مع اقتراب موعد انتهاء معاهدة نيو ستارت بين روسيا والولايات المتحدة، والتي تحدّد سقفا لعدد الرؤوس النووية أدنى من السقف المحدّد إبان الحرب الباردة في عام 2021، ازدادت المخاوف من حدوث سباق نووي جديد قد يهدد الامن والسلم الدولي، خصوصا مع استمرار التوتر الاتهامات بين الولايات المتحدة وروسيا والتي تفاقمت بعد فوز الرئيس الامريكي دونالد ترامب. حيث أكدت الولايات المتحدة في وقت سابق والتي أعلنت أخيراً سياسة نووية جديدة متشددة، أنها ملتزمة القيود المفروضة على ترسانتها من هذه الأسلحة بموجب معاهدة «ستارت الجديدة»، داعية روسيا إلى احترام التزاماتها أيضاً.

وتنص المعاهدة على الخفض التدريجي لعدد الرؤوس النووية التي تملكها القوتان الكبريان على مدى عشر سنوات والحد من عدد الصواريخ والقيام بعمليات تثبت متبادلة وتبادل معلومات. وأبرمت المعاهدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وتدهورت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة وقالت الدولتان إنهما ستنسحبان من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى الموقعة في عام 1987 مما أثار مخاوف من سباق تسلح أوسع نطاقا. وفي هذا الشأن قال يوري أوشاكوف أحد مساعدي الكرملين إن روسيا منفتحة على إمكانية عقد اتفاقات جديدة للحد من انتشار الأسلحة لكن الأمر لم يطرح في محادثات بعد.

وجاءت التصريحات تعليقا على تقرير صحفي أفاد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد إبرام اتفاق جديد للحد من انتشار الأسلحة مع موسكو وبكين. وذكرت صحيفة واشنطن بوست نقلا عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية قولهم إن ترامب أمر إدارته بالإعداد لمساع لإبرام اتفاقية جديدة للحد من انتشار الأسلحة مع روسيا والصين بسبب ارتفاع تكلفة سباق التسلح النووي في القرن الحادي والعشرين.

وقال أوشاكوف في تصريحات للتلفزيون الروسي إن موسكو مستعدة لإجراء محادثات بهذا الشأن. وأضاف ”أولا يجب أن نلتزم بما هو موجود بالفعل (من اتفاقات الحد من الأسلحة)... نحن مستعدون أيضا لاتفاقات جديدة لكن ليتحقق ذلك نحتاج إلى مفاوضات جادة وللأسف لم يبدأ أي طرف في أي مفاوضات بعد“. وعبرت تصريحات أوشاكوف عن مرونة أكبر من المتحدث باسم الكرملين الذي قال إن مقترحات ترامب بشأن نزع السلاح النووي ”ليست جادة“.

مزيد من التسلح

وفي هذا الشأن سيكون من الأصعب على كل من الولايات المتحدة وروسيا استكشاف نوايا كل منهما الأخرى إن انتهت معاهدتهما الوحيدة للحد من الأسلحة النووية المنشورة، مما سيعطي كلا منهما الحافز لتوسيع ترسانته. هذا ما ورد في دراسة جديدة وأشارت أيضا إلى أن انقضاء أجل اتفاق (نيو ستارت) قد يقوض الثقة في معاهدة (الحد من انتشار الأسلحة النووية) التي تدعو الدول المسلحة نوويا مثل الولايات المتحدة وروسيا على العمل على نزع السلاح النووي وقد يؤثر أيضا على موقف الصين النووي، والذي تمثل على مر السنين في ضبط النفس.

والدراسة التي أجرتها مجموعة (سي.إن.إيه كورب) للأبحاث، وهي مؤسسة غير ساعية للربح، هي أهم بحث شامل معلن حتى اليوم لعواقب ذهاب معاهدة (نيو ستارت). وهي تحث على تمديد العمل بالمعاهدة المبرمة عام 2011 والتي ينتهي أجلها في فبراير شباط 2021، وإن كان بالإمكان تمديدها لخمس سنوات إن اتفق الجانبان. وتتناقش الإدارة الأمريكية حول ما إذا كانت ستمدد أجل الاتفاق الذي وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه اتفاق سيء وظل مستشاره للأمن القومي جون بولتون يعارضه لفترة طويلة. وقالت روسيا إنها مستعدة لتمديد (نيو ستارت) لكنها تريد أولا أن تناقش ما تراه انتهاكات من جانب الولايات المتحدة. ولم ترد وزارة الخارجية الأمريكية على طلب بالتعليق على مناقشات الإدارة.

وقال ترامب إن بلاده ستنسحب هذا الصيف من معاهدة تسلح أخرى هي معاهدة (القوى النووية المتوسطة المدى) المبرمة عام 1987 ما لم تكف روسيا عن انتهاكاتها مما زاد من توتر العلاقات. وتنفي موسكو انتهاك المعاهدة. وتلزم معاهدة (نيو ستارت) الولايات المتحدة وروسيا بخفض رؤوسهما النووية الاستراتيجية المنشورة بحيث لا تزيد عن 1550 رأسا، وهو أقل مستوى منذ عقود، وبالحد من أنظمة الإطلاق سواء كانت أنظمة صواريخ على الأرض أو على غواصات أو قاذفات مزودة بأسلحة نووية.

وهي تشمل أيضا إجراءات شفافية شديدة تلزم كل طرف بالسماح للآخر بتنفيذ عشر عمليات تفتيش لمواقع نووية استراتيجية كل عام، والإبلاغ عن خروج الصواريخ الجديدة التي تشملها المعاهدة من مصانعها قبل حدوث ذلك بثماني وأربعين ساعة، والإخطار بأي عملية إطلاق صواريخ باليستية قبل حدوثها. وعلى الجانبين أيضا الإعلان عن رؤوسهما النووية الاستراتيجية المنشورة ومركبات وأجهزة الإطلاق بالإضافة إلى عرض تفصيلي عن عدد كل نوع في كل قاعدة.

وكتب فينس مانزو الخبير بمجموعة (سي.إن.إيه) في الدراسة ”لن تكون لدى أي بلد نفس الدرجة من الثقة في قدرته على تقييم مستوى الرؤوس الحربية لدى الآخر بدقة“. وبات من المرجح أيضا أن يخطط كل جانب لكيفية مواجهة أسوأ التصورات المتوقعة. وأضاف مانزو ”انعدام الشفافية المتزايد بين القوى النووية الاستراتيجية الأمريكية والروسية سيظهر في الصورة الأكبر المتمثلة في تزايد انعدام الثقة واتساع هوة المعرفة بالاستراتيجيات والنوايا“.

وفي غياب البيانات والمعلومات، ستضطر الولايات المتحدة لإعادة رسم مهام أقمارها الصناعية التي تعمل بكثافة بالفعل، وربما تخصص المزيد لمراقبة روسيا على حساب متابعة الصين وإيران وكوريا الشمالية. وربما كان منع الانتشار النووي العالمي أحد ضحايا انتهاء أمد المعاهدة، إذ ستتشكك الدول غير النووية في أن الولايات المتحدة وروسيا ستظلان تعملان في اتجاه تقييد التسلح النووي بموجب معاهدة (الحد من انتشار الأسلحة النووية)، وفقا لما جاء في الدراسة.

وفي حين أن من المستحيل التكهن بكيفية رد فعل الصين، التي يقدر عدد ما لديها من رؤوس نووية بنحو 280 رأسا، تورد الدراسة شواهد يمكن أن تدفعها لتوسيع قدراتها في حالة انتهاء (نيو ستارت). ففي غياب معاهدة تحد من القوى النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا، يمكن أن يكون تقدير الصين لترسانتيهما مبالغا فيه. بحسب رويترز.

وعدم وضع ضوابط للقوى الأمريكية والروسية قد يعزز أيضا أصواتا في الصين ترى أن وجود ترسانة ضخمة أمر ذو دلالة مهمة وكذلك أصواتا تؤيد بالفعل وجود المزيد من الأسلحة النووية. وتوصي الدراسة الولايات المتحدة وروسيا باتخاذ خطوات لتخفيف أثر انتهاء المعاهدة، من بينها الالتزام طوعا بالقيود التي تنص عليها ومواصلة المشاركة في البيانات والمعلومات. كما توصي بأن تقترح واشنطن تبادل المعلومات الخاصة بالأسلحة النووية بشكل سنوي وفتح حوار مع الصين.

صواريخ متوسطة المدى

في السياق ذاته قال مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الولايات المتحدة تسعى لاختبار صاروخ موجه (كروز) يطلق أرضا ويصل مداه إلى نحو ألف كيلو متر بعدما أعلنت واشنطن أنها تعتزم الانسحاب من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستنسحب من المعاهدة ما لم تضع موسكو حد لما تقول واشنطن إنه انتهاك للمعاهدة المبرمة في عام 1987.

وأعلنت روسيا أنها ستعلق العمل بالمعاهدة وتنفي انتهاكها لها وتتهم واشنطن بدورها بفعل ذلك وهو ما تنفيه الولايات المتحدة. وقال المسؤول في وزارة الدفاع الذي طلب عدم ذكر اسمه ”سنختبر صاروخ كروز يطلق أرضا “. وإذا نجح الاختبار فسيكون من الممكن نشر الصاروخ في غضون 18 شهرا. وقال المسؤول إن الولايات المتحدة تدرس أيضا اختبار صاروخ باليستي متوسط المدى في نوفمبر تشرين الثاني مضيفا أن الصاروخين سيكونان تقليديين وليسا نوويين. بحسب رويترز.

وقال كينجستون ريف المحلل في رابطة الحد من التسلح، وهي جماعة لا تهدف للربح وتسعى لزيادة الوعي العام بالحد من التسليح ودعمه، إن التحرك الأمريكي قد يكون ”بادرة“ لحث روسيا على العودة إلى الالتزام بالمعاهدة لكنه عبر عن اعتقاده بأن إدارة ترامب تخطط فحسب لإنهاء المعاهدة. وأضاف ”أعتقد أن هذا البيت الأبيض تحديدا وهذا المستشار للأمن القومي (جون بولتون) عازمان على إنهاء المعاهدة ولديهما تصورات لعالم ما بعد معاهدة القوى النووية متوسطة المدى حيث لا يكون نشر هذه القدرات محظورا في أوروبا أو آسيا والمحيط الهادي“. وقال المسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية ”لم نتشاور مع أي من حلفائنا بشأن الانتشار المستقبلي. لم نكن نفكر بشأن ذلك لأننا كنا ملتزمين نصاً بالمعاهدة“.

من جانب اخر قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسمياً تعليق مشاركة بلاده في معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، بعد خطوة مماثلة للولايات المتحدة. ووقّع بوتين "مرسوماً بتعليق مشاركة روسيا في الاتفاقية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة"، بحسب بيان للكرملين. وأضاف البيان أن التعليق يأتي عقب "خرق الولايات المتحدة لالتزاماتها بموجب المعاهدة".

وتبادلت موسكو وواشنطن الاتهامات بانتهاك المعاهدة التي تم إبرامها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق في 1987. وفي شباط/فبراير الماضي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن ستبدأ عملية الانسحاب من المعاهدة خلال ستة أشهر. ورد بوتين بإعلان أن روسيا ستعلق مشاركتها في المعاهدة كذلك. وقال إن روسيا ستسعى إلى تطوير صواريخ متوسطة المدى ردا على ما قال أنه مشاريع مماثلة تقوم بها الولايات المتحدة، وهو ما أثار احتمال نشوب سباق تسلح.

دعوات ومناشدات

في السياق ذاته حث الأمين العام للأمم المتحدة الولايات المتحدة وروسيا على الحفاظ على معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، وتمديد معاهدة (ستارت) الجديدة قبل أن تنتهي في عام 2021. وقال جوتيريش في مؤتمر لنزع الأسلحة بمقر الأمم المتحدة في جنيف، إن خسارة معاهدة القوى النووية متوسطة المدى سيزيد عدم الأمن وعدم الاستقرار في العالم. وكانت واشنطن قد أعلنت في الأول من فبراير شباط أنها ستنسحب من المعاهدة في غضون ستة أشهر ما لم تتوقف روسيا عن انتهاكها.

وقال جوتيريش ”ببساطة لا يمكننا تحمل العودة إلى المنافسة النووية غير المقيدة خلال أسوأ أيام الحرب الباردة. أدعو أطراف معاهدة القوى النووية متوسطة المدى لاستغلال الوقت المتبقي في الدخول في حوار صريح بشأن المشاكل المختلفة التي أثيرت. من المهم جدا الحفاظ على المعاهدة“. وأضاف أن معاهدة (ستارت) الجديدة هي الأداة الدولية القانونية الوحيدة التي تحد من حجم أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، كما أن شروط الرقابة بها عادت بالنفع على العالم بأسره. وأشار إلى أن حجم المخزونات العالمية للأسلحة النووية يضاهي سدس ما كان عليه في عام 1985. بحسب رويترز.

وتابع جوتيريش قائلا ”أحث روسيا والولايات المتحدة على استغلال الوقت الذي أتاحه تمديد للمعاهدة في التفكير في مزيد من الخفض لترسانتهما النووية الاستراتيجية. أحلم باليوم الذي تصبح فيه هذه الترتيبات الثنائية متعددة الأطراف“. وقال أيضا إنه يأمل أن تحقق القمة النووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة هذا الأسبوع تقدما حقيقيا.

الى جانب ذلك اعتبر الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن على الحلف أن يكون مستعدا لوجود "مزيد من الصواريخ الروسية" في العالم، حتى لو أنه لا يزال يحاول انقاذ معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة المدى، وتجنب سباق تسلح نووي جديد. وقال "ندعو روسيا الى الالتزام بمعاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة المدى (...) في الوقت نفسه لا بد لنا من أن نكون مستعدين لعالم تغيب عنه معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة المدى، وتزداد فيه الصواريخ الروسية". وأَضاف ستولتنبرغ "لقد كانت هذه المعاهدة أساسية لمراقبة التسلح طيلة عقود. إن الحلف الاطلسي لا يريد حربا باردة جديدة، ولا نريد سباق تسلح جديدا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1