في ظل التوترات والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران، تزداد المخاوف من زج العراق الذي يعاني الكثير من المشكلات والازمات منذ عام 2003 وحتى اليوم في هذا الصراع، بسبب تضارب المصالح بين طهران وواشنطن في هذا البلد المهم الذي قد يصبح ساحة حرب جديدة بين الطرفين خصوصاً مع اختلاف وجهات النظر وتعدد الولاءات السياسية والمذهبية في العراق، حيث يبدي خبراء ومختصون، بالإضافة إلى كثير من العراقيين؛ امتعاضهم الشديد وتخوفهم من زج العراق بهذا التوتر والتصعيد، وتبعاتها التي تهدد البلد.

فبعد عقود من نزاعات متتالية، وكما نقلت بعض المصادر، يجد العراق نفسه اليوم مجددا محور شد حبال بين الولايات المتحدة وإيران اللتين صعدتا خطابهما أخيرا بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يصب في مصلحة أطراف أخرى قد تدفع في اتجاه إشعال فتيل المواجهة، بحسب محللين. وعزّز التحشيد العسكري الأميركي في الخليج خلال الأسابيع الماضية التكهنات باحتمال اندلاع نزاع في المنطقة، لا سيما أنه جاء بعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وترافق مع إدراج الحرس الثوري الإيراني على اللائحة السوداء الأميركية "للمنظمات الإرهابية".

لكن سحب واشنطن موظفيها ودبلوماسييها غير الأساسيين من العراق وسقوط صاروخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء المحصنة في وسط بغداد، والتي تضم سفارات أجنبية عدة بينها الولايات المتحدة، يظهر أن "هناك من يريد جر طهران وواشنطن للمواجهة" في العراق، بحسب ما يقول المحلل السياسي العراقي عصام الفيلي. ويضيف "هناك من يريد أن يقاتل إيران بغير سلاحه، ومن يريد أن يقاتل الولايات المتحدة بغير سلاحه".

ويوضح الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس كريم بيطار أن "الخطاب التحريضي خلال الأسابيع الماضية يصب مباشرة في مصلحة المتشددين في إيران، لكنه في الوقت نفسه يفرّح السعودية وإسرائيل المصممتين على تسوية حسابات قديمة مع طهران". وقد يشكل العراق ساحة مؤاتية لهذه التسوية. لكن بيطار يلفت الى أن "المخاطر كبيرة، لدرجة أن أذرع إيران في العراق لا يمكنها التصرف من دون ضوء أخضر من قاسم سليماني والحرس الثوري الإيراني". وعليه، فإن واشنطن وطهران تعرفان جيدا أن "المواجهة الشاملة لا رابح فيها، وستكون مدمرة لكليهما".

لكن التصعيد يتواصل. فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتدمير إيران في حال أرادت خوض الحرب، في ما وصفه وزير الخارجية الإيراني بـ"التبجحات". ويصعب التنبؤ بسيناريو "حرب بالوكالة" في العراق، لكن المحللين يشيرون الى ضربات محدودة أو عمليات استنزاف. ويقول المحلل السياسي هشام الهاشمي "بحسب تجربة سابقة، لن تكون هناك حرب مباشرة. فالولايات المتحدة تعتمد على الإنهاك الاقتصادي الذي قد تصاحبه ضربات جوية محدودة لاستنزاف العمق الإيراني".

ويضيف "قد تستعين واشنطن أيضا بسلاح الجو الإسرائيلي لتنفيذ ضربات نوعية وقطع أوصال حلفاء إيران في العمق السوري واللبناني والعراقي"، في إشارة إلى حزب الله اللبناني والفصائل الشيعية في العراق وسوريا. وغالبا ما تقصف إسرائيل مواقع أو شحنات سلاح لحزب الله في سوريا حيث يقاتل الى جانب قوات النظام السوري. كما أعلنت خلال الأشهر الماضية قصف أهداف إيرانية في سوريا.

رسائل على أرض العراق

وفي هذا الشأن يحتفظ العراق بمصالح حيوية مع الدولتين المتعاديتين. فقد دعمته واشنطن في حربه على تنظيم داعش، لا سيما عبر الضربات الجوية التي نفذها التحالف الدولي بقيادتها. بينما جهزت طهران فصائل الحشد الشعبي بالسلاح والتدريب والمستشارين العسكريين. ويرى الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة فنر حداد بدوره أن العراق "يدفع ضريبة" تجاذبات واشنطن-طهران، ما "يعطيه موقعاً لا يحسد عليه في خط المواجهة في أي نزاع مستقبلي بين الطرفين". ويؤكد الفيلي أن "إيران حتى الآن تستخدم سياسة ضبط النفس في العراق لأنه منطقة رخوة أمنيا"، ولا يتحمل بالتالي حربا. ويرى حداد أن التصعيد قد يكون في النهاية "مجرد زوبعة في فنجان". بحسب رويترز.

وقال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إن العراق سيرسل وفودا إلى واشنطن وطهران للمساعدة في تهدئة التوتر وسط مخاوف من حدوث مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط. وأضاف أنه ليس هناك أي طرف عراقي يريد الدفع صوب حرب. وقالت مبعوثة الأمم المتحدة لدى العراق جانين هينيس بلاشيرت أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إن العراق قد يكون ”عاملا للاستقرار في منطقة مضطربة وبدلا من أن يكون ساحة للصراع“ يمكن أن يوفر مجالا للمصالحة بالمنطقة مما يمهد الطريق أمام حوار أمني إقليمي. وأضافت ”لا نستطيع في الوقت نفسه تجاهل أن العراق يواجه تحديات خطيرة في الحيلولة دون أن تصبح أراضيه مسرحا لتنافسات مختلفة. لذا فنحن نقول لكل الذين يشعرون بالتحدي: وضع المزيد من الحمل على العراق أمر لا يريده (العراق) حقا“.

وبدون الإشارة إلى دول بالاسم قال نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فلاديمير سافرونكوف لمجلس الأمن إن تصعيد التوتر في الخليج يجب أن يتوقف وإن ”الحوار يجب أن يحل محل المواجهة“. وأضاف ”محاولات جر البلد (العراق) إلى مواجهة يتم تأجيجها عمدا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستأتي بنتائج عكسية تماما ولن يكون لها سوى تأثير سلبي على الوضع داخل العراق وعلى المنطقة ككل“.

هجوم مجهول

على صعيد متصل قال الجيش العراقي إن صاروخا أطلق على المنطقة الخضراء شديدة التحصين ببغداد، التي تضم مباني حكومية وسفارات أجنبية، وسقط بالقرب من السفارة الأمريكية لكنه لم يؤد إلى سقوط ضحايا. جاء الهجوم تحذير وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو القادة العراقيين خلال زيارة لم يعلن عنها مسبقا من أن واشنطن سترد بقوة إذا أخفقوا في إبقاء الفصائل المدعومة من إيران، التي توسع نفوذها في العراق وتشكل الآن جزءا من جهازه الأمني، تحت السيطرة.

وجاءت زيارة بومبيو بعد أن أوضحت معلومات استخباراتية أمريكية أن فصائل شيعية تساندها إيران تنشر صواريخ قرب قواعد تضم قوات أمريكية وفق ما أعلنه مصدران أمنيان عراقيان. وأشار مسؤول من وزارة الخارجية الأمريكية إنه لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجوم وإنه لم يؤثر على أي منشأة تشغلها الولايات المتحدة. وقال ”لكننا نأخذ هذه الواقعة بشكل جدي جدا. ”سنحمل إيران المسؤولية إذا شنت قوات الميليشيات التي تعمل وكيلا لها أو عناصر من هذه القوات أيا من مثل هذه الهجمات وسنرد على إيران طبقا لذلك“.

وذكر الجيش العراقي في بيان أن صاروخ كاتيوشا سقط في قلب المنطقة الخضراء قرب النصب التذكاري للجندي المجهول. ويقع النصب على بعد نحو نصف كيلومتر شمالي مجمع السفارة الأمريكية المترامي الأطراف. وذكر شهود وسكان أنهم سمعوا دوي انفجار في وسط بغداد. وكانت السلطات الأمريكية قد أجلت في وقت سابق الموظفين غير الأساسيين من السفارة الأمريكية ببغداد والقنصلية في أربيل. وسارع حلفاء عراقيون لإيران لإدانة الهجوم وشددوا على أن نشوب حرب بين طهران وواشنطن ستضر بغداد والمنطقة كلها.

وحث السياسي وقائد أحد الفصائل هادي العامري، الذي تسيطر كتلته الانتخابية على ثاني أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان، العراقيين في بيان على ”أن لا يكونوا نارا لهذه الحرب“ التي ”ستحرق الجميع“. وردد قيس الخزعلي، وهو قائد فصيل آخر، نفس الموقف وكتب على تويتر أن الحرب لن تكون من مصلحة واشنطن أو طهران. وتشتعل التوترات بين واشنطن وحلفائها الخليجيين من جهة وطهران ووكلائها في المنطقة من جهة أخرى منذ أسابيع. وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران في تغريدة علي تويتر أثارت مخاوف من احتمال اندلاع صراع بين البلدين. وكتب في التغريدة ”إذا كانت إيران تريد القتال فستكون تلك النهاية الرسمية لإيران. لا تهددوا مطلقا الولايات المتحدة مرة أخرى“.

وشدد ترامب العقوبات الاقتصادية على إيران، وقالت إدارته إنها عززت الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لمواجهة ما وصفتها بتهديدات من إيران ضد القوات والمصالح الأمريكية. ووصفت طهران التحركات الأمريكية بأنها ”حرب نفسية“ و“لعبة سياسية“. وقالت إيران والولايات المتحدة إنهما لا تريدان حربا. وقال مصدر بالشرطة العراقية إن القوات الخاصة التابعة للشرطة عثرت بعد الانفجار على منصة لإطلاق الصواريخ في حي الصناعة بشرق بغداد على بعد سبعة كيلومترات تقريبا من المنطقة الخضراء على الجانب الآخر من نهر دجلة وطوقت المنطقة.

وتابع المصدر أن الشرطة تبحث عن مشتبه بهم وأن فريقا من خبراء المفرقعات من قيادة عمليات بغداد يفحص منصة إطلاق الصواريخ. وكانت المنطقة الخضراء ببغداد هدفا متكررا لقذائف المورتر أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق الذي انتهى عام 2011. بحسب رويترز.

ومنذ ذلك الحين تتعرض المنطقة للقصف من وقت لآخر. ووقع أحدث هجوم من نوعه في سبتمبر أيلول عندما سقطت ثلاث قذائف مورتر داخل المنطقة الخضراء لكنها لم تتسبب في سقوط ضحايا. وتعد منصة الإطلاق المتعددة لصواريخ كاتيوشا نوعا رخيصا من المدفعية يمكنه إصابة الهدف أسرع من المدفعية التقليدية لكن بدقة أقل.

وثمة زيادة ملحوظة في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران منذ قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاولة وقف صادرات النفط الإيرانية تماما وتصنيفه الحرس الثوري ”منظمة إرهابية أجنبية“. ويعتقد ترامب، الذي انسحب العام الماضي من الاتفاق النووي الدولي المبرم مع إيران عام 2015، بأن الضغوط الاقتصادية ستجبر طهران على قبول مزيد من القيود المشددة على برامجها النووية والصاروخية وكذلك على دعمها لوكلاء لها في العراق وسوريا واليمن. وكانت الولايات المتحدة التي احتلت العراق من عام 2003 إلى عام 2011 بعد غزوه للإطاحة بصدام حسين قد أعادت إرسال قوات إليه في عام 2014 لدعم جهود محاربة تنظيم داعش. ولإيران علاقات وثيقة مع أحزاب سياسية عراقية نافذة كما تدعم فصائل شيعية مسلحة قوية.

وقال السناتور كريس كونز عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي في مقابلة مع (سي.إن.إن) ”أعتقد أننا الآن في وضع خطير للغاية وأي تقدير خاطئ من أي طرف ربما يدخلنا في صراع“. وأضاف ”عندما نعتزم استخدام القوة في منطقة مضطربة جدا، ويوجد بها توتر حقيقي بين إيران والسعوديين، علينا أن نكون حذرين. نحتاج لاستراتيجية“. وكان الكونجرس قد طلب من الحكومة إطلاع أعضائه على مجريات الأمور.

انقسام الحلفاء

أكّد متحدّث باسم التحالف الدولي في العراق وسوريا أنّ مستوى التهديد الذي تشكّله الميليشيات الموالية لإيران بالنسبة إلى القوات الغربية لم يتصاعد، ما يبدو أنه يتنافى مع ما أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقال الجنرال البريطاني كريس غيكا الذي كان يتحدّث الى مسؤولين في البنتاغون من بغداد عبر الدائرة المغلقة إنّ "التهديد الذي تمثّله القوات الموالية لايران في العراق وسوريا لم يتصاعد".

وأضاف "لم نلاحظ أيّ تغيير لجهة الظروف أو بالنسبة إلى انتشار الحشد الشعبي"، في إشارة إلى قوات عراقية تتصدّى لتنظيم داعش. وسئل الجنرال البريطاني مراراً عن التناقض الواضح بين ما يقوله وخطاب الإدارة الاميركية التي تتحدّث عن تهديدات "مقلقة" و"مؤشرات واضحة" إلى استعداد إيراني لشنّ هجمات على مصالح أميركية في المنطقة، فأجاب "ما أقوله هو إنّنا نراقب التهديدات بكثير من الانتباه ونكيّف إجراءات حماية قواتنا" مع ذلك. وتابع "هل أنا قلق لمستوى الخطر؟ كلا، ليس حقيقة. نتّخذ سلسلة إجراءات حماية (...) ونعتبر أنّها تفي تماماً بالغرض".

وحرص الجنرال غيكا على توضيح أنّ مهمة التحالف الدولي في العراق وسوريا تقضي بمحاربة تنظيم داعش وليس النظام الإيراني. وقال "مهمتنا تقضي بالتغلّب على تنظيم داعش. إيران غير مدرجة في الأوامر التي تلقيتها ولا في التعليمات ولا في أي وثيقة إدارية". واضاف "نحن هنا بناء على دعوة الحكومة العراقية لإلحاق الهزيمة بالتنظيم ، وليس للقيام بأي مهمة تتعلّق بإيران. أشدّد على ذلك لانني اعتقد أنّ الامر مهم جدّاً في هذه المرحلة". ورفض الجنرال البريطاني تحديد درجة الاستنفار لدى قوات التحالف في سوريا والعراق، مؤكّداً أنّ "ذلك قد يؤثّر في حماية القوات". بحسب فرانس برس.

من جهة أخرى، قال المتحدّث باسم القيادة المركزية الأميركية بيل أوربان إنّ تعليقات غيكا "تتعارض مع التهديدات الموثوق بها والمحدّدة المتوافرة لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية وحلفائها في ما يتعلّق بالقوات المدعومة من إيران في المنطقة". وأشار المتحدّث إلى أنّ مستويات الإنذار في الحقيقة قد تمّ رفعها بسبب التهديد الايراني. وأضاف في بيان أنّ "القيادة المركزية الاميركية بالتنسيق مع عملية العزم الصلب رفعت مستوى التأهب لجميع العناصر الملحقين لدى عملية العزم الصلب في العراق وسوريا". وتابع "وفي النتيجة فإن عملية العزم الصلب على مستوى عالٍ من الجاهزية، في الوقت الذي نستمرّ فيه بمراقبة التهديدات المحتملة والوشيكة على القوات الأميركية في العراق من كثب".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0