لا تزال الاحتجاجات المستمرة في مدن سودانية منذ أن أطاح الجيش بالرئيس عمر البشير في 11 أبريل/نيسان بعد مظاهرات واسعة ضد حكمه الذي استمر قرابة 3 عقود.، محط اهتمام واسع خصوصا وان البعض يخشى دخول البلاد في صراع جديد بسبب غياب الحلول وتضارب المصالح بين قادة الجيش و قيادات الاحتجاج التي تدعو الى تشكيل حكم مدني وهو ما يرفضه قادة الجيش في هذا الوقت بالذات، يضاف الى ذلك التدخلات الخارجية والدعم المقدم من بعض الدول التي تسعى الى تحقيق مصالحها، حيث اتهم المجلس العسكري الانتقالي السوداني لقوى الحرية والتغيير بعدم احترام تعهداتها.

وأكد الفريق محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس في مؤتمر صحفي أن المجلس وافق خلال جولات الحوار مع قوى الحرية والتغيير على مقترح بانضمام مدنيين إلى المجلس العسكري. من جانبه طالب الفريق شمس الدين كباشي المتحدث باسم المجلس العسكري السوداني قوى الحرية والتغيير بتشكيل وفد موحد للتفاوض مع وفد المجلس العسكري. وأوضح كباشي أنه في كل جلسة مع قوى الحرية والتغيير يكون هناك تغيير في أعضاء الوفد مما يشكل عائقا أمام سير المفاوضات.

وتصاعد الخلاف بين ممثلي المعارضة والمجلس العسكري بشأن تشكيل المجلس السيادي، المفترض أن يتولى إدارة شؤون البلاد. ولم يتفق الجانبان بعد على مستوى تمثيل المدنيين والعسكريين في المجلس. ويريد معارضون أن تكون للمجلس قيادة مدنية، وتعهدوا بالاستمرار في الاعتصام أمام مقر الجيش حتى تلبية مطالبهم. ويذكر أن حكومات غربية أيدت مطالب المتظاهرين، إلا أن دولا عربية قدمت الدعم للمجلس العسكري. ودعت دول أفريقية إلى منح المجلس العسكري مزيداً من الوقت قبل تسليم السلطة للمدنيين.

ويتخوف سودانيون من أن يكون سلوك بعض دول المنطقة تجاه المجلس العسكري في بلدهم مقدمة لصراع نفوذ تحاول دول عربية وإقليمية ممارسته على السودان. ويخشى هؤلاء أن يتحول بلدهم لساحة نزاع بين السعودية والإمارات ومصر من جانب وقطر وتركيا من جانب آخر. ويرى فصيل من السودانيين أن حزم المساعدات الخليجية المقدمة للخرطوم في ظل وجود المجلس العسكري السوداني تعيد للأذهان حزم مساعدات مماثلة قدمتها دول عربية خليجية للمجلس العسكري في مصر، إبان الاطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك والرئيس المعزول محمد مرسي.

توتر يتصاعد

وفي هذا الشأن قال الحاكمون العسكريون في السودان إن ستة من عناصر قوات الأمن قتلوا خلال الاحتجاجات، في وقت يتصاعد فيه التوتر حول تشكيل مجلس جديد مشترك بين المدنيين والعسكريين. وعزز المتظاهرون حواجزهم خارج مقرّ الجيش في الخرطوم بعدما اختلف الطرفان في محادثات حول عدد مقاعد الممثلين المدنيين والعسكريين في المجلس. ومن المفترض أن يستبدل هذا الجهاز المشترك المجلس العسكري الذي استولى على الحكم بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في 11 نيسان/أبريل بعد احتجاجات كبيرة ضد حكمه الذي دام ثلاثة عقود.

لكن يختلف الطرفان حول تشكيلة هذا المجلس، إذ يريد العسكريون أن يتألف من عشرة مقاعد، سبعة منها للممثلين عن الجيش وثلاثة للمدنيين. وفي خطوة قد تثير غضب المحتجين، أعلن مسؤول عسكري سوداني كبير أن قائد الجيش الحالي الفريق عبد الفتاح برهان سيترأس المجلس المشترك.

ويرى متظاهرون أن مجلساً عسكرياً يترأسه البرهان هو "نسخة" عن النظام القديم. ويريد المحتجون أن يتألف المجلس المشترك من 15 مقعداً من غالبية مدنية مع 7 مقاعد للممثلين العسكريين. وفي إعلان يزيد من التباين الذي يتعمّق بين الجانبين، قال المجلس العسكري أن ستة من عناصر الامن قتلوا في مواجهات مع متظاهرين في مناطق مختلفة في البلاد. وقال نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو الملقب حمديتي "في حوادث في مناطق مختلفة بالبلاد استشهد 6 من القوات النظامية وجرح 16".

وتحدّث عن وقوع حوادث حرق لمتاجر وسطو لأموال، مضيفاً أن قادة المتظاهرين أكدوا للمجلس العسكري أن أي شيء يحدث خارج اعتصام الخرطوم لا يمثلهم. وبدأ آلاف المتظاهرين في السادس من نيسان/ابريل التجمع أمام مقرّ الجيش في العاصمة، مطالبين القوات المسلحة بمساعدتهم في إسقاط البشير. وبعد خمسة أيام، استولى الجيش على السلطة عبر مجلس عسكري انتقالي، وعزل البشير، بعد أشهر من الاحتجاجات التي بدأت على خلفية زيادة أسعار الخبز. ومنذ ذلك الحين، يرفض الضباط العشرة المؤلفين للمجلس الدعوات إلى التخلي عن السلطة.

واتفق الطرفان على تشكيل جهاز عسكري مدني مشترك لتمهيد الطريق أمام حكومة مدنية. ويقول قادة الحركة الاحتجاجية إن المجلس المشترك سيكون الهيئة الحاكمة، لكنّهم يطالبون بإدارة مدنية منفصلة لإدارة القضايا اليومية، يكون هدفها أيضا التحضير لأول انتخابات منذ إطاحة البشير. وذكر تجمع سوداني يقود التظاهرات أن الجيش السوداني يحاول فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم عبر ازالة الحواجز التي أقامها المتظاهرون، لكن شهودا قالوا ان الجنود لم يدخلوا الى المكان.

وفي بيان قال تجمع المهنيين السودانيين الذي كان أول من أطلق شرارة التظاهرات "يحاول المجلس العسكري، النسخة الجديدة للنظام البائد، فض الاعتصام أمام القيادة العامة لقوات شعبنا المسلحة". وأضاف "نرجو من الثوار داخل ساحة الاعتصام ترتيب الصفوف وإقامة المتاريس وحمايتها. كما نناشد كل الثوار في أحياء العاصمة القومية والمناطق المجاورة بالخروج للشوارع وتسيير المواكب والتوجه إلى ساحة الاعتصام أمام القيادة". لكن نائب رئيس المجلس العسكري أكد أن المجلس ليس ضدّ اعتصام الخرطوم. وأوضح "قلنا لهم اعتصموا، وهذا واجبنا كدولة أن نقف إلى جانبكم ونقدم لكم المساعدة"، مضيفاً "اعتصموا وصوموا رمضان وليس لدينا أي مشكلة إلى حين التوصل لاتفاق".

وقال اللواء صلاح عبد الخالق وهو أيضاً عضو في المجلس العسكري الانتقالي إن الجيش لن يستخدم العنف أبداً ضد المتظاهرين. وذكر شهود عيان إن المتظاهرين يقومون ببناء حواجز مؤقتة في الطرقات. وقال متظاهر إن الهدف من تلك الحواجز هو حماية المتظاهرين، مؤكداً أنهم لن يتحركوا إلى حين التوصل إلى حكم مدني. ووقف بعض المحتجين على أسطح المباني المباشرة لمراقبة العسكريين، فيما جلس آخرون على الحواجز حاملين الاعلام السوداني.

على صعيد متصل قال تجمع المهنيين السودانيين، المنظم الرئيسي للاحتجاجات، إن المجلس العسكري الانتقالي ليس جادا في تسليم السلطة للمدنيين، وذلك مع تشديد كل طرف موقفه على ما يبدو. ويتفاوض محتجون ونشطاء مع المجلس العسكري لتشكيل هيئة تضم مدنيين وعسكريين للإشراف على العملية الانتقالية، غير أنهما وصلا إلى طريق مسدود بشأن من يسيطر على الكيان الجديد. وقال محمد ناجي الأصم المتحدث باسم التجمع في الخرطوم ”ما نستشعره من كل تصرفات المجلس العسكري حتى اللحظة أنه غير جاد في تسليم السلطة إلى المدنيين“. وأضاف ”الزمن قد تطاول، ومع تطاول الزمن صلاحيات المجلس العسكري تتمدد وهذه خطورة كبيرة جدا على الثورة السودانية“. ويقود تجمع المهنيين السودانيين تحالفا يضم نشطاء وجماعات معارضة يسمى قوى إعلان الحرية والتغيير، وعقد ثلاثة اجتماعات مع المجلس العسكري.

وقال خالد عمر أحد زعماء قوى إعلان الحرية والتغيير ”المجلس العسكري عنده فرصة للمشاركة في الدولة التي نعمل عليها... ولكن قد يقودنا إلى خطر الانحراف إلى ما لا يحمد عقباه“. وأضاف ”سنواصل الاعتصام حتى تتحقق كافة المطالب. على المجلس العسكري أن يلتزم الجدية ويشرع في تسليم السلطة إلى المدنيين“.

دعم عربي

أعلنت دولة الإمارات العربية أن الدول العربية تدعم "انتقالا منظما" في السودان، مؤكدة أن المنطقة ليست بحاجة للمزيد من "الفوضى". وقالت الإمارات إنه قد تم توقيع عقد مع المصرف المركزي السوداني لإيداع 250 مليون دولار في البنك الحكومي، كجزء من حزمة مساعدات تعهدت بها أبوظبي والرياض لصالح السودان الذي يشهد اضطرابات في خضم عملية انتقال السلطة بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير. وفي هذا الشأن، كتب وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش في تغريدة على حسابه على تويتر باللغة الإنكليزية "من المشروع تماما للدول العربية أن تدعم انتقالا منظما ومستقرا في السودان. انتقال يوازن بين التطلعات الشعبية واستقرار المؤسسات".

وتابع المسؤول الإماراتي "عرفنا أوضاعا من الفوضى التامة في المنطقة ولسنا بحاجة إلى المزيد منها". وكان للسعودية والإمارات رد فعل مقتضب على الإطاحة بالبشير، حيث طالبتا بالحفاظ على "الاستقرار" و"الانتقال السلمي" للسلطة، وأعربتا عن تأييدهما لقرارات المجلس العسكري الانتقالي. ويعتبر السودان شريك رئيسي في التحالف العسكري الذي تقوده الرياض وأبوظبي ضد الحوثيين في اليمن. ويقاتل آلاف الجنود السودانيين في صفوف قوات هذا التحالف الذي بدأ عملياته في مارس/ آذار 2015.

ودعت حركة الاحتجاجات في السودان إلى "موكب مليوني"، مؤكدين عدم جدية الجيش في تسليم السلطة للمدنيين بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على إطاحة الرئيس عمر البشير. وتدعم الإمارات والسعودية رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان. وسارعت الإمارات بالترحيب بتعيين البرهان وقالت إنها ستبحث تسريع وتيرة المساعدات للسودان. وبعد فترة وجيزة من تعيين البرهان قالت السعودية إنها ستقدم القمح والوقود والدواء للسودان. بحسب فرانس برس.

والمساعدات المالية التي قدمها الحليفان المقربان، هي أول مساعدات كبيرة معلنة للسودان من دول خليجية منذ سنوات. وعملت الإمارات والسعودية على كبح صعود الحركات الإسلامية في المنطقة ودعمت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد أن أطاح بالرئيس الإسلامي محمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر.

ابتلاع السودان

من جانب اخر قال الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، إن الدعم التركي للسودان سيتواصل مؤكدا على أن السودان يعد بمثابة "القلب لأفريقيا"، وذلك في كلمة خلال الاجتماع التشاوري والتقييمي الـ28 لحزبه "العدالة والتنمية" في أنقرة. وأوضح أردوغان وفقا لما نقلته وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية: "السودان، الذي يعد بمثابة ’القلب لإفريقيا‘، تعرض لتدخلات خارجية في جميع شؤونه، خلال الفترة الماضية.. لقد قسموا البلاد أولا، والآن يحاولون ابتلاعه".

وتابع أردوغان مشددا على "الأهمية الكبيرة لأمن واستقرار السودان بالنسبة لمنطقتي شرق ووسط إفريقيا"، معربا عن "أمله في أن تنتهي الأحداث التي تشهدها البلاد بما يتوافق مع مطالب وتطلعات شعبها". وفي الشأن الليبي قال أردوغان وفقا للأناضول إن ليبيا "باتت تشكل مسرحا لسيناريوهات مظلمة تستهدف أمن المنطقة.. من جهة، هناك حكومة تتلقى شرعيتها من الشعب، ومن جهة أخرى يوجد ديكتاتور مدعوم من أوروبا وبعض الدول العربية". بحسب CNN.

وأضاف: "تركيا ستقف بقوة إلى جانب أشقائها الليبيين كما فعلت في السابق، وستستنفر كل إمكاناتها لإفشال مساعي تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة". وفيما يتعلق بالجزائر، قال أردوغان: "أنقرة تتابع التطورات عن كثب، وتشعر بالأسف إزاء حالة عدم الاستقرار"، معربا عن "أمله في أن يتم تشكيل حكومة جزائرية تستمد قوتها من الشعب، في أقرب وقت". والسودان الذي حرم من ثلاثة أرباع احتياطه النفطي منذ استقلال جنوب السودان في 2011، يعاني من نقص حاد في العملات الأجنبية. وتدهور الاقتصاد السوداني في عهد البشير الذي حكم البلاد بقبضة من حديد وشهدت حركات تمرد في مناطق عديدة منذ انقلاب 1989.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4