تصاعدت وتيرة الأحداث في السودان بشكل خطير، اثار قلق ومخاوف الكثير من الدول والحكومات، التي تخشى من اندلاع حرب اهلية جديدة في هذا البلد الذي يعاني من مشكلات وازمات كثيرة. خصوصا مع وجود تدخلات خارجية، ويثير حادث إطلاق النار على معتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم وكما نقلت بعض المصادر، مخاوف لدى عدد من الأطراف داخل البلاد وخارجها، من خطر انزلاق السودان إلى صدامات دامية بين متظاهرين وجهات معادية للثورة الشعبية. ونفذت الهجوم مجموعة مسلحة. أطلقت النار على معتصمين، فأردت خمسة منهم على الأقل، بينهم ضابط، وأصابت العشرات بجراح. وقال شهود من المتظاهرين إن مطلقي النار كانوا جنودا من قوات الدعم السريع استخدموا جرافات لإزالة حواجز ومتاريس مقر الاعتصام.

لكن المجلس العسكري الانتقالي سارع الى إصدار بيان توضيحي اتهم فيه مجموعات مسلحة غير راضية على ما تم إحرازه من تقدم في مفاوضات المجلس مع قوى إعلان الحرية والتغيير بشأن تفاصيل المرحلة الانتقالية. ولم يكشف بيان المجلس عن هوية المسلحين لكنه قال إنهم تسللوا الى منطقة الاعتصام وبدأوا بإطلاق النار على المواطنين والقوات النظامية التي تقوم بحراسة وحمايتهم. واستطرد يقول إن "جهات تتربّص بالثورة أزعجتها النتائج التي تم التوصل إليها - بين المجلس وقوى الحرية والتغيير- تعمل على إجهاض أي اتفاق يتم التوصل إليه وإدخال البلاد في نفق مظلم... سنتّخذ الإجراءات والتدابير اللازمة للحيلولة دون وصول هؤلاء المتربصين بالثورة والثوار إلى مراميهم". وجاء التصعيد بعد إعلان النيابة العامة في السودان اتهامها للرئيس السابق عمر البشير بـ"التحريض والاشتراك في قتل متظاهرين".

اتفاق في السودان على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات

أعلن المجلس العسكري الحاكم في السودان ليل الثلاثاء-الأربعاء أنّه تمّ الاتّفاق مع قوى إعلان الحرية والتغيير على فترة انتقالية مدّتها ثلاث سنوات، على أن يُتمّم الاتفاق خلال 24 ساعة.

وقال الفريق ياسر عطا، أحد أعضاء المجلس، خلال مؤتمر صحافي "تمّ الاتّفاق على أن تكون الفترة الانتقالية (لتسليم السلطة) ثلاث سنوات، تخصّص ال6 أشهر الأولى منها لأولوية التوقيع على اتّفاقيات السلام ووقف الحرب في كافة أرجاء البلاد"، وأضاف "نعاهد شعبنا بأن يكتمل الاتّفاق كاملاً سليماً يحقّق طموحات شعبنا خلال أقلّ من 24 ساعة"، في إشارة إلى تشكيل مجلسي السيادة والوزراء.

وبالنسبة للبرلمان، أوضح عطا الله أنّ الطرفين اتّفقا على أن يتألّف "المجلس التشريعي من 300 عضو، 67% منهم لقوى اعلان الحرية والتغيير و33% للقوى السياسية الأخرى"، ومن جهته قال مدني عباس مدني القيادي بتحالف المحتجين خلال المؤتمر نفسه إنّ "مجلس السيادة يتمّ تشكيله بالتوافق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير".

وكان الطرفان اتّفقا الاثنين على هياكل السلطة المكوّنة من مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي على أن تحدّد نسب المشاركة بين العسكريين والمدنيين، وعلى الرّغم من التوصل إلى اتّفاق، شهدت العاصمة السودانية أحداثاً دامية مساء اليوم نفسه قتل خلالها ضابط برتبة رائد وخمسة متظاهرين في إطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين في ساحة الاعتصام وسط الخرطوم.

عنف واتهامات

وفي هذا الشأن حملت قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري كامل المسؤولية عن أحداث العنف حيث قتل ستة محتجين وضابط شرطة عسكرية برصاص أطلق في ساحة الاعتصام وسط الخرطوم. واتهم التحالف المعارض قوات الدعم السريع، التابعة للجيش، باستخدام الذخيرة الحية. وجاءت التطورات بعد ساعات من إعلان الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير على "هيكل السلطة والمهام والسلطات على المستويات الثلاثة (السيادية والتنفيذية والتشريعية) خلال الفترة الانتقالية".

في غضون ذلك، حملت السفارة الأمريكية في الخرطوم المجلس العسكري الحاكم في السودان المسؤولية عما حدث في اعتصام المحتجين في العاصمة. وقال بيان السفارة، الذي نشرته على فيسبوك: "كانت الهجمات المأساوية على المحتجين، والتي أدت إلى مقتل ستة سودانيين على الأقل، وإصابة 100 شخص أو أكثر بجروح، نتيجة محاولة المجلس العسكري الانتقالي فرض إرادته على المحتجين، بسعيه إلى إزالة الحواجز".

وأضاف البيان أن "قرار قوات الأمن بتصعيد استخدام القوة، ومن بينها ما لا ضرورة له، مثل قنابل الغاز، هو الذي أدى مباشرة إلى العنف غير المقبول في وقت لاحق من اليوم، بحيث لم يستطع المجلس السيطرة عليه". وأضافت قوى الحرية في مؤتمر صحفي أن الأفراد الذين اطلقوا الرصاص كانوا في "مركبات الدعم السريع"، لكن الجيش أنحى باللائمة على "عناصر مجهولة". وقالت لجنة أطباء السودان المركزية إن عدد المصابين والجرحى أكثر من ٢٠٠ مصاب، من بينهم 77 مصابا بالرصاص الحي وأكثر من ١٠ في حالة ت حرجة.

ولا يزال المجلس العسكري الانتقالي يحكم السودان منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير الشهر الماضي. ولم يعرف بوضوح ماذا حدث، لكن نشطاء يتحدثون عن استهداف شخص مسلح لهم. ونقلت وكالة رويترز للأنباء عن رائد مبارك، وهو أحد النشطاء، قوله: "لقد أطلق النار علي، كان على الأغلب على بعد 20 مترا مني". وأضاف: "لقد رآني، وكان يقصد إطلاق النار علي. كان الأمر متعمدا. وهو لم يطلق النار على رجلي، أو في الهواء، مثلا، ولكنه أطلق النار على صدري، قاصدا إصابة قلبي. كان يتعمد قتلي".

ومازال المحتجون يحتلون الميدان أمام المقر العسكري منذ 6 أبريل/نيسان، قبل خمسة أيام فقط من إطاحة الجيش بالرئيس البشير. ولم تسفر المحادثات الأولية بين جنرالات الجيش ومنظمي الاحتجاجات إلا عن تقدم ضئيل. وأعلن كلا الجانبين قبل أحداث العنف أنهما اتفقا على تشكيل السلطات الانتقالية التي ستتولى إدارة البلاد. وربما يشير إطلاق النار إلى انقسام في الجيش، ومحاولة لزعزعة المحادثات. وربما يشعر بعض الجنرالات بالإحباط لاستمرار الاعتصام بالرغم من التنازلات الكبيرة من جانب الجيش، بينما يشعر المتظاهرون أنهم لا يستطيعون مغادرة الشوارع حتى يحصلوا على ما يريدونه.

استئناف المحادثات

استأنف قادة الحركة الاحتجاجية في السودان، محادثاتهم مع القادة العسكريين، استنادا إلى الاختراق السياسي، وخيّم عليه إطلاق نار تسبب بمقتل ستة أشخاص في موقع الاعتصام خارج مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم. وتطالب الحركة الاحتجاجية وكما نقلت بعض المصادر، بانتقال للسلطة يقوده المدنيون بعد 30 عاما من حكم الرئيس عمر البشير، إلا أن القادة العسكريين الذي أطاحوا به يضغطون للمحافظة على دورهم القيادي.

واعتبر تحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير"، الذي نظّم الحركة الاحتجاجية، وتفاوض مع المجلس العسكري، أن هدف عمليات إطلاق النار كان التأثير سلبا على الاختراق الذي تحقق، متهما العناصر التي لا تزال موالية للنظام السابق بتدبيرها. بدوره، أكد المجلس العسكري "لاحظنا وجود مندسّين مسلّحين بين المتظاهرين" في ساحة الاعتصام دون أن يحمّل أي جهة مسؤولية ذلك. وقال رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، الفريق الأول الركن عبد الفتاح البرهان، إن جهات وصفها بالمندسة تحاول إجهاض الاتفاق الذي تم بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

وكشف البرهان في تصريحات له عقب تشييع ضابط في الجيش كان قُتل في محيط الاعتصام، أن تلك الجهات تسعى لإعادة السودانيين إلى ما قبل سقوط النظام السابق، لكنه أكد أن هذا لن يتم، وتعهد بالقبض على الجناة ومحاسبتهم. وقال أحد قادة التظاهرات إن قادة الحركة الاحتجاجية استأنفوا محادثاتهم مع ممثلي المجلس العسكري بعد الظهر، ويتوقع أن يناقش الطرفان تشكيلة الهيئات الانتقالية، وهو أمر اختلفا عليه خلال الفترة الماضية.

ويطالب قادة الحركة الاحتجاجية بأن يقود المدنيون هذه الهيئات، وبأن يشكلوا الأغلبية فيها مع تمثيل للعسكريين. وبينما أبدى الجيش استعداده للقبول بحكومة مدنية بمعظمها، إلا أنه طالب بأغلبية للعسكريين في مجلس سيادي مقترح تعود الكلمة الفصل إليه في شؤون الدولة. ويشمل جدول الأعمال كذلك مدة الفترة الانتقالية، إذ يدعو الجيش لإطار زمني لمدة عامين، بينما يطالب المتظاهرون بأربع سنوات لإتاحة الوقت لإدخال مجموعة من الإصلاحات التمهيدية التي يعتبرونها ضرورية.

ويأتي استئناف المحادثات بعد توقف المفاوضات وتهديد قادة الحركة الاحتجاجية بالتصعيد لضمان تولي المدنيين الحكم. ودفع ذلك المتظاهرين لمواصلة اعتصامهم دون انقطاع منذ الإطاحة بالبشير. وتحولت ساحة الاعتصام إلى مركز للحركة الاحتجاجية بدلا من التظاهرات التي كانت تخرج يوميا في كافة أنحاء البلاد قبل الإطاحة بالبشير. لكن غداة أعمال العنف التي تخللت الاعتصام في الخرطوم، عبّر المتظاهرون عن غضبهم، في مدينة أم درمان المجاورة. وتسليم السلطة لحكومة مدنية متوافق عليها.

وتجمّع المتظاهرون في حيي العبّاسية والعرضة في أم درمان، حيث هتف كثيرون بشعارات مناهضة للمجلس العسكري، وفق ما أفاد شهود عيان. وهتف المتظاهرون "يا وطنك يا تجهّز كفنك". وفي العرضة، أغلق بعض المتظاهرين الشوارع باستخدام إطارات مشتعلة، بحسب شهود أشاروا إلى انتشار الجنود في المكان.

وأما في الخرطوم، فعاد الهدوء إلى ساحة الاعتصام بعد أعمال العنف التي شهدتها ونفّذ فنانون رسوما جدارية تصور القتلى على متاريس أقيمت في محيط ساحة الاعتصام. واحتمت مجموعة من المتظاهرين الشباب من أشعة الشمس الحارقة تحت علم كبير للسودان، بينما رفعوه وجابوا ساحة الاعتصام. وهتف المحتجون "الطلقة لا تقتل ما يقتل هو صمت الناس".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3