالبوها بسحب مشروع القانون نهائيا واتهموها بالتلاعب بالألفاظ بإعلان أن القانون المقترح انتهى.

وأثار مشروع القانون، الذي كان من شأنه السماح بإرسال أشخاص من هونج كونج إلى البر الرئيسي في الصين لمحاكمتهم أمام محاكم يسيطر عليها الحزب الشيوعي، احتجاجات ضخمة في الشوارع شابها العنف في بعض الأحيان وأدخل المستعمرة البريطانية السابقة في حالة اضطراب. وفي منتصف يونيو حزيران استجابت لام للاحتجاجات، التي شارك فيها مئات الآلاف، بتعليق مشروع القانون. وأقرت لام بأنه ”لا تزال هناك شكوك في صدق نية الحكومة أو مخاوف مما إذا كانت ستبدأ العملية مجددا في المجلس التشريعي“. وأضافت في مؤتمر صحفي ”لذلك، أكرر هنا، لا توجد مثل هذه الخطة، مشروع القانون مات“.

وقلل طلاب الجامعة، الذين شكلوا القطاع الأكبر من المحتجين، من شأن تصريحات لام وقالوا إنهم لن يقبلوا سوى بسحب مشروع القانون نهائيا. وقال تشان واي لام وليام المسؤول العام عن اتحاد الطلاب بالجامعة الصينية في هونج كونج ”ما نريده هو سحب مشروع القانون نهائيا. إنها تتلاعب بالألفاظ“. بحسب رويترز.

ودعا المتظاهرون لام إلى الاستقالة من منصبها كرئيس تنفيذي لهونج كونج، وإجراء تحقيق مستقل في تصرفات الشرطة مع المتظاهرين، وأن تتخلى الحكومة عن وصف الاحتجاجات العنيفة يوم 12 يونيو حزيران بأنها أعمال شغب. وقالت لام ردا على سؤال حول مطالب المحتجين ”ليس بالأمر السهل أن يتنحى الرئيس التنفيذي وما زال لدي الشغف والالتزام لخدمة شعب هونج كونج“.

وطلبت كاري لام مقابلة الطلاب في المدينة الخاضعة للحكم الصيني. في بيان عبر البريد الإلكتروني قالت متحدثة باسم لام يوم الخميس إنها ”بدأت مؤخرا دعوة الشباب من خلفيات مختلفة لحضور اجتماع بما في ذلك طلاب الجامعات والشبان الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة“. ورفض اتحاد الطلاب بجامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا العرض وقال إن لام طلبت اجتماعا مغلقا. وقال الاتحاد في بيان نشره على فيسبوك ”يجب أن يكون الحوار مفتوحا أمام مشاركة جميع مواطني هونج كونج وأن يُمنح الجميع حق التحدث“. وذكرت المتحدثة باسم لام أن الاجتماع سيعقد ”على نطاق صغير وسيكون مغلقا“ لضمان ”تبادل متعمق وصريح لوجهات النظر“.

حرب باردة

الى جانب ذلك أبلغ السفير الصيني لدى بريطانيا ليو شياو مينغ لندن بأن بكين ليست راغبة في حرب دبلوماسية معها لكنها ترفض ”عقلية الحرب الباردة“ التي تراها من بعض الساسة البريطانيين بشأن هونج كونج. وثمة حرب كلامية متصاعدة بين الصين وبريطانيا في أعقاب احتجاجات حاشدة في هونج كونج على مشروع قانون معلق من شأنه أن يسمح بتسليم متهمين إلى الصين.

وأبلغ السفير تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) بأن بكين لديها ثقة تامة في تعامل هونج كونج مع الوضع وأن الحكومة البريطانية هي التي تدخلت في شؤون المدينة الداخلية. وقال ”لسنا راغبين في حرب دبلوماسية مع بريطانيا... لا نزال ملتزمين بهذا العصر الذهبي بين دولتينا“، لكنه أضاف أن اللغة التي يستخدمها بعض الساسة البريطانيين إنما هي ”لغة عقلية الحرب الباردة“.

وقال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت إن الدول التي تقيد حرية الإعلام ينبغي أن تدفع ثمنا دبلوماسيا محذرا من تدهور الوضع في الصين وأماكن أخرى. وتابع هنت في مؤتمر عقد في لندن مع نظيرته الكندية كريستيا فريلاند ”إذا تحركنا معا يمكننا إلقاء الضوء على الانتهاكات وإجبار أولئك الذين يلحقون الأذى بالصحفيين أو يمنعونهم من أداء عملهم على دفع ثمن دبلوماسي“. وأضاف هنت الذي ينافس على خلافة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن على الدول أن تقاوم ”الإذعان لحتمية الأمر الواقع“ في التعامل مع الهجمات على حرية الإعلام مثل مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول.

واضاف هنت إنه لم يساند أي احتجاجات عنيفة في هونج كونج، وذلك بعدما ألقت وسائل إعلام صينية باللائمة في الاضطرابات الواقعة بالمستعمرة البريطانية السابقة على ”أيديولوجيين غربيين“. وصعدت الصين من الحرب الكلامية مع بريطانيا بشأن هونج كونج وبخاصة بعد أن حذر هنت من عواقب إهمال الصين لالتزامات قطعتها على نفسها عند استعادتها هونج كونج بأن تترك نمط الحياة كما هو لخمسين سنة على الأقل.

وألقت وسائل الإعلام الحكومية باللوم على لندن وواشنطن وعواصم غربية أخرى في دعم المتظاهرين. وجاء في المقال الافتتاحي لصحيفة تشاينا ديلي الرسمية ”الأيديولوجيون في حكومات الغرب لا يكفون أبدا عن السعي لإثارة القلاقل في الحكومات التي ليست على نفس توجهاتهم، حتى رغم أن تصرفاتهم تسببت في شقاء وفوضى في بلد تلو الآخر بأمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا“. وقالت الصحيفة ”يطبقون الآن الحيلة نفسها في الصين“. وتقول الصين إن بريطانيا ليست لديها أي مسؤولية تجاه هونج كونج. وتقول بريطانيا إنها لا تزال تبحث الإعلان المشترك لعام 1984 بشأن بنود إعادة هونج كونج للصين والتي تضمن صون حريات هذه المنطقة.

وقال هنت ”لا أجد في رد فعل الصين بهذا النحو مفاجأة كبيرة، لكنها بحاجة لأن تدرك أن بريطانيا بلد يحترم التزاماته الدولية وما كنت أقوله شيء لا جدال فيه إطلاقا وهو أننا وقعنا اتفاقا في 1984 يمتد 50 عاما ونتوقع من جميع الأطراف احترام هذا الاتفاق“. وأضاف ”هونج كونج لديها قضاء مستقل، وليس متوقعا مني كوزير لخارجية المملكة المتحدة أن أخمن كيف يعمل ذلك القضاء. ما كنت أقوله إنه ستكون هناك عواقب وخيمة إذا تم انتهاك الاتفاق الدولي الملزم قانونا بين المملكة المتحدة والصين“. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنه يتعين على الصين احترام الحقوق والحريات في هونج كونج وإنها أجرت اتصالات مع بكين للتعبير عن القلق إزاء هذا الأمر.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الذين يظنون أن الصين ستتراجع الى الخلف يسيطر عليهم الوهم
هم يحرضون المتظاهرين ويؤيدونهم بالكلام الأجوف وهذا هو مالديهم من دعم
لكن تجربة ميدان السلام السماوي مازالت حاضرة في الأذهان..والكل سيتوارى عندما يسيل الدم
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-08-10

مواضيع ذات صلة

5