أثار قرار رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الاستقالة من منصبها بعد ان فشلت ثلاث مرات في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي بشأن الخروج بسبب انقسامات عميقة وطويلة الأمد داخل حزب المحافظين تتعلق بأوروبا. وأدى ذلك لتأجيل موعد الخروج الأصلي يوم 29 مارس آذار إلى 31 أكتوبر تشرين الأول في محاولة للتوصل لحل توافقي، ردود افعال مختلفة داخل وخارج بريطانيا التي تستعد اليوم الى اختيار بديل جديد لخلافة ماي والتي ستغادر منصبها في 7 يونيو/حزيران على وقع انقسامات بشأن كيفية التعامل مع قرار الناخبين في 2016 الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بعد نحو 50 عاما من العضوية.

وأبلغت ماي الملكة إليزابيث الثانية الاستقالة من زعامة حزب المحافظين والاستمرار في منصبها كرئيسة للوزراء "حتى اختيار رئيس وزراء جديد للبلاد". وأضافت والدموع تغلبها: "من مصلحة البلاد أن يقودها رئيس وزراء جديد.. ممتنة جدا لخدمة هذا البلد الذي أحبه". وجاءت خطوة "ماي" استجابة لضغوط حزبها الذي طالبها بالاستقالة، بعد فشلها في تنفيذ اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست".

وكشفت استطلاعات الرأي أن أعضاء الحزب يؤيدون الخروج من الاتحاد الأوروبي بأغلبية ويؤيدون الخروج من الاتحاد دون اتفاق. وألقت الانقسامات داخل حزب المحافظين بظلالها على آخر أربعة رؤساء وزراء منه وهم تيريزا ماي وديفيد كاميرون وجون ميجر مارجريت تاتشر ولا توجد مؤشرات تذكر على أن هذه الخلافات قد تحل في وقت قريب. ودعا حزب العمال المعارض لإجراء انتخابات على الفور بعد إعلان ماي استقالتها.

ويتمثل القلق الرئيسي في أن المرشحين الأوفر حظا لتولي رئاسة حزب ماي المحافظ، وفي مقدمهم وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، يؤكدون أنهم سيمضون قدما ببريكست مهما كان الثمن. وقال جونسون: "سنغادر الاتحاد الأوروبي بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر باتفاق أو بلا اتفاق. لإنجاز الأمور، عليك أن تكون مستعدا للخروج من دون اتفاق". وأبرز منافسين لجونسون هما وزير بريكست السابق دومينيك راب الذي يعد أكثر تشددا بتشكيكه في الاتحاد الأوروبي، ووزير الخارجية جيريمي هانت. ويدرك المتنافسون كذلك ان قرار ماي التعهد بإجراء استفتاء ثان على بريكست لاسترضاء المعارضة المؤيدة للاتحاد الأوروبي تسبب بغضب في صفوف الحزب المحافظ.

خلافة ماي

وفي هذا الشأن يتزاحم مرشحون محافظون عديدون على خلافة رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة تيريزا ماي، ويملك كل منهم مقاربته الخاصة لإدارة ملف الخروج الشائك من الاتحاد الأوروبي. وبات وزير البيئة مايكل غوف (51 عاماً) آخر من يعلنون ترشحهم، وهو غير مؤمن بالمشروع الأوروبي وقد يكون بمثابة رجل المرحلة بسبب مرونة مواقفه. من جانبه لم ينتظر رئيس بلدية لندن السابق ووزير الخارجية السابق بوريس جونسون إعلان تيريزا ماي ، ليشير إلى نيته شغل المنصب.

ويمثّل الرجل (54 عاماً) الذي كان أحد مهندسي فوز مؤيدي بريكست في استفتاء 2016، المرشح الأفضل بالنسبة إلى ناشطي الحزب المحافظ على مستوى القاعدة. كما يظهر بين المرشحين الرئيسيين دومينيك راب، أحد وجوه الحرس الجديد للمحافظين والوزير السابق المكلّف بريكست، وكذلك وزير الخارجية الحالي جيريمي هانت والرئيسة السابقة لشؤون البرلمان اندريا ليدسوم.

وقالت ليدسوم لصحيفة صنداي تايمز "بهدف النجاح في المفاوضات، يجب أن نكون مستعدين لصفع الباب"، بينما كتب دومينيك راب "سأفضّل أنّ نترك (الاتحاد الاوروبي) باتفاق". كما تقدّم وزير الصحة مات هانكوك، ووزير التنمية الدولية روري ستيوارت ووزير العمل السابق استر ماكفي، لشغل المنصب. ويمكن لآخرين الالتحاق بهذه الأسماء في الأيام المقبلة، فيما يُعدُّ وزير الداخلية ساجد جاويد من الأسماء الكبيرة المحتملة.

وتترك تيريزا ماي لخلفها تركة ثقيلة لناحية تطبيق بريكست في بلد منقسم حول المسألة. وسيتم ذلك إما عبر إعادة التفاوض حول اتفاق جديد مع بروكسل -- رفض النواب الاتفاق الذي توصلت إليه --، وإما عبر اختيار خروج بلا اتفاق. وقالت ماي الجمعة إنّها ستغادر منصبها في 7 حزيران/يونيو، وعبّرت عن "أسفها العميق" إزاء إخفاق محاولاتها للطلاق مع الاتحاد الأوروبي بعد ثلاث سنوات على تصويت 52% من الناخبين البريطانيين في استفتاء على هذا الخيار.

وستتكفل ماي ادارة المرحلة الانتقالية حتى "تتويج" مئة الف عضو في حزبها، قبل 20 تموز/يوليو، أحد مرشحين اثنين يختارهما النواب، زعيماً جديداً للحزب، وبالتالي للحكومة. وبذلك تكون استقالة ماي بمثابة صافرة انطلاق للصراع على السلطة لدى المحافظين. ولا يستبعد المرشح الأوفر حظاً لخلافة تيريزا ماي، بوريس جونسون، خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. وقال جونسون إنّه سيرغب في إعادة التفاوض على الاتفاق الذي توصلت غليه ماي مع بروكسل، غير أنّه اضاف: "سنغادر الاتحاد الأوروبي في 31 تشرين الأول/اكتوبر، باتفاق أو من دونه"، رافضاً بذلك تأجيلاً جديداً للمهلة الممنوحة لبريطانيا.

وحذّر وزير المال فيليب هاموند عبر هيئة الإذاعة البريطانية من أنّه قد يصل إلى حد التصويت ضدّ الحكومة الجديدة التي سيشكلها حزبه لتجنّب بريكست بلا اتفاق سيكون له "أثر اقتصادي ومالي مهم جداً على البلاد". من جانبه اعتبر مات هانكوك عبر سكاي نيوز أنّ طلاقاً بهذا الشكل "ليس خياراً سياسياً محتملاً بالنسبة إلى رئيس الوزراء المقبل" إذ سبق للنواب البريطانيين أنّ صوّتوا ضدّه.

وسيواجه رئيس الوزراء المقبل موازين القوى نفسها في مجلس العموم لأنّ وصوله إلى المنصب لم يتم عبر انتخابات جديدة. ويعتبر أستاذ السياسات العامة في "مدرسة لندن للاقتصاد" طوني ترافرز أنّ "السؤال هو: هل يمكن لرئيس وزراء جديد العودة للقاء الأعضاء ال27 في الاتحاد الأوروبي والحصول على اتفاق جديد وأكثر جاذبية للبرلمان؟". بحسب فرانس برس.

وكانت المفوضية الأوروبية ردت بأنّ استقالة تيريزا ماي لا تغيّر "شيئاً" في موقف الدول الأعضاء بشأن اتفاق الخروج. من جانبه، دعا زعيم الحزب العمّالي جيريمي كوربن إلى إجراء انتخابات تشريعية جديدة. غير أنّ سيناريو مماثلا لا يغري المحافظين ذوي الغالبية الضئيلة في البرلمان والتي يمكن خسارتها إثر تصدّر حزب بريكست بزعامة نايجل فاراج نوايا التصويت في الانتخابات الأوروبية التي شهدتها بريطانيا.

انتحار سياسي

على صعيد متصل قال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت إن السعي للانفصال عن الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق عن طريق انتخابات عامة سيكون ”انتحارا سياسيا“ مضيفا أنه سيسعى للحصول على مزيد من الوقت للتوصل إلى اتفاق إذا حل محل رئيسة الوزراء تيريزا ماي. وخالف بقية المرشحين البارزين لخلافة ماي وقال إن التعهد بمغادرة الاتحاد الأوروبي في موعد محدد باتفاق أو بدون اتفاق سيواجه رفضا من أعضاء البرلمان الذين يعارضون الخروج بدون اتفاق وسيؤدي إلى انتخابات عامة.

وكتب هنت في صحيفة (ديلي تليجراف) ”محاولة الخروج بدون اتفاق عبر انتخابات عامة ليس حلا إنه انتحار سياسي“. وأضاف ”لذلك فإن الحل الوحيد هو اتفاق مختلف وهو ما سأسعى له إذا أصبحت زعيما“. وهنت واحد من عشرة أعضاء في البرلمان من حزب المحافظين رشحوا أنفسهم حتى الآن لخلافة ماي. وذكر هنت أن بريطانيا تحتاج اتفاقا جديدا للخروج وكذلك فريقا جديدا للتفاوض يشمل مؤيدين للانفصال من حزب المحافظين وأعضاء من الحزب الديمقراطي الوحدوي بأيرلندا الشمالية.

وقال إن هناك حاجة لإعادة التفاوض على مسودة اتفاق الخروج التي أبرمتها ماي مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر تشرين الثاني مضيفا أن الترتيب الخاص بأيرلندا قد يتغير. وقال بوريس جونسون، أبرز المرشحين لخلافة ماي، إن بريطانيا ينبغي أن تغادر الاتحاد ”باتفاق أو بدونه“ بحلول 31 أكتوبر تشرين الأول. بحسب رويترز.

وذكر كيت مالتهاوس، وزير الدولة للإسكان الذي رشح نفسه أيضا لخلافة ماي، إنه يريد صياغة اتفاق للخروج لكن يتعين بدء الاستعدادات بجدية تحسبا للانفصال بدون اتفاق. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية ”نحن لا نريد الخروج بدون اتفاق بل نريد اتفاقا لكننا سنكون مستعدين لذلك“. وأضاف ”ينبغي أن نستعد للانفصال بدون اتفاق على أساس أن الاتحاد الأوروبي قد يختار ذلك له ولنا... نحتاج الاستعداد ليوم 31 أكتوبر بحيث نكون قادرين على قبول عدم وجود اتفاق إن شئنا، نحن في حاجة لبعض المحادثات الصريحة بشأن القطاعات التي ستتأثر“.

موقف الاتحاد الأوروبي

في السياق ذاته أثار قرار رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الاستقالة ردود فعل في أوروبا وخارجها، فقد اعتبر الاتحاد الأوروبي أن استقالة ماي لن "تغير شيئا" من محادثات بريكسيت، في حين أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالقرار واعتبره "عملا شجاعا". وقالت المفوضية الأوروبية إن استقالة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي "لا تغير شيئا" في موقف الدول الـ27 الأعضاء بشأن الاتفاق المبرم حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وصرحت المتحدثة باسم رئيس المفوضية الأوروبية مينا أندريفا "سنحترم رئيس الوزراء الجديد لكن ذلك لا يغير شيئا في الموقف الذي اعتمده المجلس الأوروبي حول اتفاق خروج" بريطانيا من الاتحاد. وتابعت أن "رئيس المفوضية جان كلود يونكر علم باستقالة ماي ولم يبدِ أي سرور. لقد قدّر العمل معها وهو يحترمها ويعتبرها امرأة شجاعة". وأكدت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية أن "الرئيس يونكر جاهز لنسج علاقات عمل مع رئيس الوزراء الجديد، أيا يكن، بدون أن يوقف محادثاته مع تيريزا ماي".

وأشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ"العمل الشجاع" الذي قامت به تيريزا ماي، لكنّه دعا إلى "توضيح سريع" لملف بريكسيت، وفق ما أفادت الرئاسة الفرنسية. واعتبر ماكرون أن هذا القرار "ينبغي أيضا أن يذكر، في لحظة خيار مهمة، بأن التصويت بالرفض من دون مشروع بديل يؤدي إلى مأزق"، في إشارة إلى الانتخابات الأوروبية وإلى ملف بريكسيت. وأضاف أن ماي "قامت بعمل شجاع لتنفيذ بريكسيت لما فيه مصلحة بلادها واحترام شركائها الأوروبيين"، موجها إليها "رسالة دعم وشكر شخصية".

وعدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالعمل من أجل "بريكسيت منظم". وقالت ميركل في شريط فيديو قصير نشره الناطق باسمها على تويتر إنّ "الحكومة الفدرالية ستواصل بذل كل الجهود من أجل علاقة شراكة جيدة مع بريطانيا، وخروج منظم" من الاتحاد الأوروبي وتجنّب بريكسيت بدون اتفاق. وكانت المستشارة أعلنت في وقت سابق أنّها "تحترم" قرار نظيرتها البريطانية.

كما حذّر رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار من أنّ استقالة ماي تنطوي على مخاطر بالنسبة لدبلن إذ إنّ خلفها قد يخرج لندن من الاتّحاد الأوروبي بدون اتّفاق. وقال فارادكار إنّ "بريكسيت ينهك السياسة البريطانية وسيستمر ذلك لفترة طويلة جدا. هذا الأمر يعني أننا ندخل الآن مرحلة جديدة في ما يتعلق ببريكسيت، وهي مرحلة قد تكون خطرة جدا بالنسبة لإيرلندا". وحذّرت الحكومة الإسبانية من أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق بات الآن أمرا لا يمكن تجنبه بعد استقالة ماي. وقالت الناطقة باسم الحكومة الإسبانية إيزابيل سيلا للصحافيين إنه "في ظل هذه الظروف، يبدو حدوث بريكسيت بدون اتفاق واقعا منعه شبه مستحيل".

من جانب اخر حذّر رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي من أنّ الاتّحاد الأوروبي لن يقبل بإعادة التفاوض على اتّفاق بريكسيت مع خليفة تيريزا ماي. وبعيد ساعات على إعلان ماي استقالتها قال روتي إنّ "اتفاق الانسحاب ليس قابلاً لإعادة التفاوض عليه". وأضاف أنّ الغموض المحيط ببريكسيت "زاد بدلاً من أن يقلّ"، مشدّداً في الوقت نفسه على أنّ هولندا مستعدة لكل الاحتمالات، بما في ذلك سيناريو خروج (بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) من دون اتّفاق". بحسب فرانس برس.

على صعيد متصل أعلن ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن "رئاسة ماي للحكومة جاءت خلال فترة صعبة جدا في علاقاتنا الثنائية". وأضاف "للاسف لا يمكنني أن اتذكر أي شيء ساهم في تطوير العلاقات الثنائية بين روسيا وبريطانيا". ورفض التعليق على الاستقالة في ذاتها قائلا إن روسيا "تتابع بانتباه شديد كل العمليات المرتبطة ببريكسيت والتي لا تؤثر فقط على بريطانيا وإنما أيضا على الوضع في الاتحاد الأوروبي". وقال بيسكوف "لدينا مصلحة في أن يكون لدينا شريك مستقر"، مذكرا بأن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لروسيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0