زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة المتحدة، والتي تأتي في وقت صعب حيث تبحث بريطانيا عن خلف لرئيسة الوزراء تيريزا ماي التي فشلت في تنفيذ اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد ثلاث سنوات على الاستفتاء حول بريكست، هذه الزيارة التي جاءت تلبية لدعوة رسمية من الملكة إليزابيث الثانية، عدها البعض زيارة مهمة لرئيس الامريكي ترامب الساعي الى تحقيق اهداف ومصالح خاصة في هذا الوقت بذات، خصوصا وان ترامب المعروف بتصريحاته المثيرة للجدل، لم يتردد في التدخل بالشؤون الداخلية لبريطانيا، ففي مقابلات مع صحف بريطانية انتقد الطريقة التي أدارت بها تيريزا ماي المفاوضات مع المفوضية الأوروبية، وقام بتزكية وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، الذي يؤيد "بريكست" بلا اتفاق، لتولي رئاسة الحكومة البريطانية خلفا لها.

وقد أثارت تصريحات ترامب هذه جدلاً حيث دانها زعيم حزب العمال البريطاني، جيريمي كوربن، معتبرا أنها "تدخل غير مقبول، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوصل بلاده إلى "اتفاق تجاري مهم للغاية" مع بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما بدت انعكاسات بريكست أكثر إرباكا للشركات، حيث انكمش قطاع التصنيع البريطاني بشكل غير متوقع في مايو/ أيار الماضي، للمرة الأولى منذ الاستفتاء المباشر على الخروج من الاتحاد الأوروبي منتصف عام 2016. وقال ترامب مازحاً لرئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي، التي أعلنت استقالتها، أن عليها "البقاء" وإقامة تحالف اقتصادي أقوى مع الولايات المتحدة عندما تغادر بلادها الاتحاد الأوروبي.

وأضاف خلال اجتماع في لندن، حضره رؤساء كبرى الشركات التجارية ووزراء: "أثمّن كثيراً العلاقة بيننا". وتابع "أعتقد أننا سنتوصل إلى اتفاق تجاري مهم للغاية. سيكون اتفاقاً منصفاً جداً. نريد إنجازه وسننجزه". ورغم انتقاده مراراً لاستراتيجية ماي بشأن بريكست، إلا أن ترامب قال إنها قامت بـ"عمل رائع".

وتتركز زيارة ترامب على حضّ ترامب بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، مشيرا إلى أن وزير الخارجية السابق المؤيد لبريكست بوريس جونسون سيكون خياراً "ممتازاً" لرئاسة الحكومة وإتمام عملية الانسحاب. وهو بمثابة دعم امريكي مطلق لتفكيك الاتحاد الأوروبي حسب واشنطن بوست، والذي يعتبر القوة الاقتصادية الأولى التي تنافس الولايات المتحدة، وإلى استخدام بريطانيا المحتمل لتكنولوجيا مجموعة الاتصالات الصينية العملاقة "هواوي" لتأسيس شبكات الإنترنت من الجيل الخامس.

والولايات المتحدة هي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم إذ يبلغ حجمه 21.3 تريليون دولار أي ما يعادل 24 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما بريطانيا فهي خامس أكبر اقتصاد في العالم بقيمة 2.4 تريليون دولار أي ثلاثة في المئة من الناتج المحلي العالمي. ورغم أن الاتحاد الأوروبي يمثل نحو نصف التجارة الخارجية لبريطانيا فإن الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري منفرد لبريطانيا بفارق كبير تليها ألمانيا ثم هولندا وفرنسا والصين. وتمثل بريطانيا من جانبها سابع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بعد الصين وكندا والمكسيك واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية.

استقبال ملكي

وفي هذا الشأن استقبلت بريطانيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استقبالا ملكيا. واستقبلت الملكة (93 عاما) ترامب وزوجته ميلانيا في قصر بكنجهام وكتب ترامب على تويتر لدى هبوطه في مطار ستانستيد ”أتطلع لأن أكون صديقا رائعا للمملكة المتحدة وأتطلع بشدة لزيارتي“. لكن خلف الكواليس يثير الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته غضب أوثق حليفة لبلاده، والتي تعصف الفوضى منذ شهور بمؤسستها السياسية جراء قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي.

فقبل قليل من وصوله إلى العاصمة البريطانية لندن، أثار خلافا مع رئيس بلديتها صادق خان واصفا إياه بأنه ”فاشل تماما“ وكان خان كتب على تويتر أن على بريطانيا ألا ”تبسط السجادة الحمراء“ لترامب. وجرى تصوير زيارة الدولة، التي وعدته بها رئيسة الوزراء تيريزا ماي في يناير كانون الثاني 2017 عندما أصبحت أول زعيم خارجي يلتقي به بعد توليه المنصب، على أنها فرصة للاحتفاء ”بالعلاقة الخاصة“ بين بريطانيا والولايات المتحدة ودفعة للروابط التجارية ومعاودة التأكيد على التعاون الأمني.

وفي قصر بكنهجام، وقفت ميلانيا إلى جانب الملكة إليزابيث وكاميلا زوجة تشارلز في حين استعرض ولي العهد وترامب حرس الشرف. وقال ترامب الذي دأب على انتقاد أساليب ماي بشأن الخروج، إن على بريطانيا أن تترك التكتل في الموعد المحدد في 31 أكتوبر تشرين الأول باتفاق أو بدون اتفاق وأشاد بخليفة محتمل أكثر تشددا تجاه الاتحاد الأوروبي وأكثر تأييدا للخروج منه ووصفه بأنه زعيم بريطاني. ودعا أيضا إلى أن يقود نايجل فاراج المؤيد بشدة للانسحاب من الاتحاد الأوروبي والمنتقد الشديد لحزب المحافظين الذي تنتمي له ماي، محادثات الخروج مع بروكسل. وخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي هو أكبر خطوة جيوسياسية تقوم بها بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية، وإذا تمت فستكون بريطانيا أكثر اعتمادا على الولايات المتحدة مع تراجع العلاقات مع الاتحاد الذي يضم 27 دولة.

وفي اجتماعه مع ماي، حذر ترامب بريطانيا أيضا من أن التعاون الأمني، وهو حجز الزاوية لشبكة المخابرات الغربية، قد يتأثر إذا سمحت لندن لشركة هواوي الصينية بأن يكون لها دور في بناء أجزاء من شبكة الجيل الخامس البريطانية لتكنولوجيا الهاتف المحمول. وأبلغت إدارة ترامب الحلفاء بألا تستخدم تكنولوجيا الجيل الخامس ومعداته خشية أن يسمح ذلك للصين بالتجسس على اتصالات وبيانات حساسة. وتنفي هواوي القيام بذلك أو أنها أداة للحكومة الصينية للتجسس على الدول الأخرى. بحسب رويترز.

وعلاقة بريطانيا بالولايات المتحدة بمثابة تحالف دائم، لكن بعض الناخبين البريطانيين يرون ترامب فظا ومتقلبا ولا يخالف قيمهم بشأن قضايا تتراوح من تغير المناخ إلى تعامله مع النساء. وانتقد جيريمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض، الذي رفض دعوة حضور المأدبة، ترامب على تدخله في السياسة البريطانية. وقال كوربين ”محاولة الرئيس ترامب لتحديد من سيكون رئيس وزراء بريطانيا المقبل تدخل غير مقبول بالمرة في شؤون بلدنا الديمقراطي“. وعلى الرغم من التحالف الراسخ بين بريطانيا والولايات المتحدة فإن بعض الناخبين البريطانيين يرون في ترامب شخصا فظا ومتقلبا ويعارض قيمهم فيما يتعلق بقضايا عدة من تغير المناخ إلى معاملة المرأة.

احتجاجات في لندن

في السياق ذاته احتج آلاف الأشخاص في وسط لندن على زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبريطانيا، ورفع المحتجون لافتات بعضها ساخر والآخر فظ فيما وصفه المنظمون ”كرنفال المقاومة“ في ميدان الطرف الأغر في حين تجري رئيسة الوزراء تيريزا ماي محادثات مع الرئيس في مقر رئاسة الوزراء في داوننج ستريت على مسافة قريبة من موقع الاحتجاج.

وساد جو احتفالي وسط الحشد الذي سيلقي جيريمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض كلمة أمامه في وقت لاحق. وترامب من أكثر الزعماء الأجانب المعروفين في أوساط البريطانيين لكنه أقلهم محبة لديهم. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوجوف إن 21 بالمئة فقط من البريطانيين لديهم ”رأي إيجابي“ عنه. وبين النساء تقلصت النسبة إلى 14 بالمئة. ووضع المحتجون تمثالا ضخما لترامب يصوره وهو جالس على مرحاض ذهبي وسرواله متدل عند كاحليه. وكتبوا على لافتات ”ترامب ابق بعيدا... نحن قادرون وحدنا على وضع سياساتنا“ و“لا يمكنك التغلب على العصرية“ و“احبسوه في البرج“.

وقالت آنا فينتون (23 عاما) وهي مديرة تسويق من لندن بينما كانت تحمل لافتة كتب عليها ”من أين أبدا؟“ إن ترامب ”رجل جاهل في السبعين من عمره يعيش حياة الترف“. وأضافت إنها تحتج لإظهار تضامنها مع ”الأشخاص الذين أضرتهم لغة ترامب وسياساته“. وحلق بالون عملاق يصور الرئيس دونالد ترامب في شكل رضيع غاضب يرتدي حفاضا في السماء خارج البرلمان البريطاني في لندن.

ورُفع البالون الذي يصل ارتفاعه إلى ستة أمتار في ميدان البرلمان. وقال ليو موراي (42 عاما) الذي شارك في صنع البالون ”نحاول تذكير الرئيس بمدى عدم الترحيب به في هذا البلد“. وأضاف ”كما أننا نحاول، وبخفة ظل، التعبير عن قوة المشاعر المناهضة لدونالد ترامب ولسياسات الكراهية التي ينتهجها. نريد رسم البسمة على وجوه الناس وكذلك إيصال رسالة جادة“. بحسب رويترز.

وفي بريطانيا، ساعدت قرارات ترامب، مثل فرض حظر على السفر إلى الولايات المتحدة على عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق العالمي لمكافحة تغير المناخ وانتقاد الساسة البريطانيين، في حشد المعارضة ضد رئاسته. وقال أنصار الرئيس الأمريكي إن ازدراء زعيم أقرب حليف لبريطانيا يعد إهانة. لكن المتظاهرين حصلوا على دعم تكتيكي من صادق خان رئيس بلدية لندن الذي دخل في صدامات كثيرة مع ترامب وأعطى الإذن بتحليق البالون.

الى جانب ذلك جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه اللفظي على صادق خان رئيس بلدية لندن فوصفه بأنه ”فاشل تماما“ بعد أن انتقد خان قرار الحكومة البريطانية استضافته في زيارة دولة. وكتب ترامب على تويتر قبل فترة وجيزة من هبوط طائرته في مطار ستانستيد قرب لندن ” صادق خان، الذي كان أداؤه سيئا على كل المستويات كرئيس للبلدية، كان بغيضا جدا تجاه رئيس الولايات المتحدة الزائر أهم حليف على الإطلاق لبريطانيا“. وأضاف ”إنه فاشل تماما ويتعين عليه التركيز على الجريمة في لندن وليس علي“.

وقال خان الذي ينتمي لحزب العمال إنه من الضروري أن تحافظ بريطانيا على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة لكن ليس عليها ”بسط السجادة الحمراء“ لترامب. كما شبه خان ترامب بالفاشيين في القرن العشرين. وقال متحدث باسم خان ”هذا أخطر بكثير من الإهانات الطفولية التي ينبغي ألا تصدر من رئيس الولايات المتحدة“. وأضاف ”صادق يمثل قيم لندن التقدمية وبلدنا يحذر من أن دونالد ترامب هو أكبر مثال فاضح على تصاعد تهديد اليمين المتطرف حول العالم“. بحسب رويترز.

وقال جيريمي هنت وزير الخارجية والمرشح لزعامة حزب المحافظين إن زيارة ترامب يجب أن تسمو فوق السياسات الحزبية. وقال هنت الذي كان في استقبال ترامب لدى وصوله إلى مطار ستانستيد إن ترامب تحدث معه عن رئيس بلدية لندن. وأضاف هنت لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ”لم يكن يقول بالضبط إنه سيوجه دعوة سخية لصادق خان في البيت الأبيض في أي وقت قريب“. ورفض هنت الخوض في مزيد من التفاصيل بشأن حديثه مع ترامب. وتعد لندن ونيويورك أكبر مركزين لصناعة المال في العالم. وفي حين أن لندن هي المركز الأكبر بكثير لتعاملات الصرف الأجنبي والإقراض الدولي فإن نيويورك هي الأكبر بالنسبة للسندات والأسهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2