مع تنامي دور وقوة حزب الله السياسية والعسكرية في لبنان والمنطقة، سعت الولايات الامريكة الحليف الاساسي لاسرائيل ومنذ تولي دونالد ترامب مقاليد الحكم، الى تشديد اجراءاتها وضغوطها ضد جماعة حزب الله التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية فرضت ضدها العديد من العقوبات من قبل واشنطن وحلفائها بهدف عزل "حزب الله" على الساحة الدولية. وتتهم واشنطن بحسب بعض المصادر، حزب الله اللبناني بـتنفيذ عدد من الهجمات ضد منشآتها خارج البلاد لصالح حكومة طهران يضاف الى ذلك ان هذه الجماعة تهدد امن وسلامة اسرائيل، وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ان جماعة "حزب الله" اللبنانية تشكل تهديدا للاستقرار في الشرق الأوسط، عقب مشاورات أجراها في إسرائيل.

وخلال لقائه الرئيس الإسرائيلي ريئوفين ريفلين في وقت سابق، قال بومبيو انه يعتبر حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية وجماعة الحوثي اليمنية، والتي تتلقى جميعها الدعم من إيران، "كيانات تشكل خطرا على الاستقرار في الشرق الأوسط و إسرائيل". وتشعر إسرائيل بالقلق من أن تصبح مرة أخرى محط أنظار حزب الله مع انحسار دوره في الحرب بسوريا. وشنت إسرائيل ضربات جوية متكررة على مواقع تابعة لحزب الله اللبناني في سوريا.

وقال الرئيس الإسرائيلي إن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري "لا يمكن أن يقول لأحد إن لبنان منفصل عن حزب الله وإن حزب الله ليس جزءا من لبنان"، مشيرا إلى نفوذ حزب الله في لبنان. وأضاف "إذا حدث شيء من لبنان تجاه إسرائيل سنحمل لبنان المسؤولية". وفاز حزب الله بالتحالف مع جماعات وأفراد يدافعون عن ترسانته من الأسلحة بأكثر من 70 مقعداً في البرلمان الذي يضم 128 مقعداً في انتخابات العام الماضي. وفقد الحريري المدعوم من الغرب أكثر من ثلث مقاعده.

ويرى بعض المراقبين ان حزب الله اصبح اليوم اكثر قوة، فـسنوات القتال في سوريا اعطت الجناح العسكري للحزب الكثير من الخبرة القتالية التي تمكنه من التعامل عبر مختلف أنواع التضاريس ومسارح العمليات العسكرية، ويمكن القول إن مقاتلي حزب الله الذين يتراوح عددهم بين ٢٠ و٣٠ ألف جندي نظامي يشكّلون اليوم أقوى جيش عربي في الحقيقة، إذا قام الحزب بالمزج بين قدراته الدفاعية في جنوب لبنان وبين القدرات الهجومية التي اكتسبها في سوريا، فإنه قد يكون قادرا ليس فقط على صد التوغلات الإسرائيلية بل أيضا شن هجمات داخل الأراضي الإسرائيلية.

ويمتلك حزب الله بالفعل ترسانة هائلة من الطائرات بدون طيار، والصواريخ الطويلة المدى، وصواريخ أرض جو قصيرة المدى والقذائف المضادة للسفن. كما يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن حزب الله، بمساعدة من إيران، يقوم بتحويل الصواريخ "الغبية" إلى صواريخ دقيقة للغاية باستخدام تجهيزات توجيهية صغيرة تعمل على نظام جي.بي.إس يصعب اكتشافها. إن مثل هذه الأسلحة الدقيقة يمكن لها إذا ما تم تصنيعها على نطاق واسع أن تقوض التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في مجال الدفاع الجوي وتمكّن حزب الله من ضرب الأهداف العسكرية والمدنية الإسرائيلية بدقة متناهية. وأصبح الحزب أيضا وكما نقلت بعض المصادر لاعبا إقليميا يعتد به، إذ علّمته الحرب الخارجية كيفية نشر وإمداد قواته العسكرية خارج لبنان، مما سمح له ببناء شبكة من الحلفاء تمتد من إيران إلى سوريا ولبنان.

عقوبات وتهديدات

وفي هذا الشأن فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شخصين وثلاث شركات تتهمهم واشنطن بالضلوع في خطط لمساعدة حزب الله اللبناني على تفادي العقوبات الأمريكية، في تحرك يهدف إلى زيادة الضغط على الجماعة الشيعية المسلحة المدعومة من إيران. وقال مكتب وزارة الخزانة لمراقبة الأصول الأجنبية إن العقوبات استهدفت وائل بازي المقيم في بلجيكا لأنه تصرف نيابة عن والده محمد بازي أحد الممولين لحزب الله.

واتخذ المكتب إجراء أيضا ضد شركتين بلجيكيتين وشركة مقرها بريطانيا تخضع لسيطرة بازي. وإضافة إلى ذلك استهدفت الخزانة الأمريكية أيضا حسن طباجة قائلة إنه تصرف نيابة عن شقيقه أدهم طباجة وهو أيضا من الممولين لحزب الله. ويشمل الإجراء الأمريكي تجميد أصولهم وممتلكاتهم ويمنع المواطنين الأمريكيين والشركات الأمريكية من التعامل معهم. وقالت وزارة الخزانة في بيان إنه جرى فرض العقوبات على الرجلين والشركات الثلاث بموجب قوانين أمريكية تستهدف من يشتبه بأنهم إرهابيون أو الذين يدعمونهم. بحسب رويترز.

وقالت سيجال ماندلكر وكيلة وزارة الخزانة في بيان ”قامت الخزانة بتفكيك اثنتين من أهم الشبكات المالية لحزب الله في إطار سعيها المستمر لتعقب الجهات الممولة للحزب“. وأضافت ”باستهداف حسن طباجة ووائل بازي وشركاتهما في أوروبا تواصل هذه الإدارة قطع كل وسائل الدعم المالي التي يعتمد عليها حزب الله“. وتأتي الخطوة التي ترمي إلى زيادة الضغط على حزب الله في وقت يتزايد فيه قلق الولايات المتحدة من الدور الذي يلعبه الحزب في الحكومة اللبنانية. وتزايد نفوذ الحزب في المنطقة حيث يرسل مقاتلين إلى صراعات في الشرق الأوسط بما في ذلك الحرب في سوريا التي يقاتل فيها دعما للرئيس بشار الأسد.

الى جانب ذلك لمح حزب الله اللبناني إلى إمكانية قيام إيران وحلفائها بالرد إذا شددت الولايات المتحدة العقوبات ضدهم قائلا إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة إذا اتخذت واشنطن إجراءات ”تهدد شعبنا“. وقال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله إن إقدام الولايات المتحدة على تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية في وقت سابق هي خطوة تعكس فشل السياسة الأمريكية في المنطقة.

وأضاف نصر الله ”صحيح نحن حتى الآن أمام لوائح الإرهاب وأمام العقوبات نكتفي بالإدانة وبالاستنكار وبالتنديد وبالصبر وبشد الأحزمة وبإدارة الوضع ولكن هذا لا يعني أننا لا نملك أوراق قوة مهمة وأساسية. أنا لا أتحدث فقط عن حزب الله إنما أتحدث أيضا عن كل محور المقاومة“. وتابع في كلمة له في يوم الجريح بحضور العشرات من جرحى حزب الله ”نحن نملك الكثير من أوراق القوة والكثير من عناصر القوة ولكن نحن حتى الآن لم نقم برد فعل... لكن هذه ليست سياسية دائمة وثابتة. هناك إجراءات إذا اتخذها الأمريكي من يقول أنها ستبقى بلا رد فعل“. ومضى يقول ”عندما يحتاج الإجراء إلى رد فعل سيكون هناك رد فعل مناسب قطعا وحتما“ مشيرا إلى أن إيران وحلفاءها لديهم ”الكثير من أوراق القوة“.

من جانب اخر قالت الرئاسة اللبنانية إن الرئيس ميشال عون أبلغ وزير الخارجية الأمريكي الزائر مايك بومبيو أن حزب الله، الذي تدعمه إيران، حزب لبناني له قاعدة شعبية. وتابعت الرئاسة اللبنانية على تويتر أن عون قال لبومبيو ”الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي هو أولوية لنا وحزب الله حزب لبناني منبثق من قاعدة شعبية تمثّل واحدة من الطوائف الرئيسية في البلاد“. وقال الرئيس اللبناني ميشال عون إن العقوبات الأمريكية على جماعة حزب الله تضر لبنان ككل. وذكر مكتب الرئاسة أن عون ”أصبح لبنان ضمن الحصار المفروض على الآخرين ولاسيما على إيران، وهو يمر نتيجة لذلك بأزمة كبيرة“.

ضربة مدمرة

في السياق ذاته توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حزب الله المدعوم من إيران بتوجيه ضربة "مدمرة" إليه إذا ما هاجم إسرائيل. وقال نتانياهو خلال مجلس الوزراء "سمعنا (الأمين العام لحزب الله حسن) نصرالله يتباهى بخططه لشن هجوم". وتابع "لنكن واضحين. إن تجرأ حزب الله وأخطأ بمهاجمة إسرائيل، فسوف نسدد إليه ضربة عسكرية مدمرة".

وقال نصرالله في مقابلة مع قناة المنار "إيران قادرة على قصف اسرائيل بشراسة وقوة". وسأل "إذا حصلت حرب على إيران، من قال إنه سيتم تحييد اسرائيل؟" وأكد نصرالله أن كل المنشآت والمرافق والوزارات والمصانع والمطارات الموجودة في المنطقة الممتدة من نتانيا إلى أشدود "تحت مرمى صواريخنا ونستطيع أن نطالها"، مشيرا إلى أن حزب الله قادر على الوصول "إلى أبعد من إيلات".

وكثّفت إسرائيل في الأعوام الأخيرة وتيرة قصفها في سوريا، وتقول إنها تستهدف مواقع للجيش السوري وأهدافاً إيرانية وأخرى لحزب الله وهي تُكرّر التأكيد أنها ستواصل تصدّيها لما تصفه بمحاولات إيران الرامية إلى ترسيخ وجودها العسكري في سوريا وإرسال أسلحة متطورة إلى حزب الله. بحسب فرانس برس.

وخاض حزب الله الذي يتلقى المال والسلاح من طهران وتسهل سوريا نقل أسلحته وذخائره، حرباً ضد اسرائيل في العام 2006 اندلعت اثر خطفه جنديين بالقرب من الحدود مع لبنان. وردت اسرائيل بهجوم مدمر، إلا انها لم تنجح في تحقيق هدفها المعلن في القضاء على حزب الله، ما أظهر الحزب في نهاية الحرب داخلياً بموقع المنتصر. ويتزايد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وسط تصعيد في منطقة الخليج ومخاوف حول استمرار الاتفاق النووي الإيراني المهدد منذ انسحاب واشنطن منه في خطوة أحادية وإعادة فرضها عقوبات على إيران.

سلاح حزب الله

على صعيد متصل جدد الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش في تقرير نصف سنوي، مطالبته بنزع سلاح حزب الله الشيعي اللبناني ووقف عملياته العسكرية في سوريا المجاورة. واذ اشار الى أن الحكومة اللبنانية الجديدة تعطي أولوية للوضع الاقتصادي، اكد غوتيريش أن "من المهم أيضا الانصراف الى إعداد استراتيجيا دفاعية وطنية"، مشددا على "ضرورة أن تحتكر الدولة (اللبنانية) امتلاك واستخدام الاسلحة إضافة الى استخدام القوة، وهي قضية رئيسية (تندرج) في صلب سيادة لبنان واستقلاله السياسي".

واعتبر أن "هيمنة اسلحة خارج سيطرة الدولة، يضاف اليها وجود ميليشيات مسلحة، لا يزالان يهددان أمن واستقرار لبنان"، موضحا أن "استمرار حزب الله في امتلاك وسائل عسكرية متطورة خارج سيطرة الدولة اللبنانية يثير قلقا كبيرا". ولاحظ الامين العام أيضا أن استمرار تدخل حزب الله في النزاع في سوريا قد يؤدي الى "اغراق لبنان في نزاعات اقليمية ويهدد استقراره وكذلك استقرار المنطقة".

وتابع غوتيريش "أجدد مطالبة حزب الله وجميع الاطراف الآخرين المعنيين بالامتناع عن أي نشاط عسكري داخل او خارج البلاد، تنفيذا لبنود اتفاق الطائف والقرار 1559" الصادر العام 2004. وفضلا عن دعوته الحكومة اللبنانية "الى منع حزب الله والمجموعات المسلحة الاخرى من امتلاك اسلحة"، طالب غوتيريش "الدول التي تربطها صلات وثيقة بحزب الله بتشجيعه على تسليم سلاحه بحيث يكون حزبا سياسيا فقط" في إشارة ضمنية الى ايران. وحزب الله اللبناني مدرج على القائمة الاميركية ل"المنظمات الارهابية" وهو التنظيم الوحيد الذي لم يسلم سلاحه مع انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية العام 1990.

سوريا و حزب الله

من جانب اخر قال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله إن حزب الله قلص قواته في سوريا بعدما خفت حدة القتال على الرغم من انه لا يزال لديه مقاتلين في جميع أنحاء البلاد. ولعبت الجماعة الشيعية المدججة بالسلاح والمدعومة من إيران دورا محوريا في الحرب حيث ساعدت الرئيس السوري بشار الأسد في استعادة السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد. وظلت العديد من الخطوط الأمامية هادئة حيث سحق الجيش السوري المسلحين بمساعدة القوة الجوية الروسية والميليشيات المدعومة من ايران.

وقال نصر الله في مقابلة مع تلفزيون المنار التابعة لحزب الله ”ليس هناك مناطق في سوريا أخليناها بالكامل ولكن لا داعي أن تبقى الأعداد هي نفسها... ما زلنا موجودين في كل الاماكن التي كنا فيها في سوريا لكن قلصنا القوات بما يحتاجه الوضع الحالي وهذا ليس له علاقة بالعقوبات والتقشف المالي“. وبعد مرور ما يزيد على ثمانية أعوام على بدء الحرب، صار النفوذ في سوريا مقسّما بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران. ولن يتغير هذا الوضع على الأرجح في المستقبل القريب.

وفي الشمال الغربي يواجه هجوم الرئيس السوري بشار الأسد ضربات مضادة مؤلمة من المعارضة مما يؤكد إصرار تركيا على إبقاء هذه المنطقة بعيدة عن قبضة الأسد. وعلاوة على وجود القوات التركية مع المعارضة في الشمال الغربي فهناك قوات امريكية متمركزة الى جانب القوات الكردية المتحالفة معها في الشمال الشرقي.

وقال نصر الله "قمنا بإعادة انتشار واعادة تموضع" مشدداً على أن "كل التعاطي مع الملف السوري لا علاقة له بالعقوبات أو التقشف المالي" وقال "إذا دعت الحاجة لعودة كل من كان هناك سيعود". وقال نصرالله إن مقاتلي حزبه لا يشاركون حالياً في المعارك التي تشهدها محافظة إدلب (شمال غرب). بحسب فرانس برس.

وأوضح أن "ما يسمعه الايرانيون والسوريون من الروسي أنه غير مقتنع حتى الساعة بوجوب أو ضرورة خروج حزب الله أو المساعدة الايرانية وبقية أفرقاء محور المقاومة". ورأى أنه "حتى الساعة لا مصلحة لروسيا أن تخرج إيران من سوريا" لافتاً إلى أن "الروس يحاولون تدوير الزوايا والوصول الى تسوية معينة تمنع مواجهة بين اسرائيل من جهة وحزب الله أو إيران في سوريا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1