في ظل تصاعد التوترات والتهديدات بين واشنطن وطهران، التي اثارت قلق ومخاوف الكثير بعد ان سعت الولايات المتحدة الى زيادة تواجدها العسكري في الخليج، هددت إيران مجددا وكما نقلت بعض المصادر، باستئناف تشغيل أجهزة الطرد المركزي التي توقفت عن العمل وتخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء 20 بالمئة ضمن خطواتها الكبيرة المحتملة التالية بعيدا عن الاتفاق النووي لعام 2015. وتتجاوز التهديدات التي صدرت على لسان المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الخطوات الصغيرة التي اتخذتها طهران لزيادة مخزوناتها من المادة الانشطارية إلى ما يتجاوز حدود الاتفاق النووي.

ورغم تهديد إيران برفع مستوى التخصيب، قالت الولايات المتحدة إن العقوبات التي أعادت فرضها على طهران تؤتي ثمارها وحذرت زعماء إيران من الاستخفاف بعزم واشنطن. وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أمام مجموعة مؤيدة لإسرائيل في واشنطن ”حملة الرئيس ترامب لممارسة أقصى الضغوط على إيران تنجح“. وأضاف ”ما زلنا في البداية فحسب... هدف الرئيس هو إبرام اتفاق جديد سيتم التفاوض حوله بما يحقق مصالح الولايات المتحدة“.

وقال مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي ”يجب على إيران ألا تسيء فهم ضبط النفس الأمريكي بأنه ضعف لعزمها“، مؤكدا عزم واشنطن على حماية الأفراد والمواطنين الأمريكيين في الشرق الأوسط. والدبلوماسية النووية ماهي إلا منحى واحدا من مواجهة أوسع بين واشنطن وطهران تنذر بالتحول إلى صراع مفتوح منذ أن شددت الولايات المتحدة العقوبات على إيران منذ أوائل مايو أيار.

وقالت إيران إنها ستتخذ خطوة ثالثة لتقليص التزامها بالاتفاق في غضون 60 يوما. وقال كمالوندي إن السلطات الإيرانية تبحث الخيارات التي تشمل احتمال تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء 20 بالمئة أو أكثر واستئناف تشغيل أجهزة الطرد المركزي التي جرى تفكيكها لتحقيق أحد أهم أهداف الاتفاق النووي.

وتضع مثل هذه التهديدات الدول الأوروبية تحت ضغوط أكبر إذ تصر هذه الدول على ضرورة أن تواصل إيران الالتزام بالاتفاق حتى رغم انسحاب الولايات المتحدة منه. وفرضت واشنطن عقوبات تمحو أي فوائد كان من المفترض أن تحصل عليها إيران مقابل موافقتها على كبح برنامجها النووي بموجب الاتفاق المبرم عام 2015. ودفعت المواجهة الولايات المتحدة وإيران إلى شفا صراع عسكري حيث تراجع ترامب في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربات للجمهورية الإسلامية. وتخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 20 بالمئة سيكون خطوة مثيرة لأن هذا هو المستوى الذي كانت إيران قد وصلت إليه قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ. ولا تدعم الدول الأوروبية العقوبات الأمريكية مباشرة لكنها لم تتمكن من التوصل إلى سبل تسمح لإيران بتفاديها.

معاقبة إيران

وفي هذا الشأن اتخذت الدول الأوروبية أولى خطواتها نحو معاقبة إيران على انتهاك الاتفاق النووي واستندت في ذلك إلى آلية حل الخلافات في الاتفاق. وقال وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالإضافة إلى مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في بيان إن إيران ”تمارس أنشطة لا تتفق مع التزامتها“ بموجب الاتفاق المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة.

وأضافوا ”هذه القضايا المتعلقة بالالتزام لا بد من تناولها داخل إطار خطة العمل الشاملة المشتركة ويجب عقد لجنة مشتركة على وجه السرعة“ لبحث الخلاف. والدول الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاق عام 2015 هي الأطراف الغربية الباقية فيه بعد انسحاب الولايات المتحدة منه في العام الماضي.

ويمثل عقد لجنة مشتركة من الدول الموقعة على الاتفاق والتي تشمل روسيا والصين أول خطوة في عملية منصوص عليها في الاتفاق يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة فرض العقوبات الدولية التي تم رفعها بموجبه عن إيران. وقالت الدول الأوروبية في بيانها ”إيران أعلنت أنها تريد البقاء ضمن الاتفاق. ويتعين أن تتصرف على هذا الأساس بالعدول عن الأنشطة (التي تمارسها) والعودة دون تأخير للالتزام الكامل بخطة العمل الشاملة المشتركة“.

وسمح الاتفاق النووي بين إيران وست دول كبرى لطهران بالمشاركة في التجارة العالمية في مقابل موافقتها على فرض قيود على برنامجها النووي. وأحاطت الشكوك بمستقبل الاتفاق منذ إعلان الولايات المتحدة انسحابها منه وإعادة فرض العقوبات من جانب واحد على طهران. وقالت إيران إنها تريد مواصلة الالتزام بالاتفاق لكنها لا يمكن أن تفعل ذلك إلى ما لا نهاية إذا منعتها العقوبات الأمريكية من الحصول على أي من الفوائد الاقتصادية الموعودة بعد توقيع الاتفاق.

ووصل الاتفاق إلى منعطف خطير عندما أعلنت إيران عن خطوات تمثل خرقا لالتزاماتها الأساسية وذلك بقولها إن اليورانيوم المخصب لديها فاق المسموح به في الاتفاق وإنها قامت بتصفية اليورانيوم إلى درجة نقاوة أعلى. وتقول إيران إن الخطوات التي أقدمت عليها يسمح بها الاتفاق ردا على تخلى الولايات المتحدة عن التزاماتها. وقالت إنها يمكن أن تتخذ خطوات أخرى خلال 60 يوما بينها إعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي المتوقفة عن العمل وتنقية اليورانيوم إلى مستوى أعلى.

وتمثل الدبلوماسية النووية قضية أساسية في مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإيران تصاعدت منذ بداية مايو أيار عندما شددت واشنطن العقوبات على إيران مستهدفة وقف جميع صادراتها النفطية. واتخذ النزاع بعدا عسكريا عندما اتهمت واشنطن طهران بشن هجمات على سفن في الخليج. وأسقطت إيران طائرة أمريكية مسيرة مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإصدار أمر بتوجيه ضربات جوية انتقامية لكنه ألغاها قبل التنفيذ بدقائق. واختلفت القوى الأوروبية بشدة مع قرار الإدارة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي. ومنذ ذلك الوقت وجدت نفسها في وسط النزاع محاولة إقناع إيران بالالتزام بالاتفاق دون الحصول على الفوائد الاقتصادية الموعودة. بحسب رويترز.

وتقول إدارة ترامب إن الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ضعيف للغاية لأن بعض بنوده ليست دائمة ولأنه أغفل قضايا غير نووية مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني والقضايا الإقليمية. وتؤيد الدول العربية النفطية في الخليج السياسة الأمريكية المتشددة تجاه إيران التي تعتبرها تلك الدول خصما لها وهي تستفيد من عقوبات واشنطن التي أبعدتها عن السوق النفطية. كما تؤيد إسرائيل السياسة الأمريكية وكثيرا ما حثت الدول الأوروبية على إعادة فرض العقوبات على إيران.

بتخصيب اليورانيوم

على صعيد متصل اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بتخصيب اليورانيوم سرا ولفترة طويلة وحذر من أن العقوبات الأمريكية ستزيد قريبا و“بشكل كبير“، فيما عقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة اجتماعا طارئا بشأن انتهاك طهران للاتفاق النووي. واستغلت واشنطن اجتماع مجلس محافظي الوكالة لاتهام إيران بالابتزاز بعدما تجاوزت حد تخصيب اليورانيوم المسموح به بموجب الاتفاق، لكنها عبرت عن استعدادها لإجراء محادثات مع طهران.

وقال ترامب على تويتر ”لطالما كانت إيران تخصب (اليورانيوم) سرا في انتهاك كامل للاتفاق الرديء الذي تكلف 150 مليار دولار والذي أبرمه (وزير الخارجية السابق) جون كيري وإدارة (الرئيس الأمريكي السابق باراك) أوباما“. وأضاف ”تذكروا أن أجل هذا الاتفاق كان سينقضي خلال سنوات قليلة. العقوبات ستزيد قريبا وبشكل كبير“.

ورد كاظم غريب آبادي سفير إيران لدى الوكالة على اتهامات ترامب، قائلا إن كل نشاط نووي تقوم به إيران يخضع لمراقبة الوكالة. وأضاف آبادي للصحفيين بعد اجتماع لمجلس محافظي الوكالة، الذي دعت إليه الولايات المتحدة، ”ليس لدينا ما نخفيه“. وقال في مقابلة نشرتها صحفية ألمانية في وقت سابق إن طهران مستعدة للحفاظ على الاتفاق النووي إذا أوفت الأطراف الموقعة عليه بالتزاماتها. وأضاف لصحيفة دي فيلت الأسبوعية ”يمكن التراجع عن كل شيء خلال ساعة واحدة إذا أوفى كل شركائنا في الاتفاق أيضا بالتزاماتهم بموجبه“.

وقالت بعثة الولايات المتحدة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في بيان أثناء اجتماع مجلس المحافظين المغلق ”لا يوجد سبب منطقي لأن تتوسع إيران في برنامجها النووي، كما لا يوجد سبب في قراءة هذا (الموقف) بخلاف أنه محاولة فظة وواضحة لابتزاز المجتمع الدولي بالحصول على أموال منه“. وأضافت ”ندعو إيران إلى التراجع عن الخطوات النووية الأحدث ووقف أي خطط لاتخاذ خطوات أخرى في المستقبل. أوضحت الولايات المتحدة أنها مستعدة للتفاوض دون شروط مسبقة. ونعرض على إيران إمكانية تطبيع العلاقات معها بصورة كاملة“. بحسب رويترز.

وخلال اجتماع آخر مغلق مع الدول الأعضاء أكد مفتشو الوكالة أن إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء 4.5 في المئة، أي بما يفوق مستوى 3.67 في المئة الذي يسمح به الاتفاق. وقال دبلوماسيون مطلعون إن هذا الانتهاك هو الثاني خلال أسبوعين. وقال مصدر مخابرات غربي ”تشير آخر الخطوات إلى أن قيادة طهران اتخذت قرارا بالانتقال لموقف الهجوم لكسب أرض في مواجهة المجتمع الدولي والتوصل إلى حل للتخلص من قيودها“.

ووجه ترامب تحذيرا لإيران في حديثه للصحفيين وقال ”من الأفضل لإيران توخي الحذر“. وأضاف الرئيس الأمريكي أن إيران ”تفعل الكثير من الأشياء السيئة“، لكنه لم يذكر تفاصيل. وقال ”لن تمتلك إيران سلاحا نوويا أبدا“. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن هذه الخطوة شديدة الخطورة ودعا أوروبا مجددا إلى فرض عقوبات على طهران. وقال نتنياهو ”تخصيب اليورانيوم له سبب واحد ووحيد... صنع قنابل ذرية“.

فرنسا وخرق الاتفاق

من جانب اخر قالت وزارة الخارجية الفرنسية إن إيران لن تكسب شيئا من مخالفة بنود الاتفاق النووي وذلك ردا على إعلان طهران أنها ستزيد مستوى تخصيب اليورانيوم. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد قال في وقت سابق إن إيران ستزيد تخصيب إلى أي مستوى تحتاج إليه متجاوزة حد النقاء المنصوص عليه في اتفاق 2015 والبالغ 3.67 في المئة.

وقالت أنييس فون دير مول المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية للصحفيين في إفادة يومية ”لن تكسب إيران شيئا من الخروج من اتفاق فيينا“. وأضافت ”التشكيك في (الاتفاق) سيؤدي فقط إلى زيادة التوترات المتصاعدة بالفعل في المنطقة“. وقالت فون دير مول ”لهذا السبب تطالب فرنسا وشركاؤها الأوروبيون إيران بقوة بالتراجع عن التخصيب الزائد دون تأخير والامتناع عن أي إجراءات أخرى تقوض التزاماتها النووية“.

ومع تضرر اقتصاد إيران من العقوبات الأمريكية، تقول طهران إنها ستواصل النهج الحالي حتى تبذل القوى الأوروبية المشاركة في الاتفاق، وهي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، مزيدا من الجهد لضمان استفادتها ماليا من الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بعائدات النفط. وتسعى القوى الأوروبية لمنع المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران وتريد تجنب رفع الأزمة الدبلوماسية إلى الأمم المتحدة.

وقالت فون دير مول، ردا على سؤال عما إذا كانت آلية تجارة تخطط أوروبا لها ستبدأ قريبا في إتاحة بعض عمليات نقل الأدوية والمواد الغذائية على الأقل، إن القوى الأوروبية لا تدخر جهدا لكن ضمان حصول إيران على المنافع الاقتصادية للاتفاق ليس بيد تلك القوى وحدها. وأضافت ”أُنشئت آلية إنستكس للمقاصة لتسهيل المعاملات المالية في الأعمال المشروعة بين أوروبا وإيران، بناء على انصياع إيران الكامل لالتزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)“. بحسب رويترز.

وتابعت قائلة دون الخوض في تفاصيل ”الآلية جاهزة الآن للعمل وتم البدء في معالجة أولى المعاملات، يجب أن يستمر التعاون مع الهيكل الإيراني الموازي للحفاظ على تدفق التجارة“. وإنستكس آلية للتجارة بالمقايضة تهدف لتجنب التعاملات المالية المباشرة عن طريق الموازنة بين الموردين والمصدرين بالجانب الأوروبي. وتعمل طهران على إنشاء آلية مكافئة من أجل الشركات الإيرانية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3