الاتفاق الاخير الذي تمّ التوصل إليه بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، يؤكد ان معركة خروج المملكة المتحدة ستكون طويلة ومعقدة وستسهم في زيادة المشكلات والازمات دخل الاتحاد الاوروبي كما ان ماي التي أعربت عن تمسكّها بنيل موافقة البرلمان لشروط الانسحاب التي اتفقت بشأنها مع الاتحاد الأوروبي أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ستواجه ايضاً مشكلات اضافية قد تدفعها الى تقديم تنازلات كبيرة، وقبل نحو عامين قامت بريطانيا بتفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة التي تنظم عملية خروج الأعضاء من الاتحاد الأوروبي، وحددت آنذاك يوم 29 مارس 2019، موعدا لإعلان بريكست بشكل رسمي. وعقب رفض مجلس العموم البريطاني خطة بريكست مرتين، اضطرت حكومة لندن لطلب فترة إضافية لعملية الخروج، وذلك تجنبا لتحقيق بريكست دون اتفاق. ودافعت رئيسة الوزراء البريطانية عن قرارها بتأجيل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والسعي لخطة خروج توافقية مع حزب العمال المعارض بينما وقف عضو غاضب في مجلس العموم وطالبها بالاستقالة.

ووافق الاتحاد الأوروبي على تأجيل خروج بريطانيا لمدة ستة أشهر حتى يوم 31 أكتوبر تشرين الأول المقبل بينما تسعى ماي لإبرام اتفاق مع حزب العمال تأمل أن يساهم في تمرير اتفاقها في البرلمان بعد رفضه ثلاث مرات. وقالت ماي للبرلمان ”هذا ليس هو السبيل المألوف في السياسة البريطانية ... لن يكون التوصل لاتفاق سهلا لأن النجاح سيحتاج من الطرفين تقديم تنازلات“.

لكن بيانها بشأن قرار تأجيل الخروج من الاتحاد للمرة الثانية أثار غضب أعضاء مجلس العموم المؤيدين للانفصال. ووصف عضو مجلس العموم بيل كاش المناهض للاتحاد الأوروبي القرار بأنه ”استسلام بائس“. وأضاف موجها حديثه لماي ”هل تقبل أيضا بأن يقوض اتفاق الانسحاب ديمقراطيتنا والأساس الدستوري لأيرلندا الشمالية وحقنا في حكم أنفسنا وسيطرتنا على قوانيننا؟ هل سيقوض مصالحنا القومية؟ هل ستستقيل؟“.

مهلة جديدة

وفي هذا الشأن أمهل زعماء الاتحاد الأوروبي بريطانيا ستة أشهر أخرى للخروج من التكتل، وهي فترة أطول مما تقول رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إنها بحاجة إليها لكنها أقصر مما أراده كثيرون في الاتحاد. ويعني الاتفاق الذي توصل إليه زعماء الاتحاد في بروكسل أن بريطانيا لن تغادر التكتل دون اتفاق يجعل خروجها سلسا، ولكنه لا يعطي صورة واضحة عن موعد أو كيفية الخروج أو حتى حدوثه من الأساس في وقت تجاهد فيه ماي للحصول على دعم البرلمان لشروط الانسحاب التي اتفقت عليها مع الاتحاد الأوروبي العام الماضي.

ومع تأكيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على أنه لن يكون هناك إجبار لبريطانيا على الخروج من الاتحاد وعلى ضرورة تجنب أي خروج فوضوي دون اتفاق، لم يكن هناك أدنى شك في أن ماي ستحصل على تمديد للمهلة المتاحة. وكان السجال بشأن المدة والشروط. ودفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الزعماء إلى جدل دام ساعات على مأدبة العشاء، حيث خاض حملة منفردة تقريبا لإقناعهم بعدم إمهال بريطانيا فترة تصل إلى عام آخر، في موقف يعيد إلى الأذهان ما فعله عندما قرر زعماء الاتحاد إمهال ماي أسبوعين.

ورأى رئيس القمة توسك وآخرون أن إلزام ماي بقبول مهلة تتجاوز كثيرا موعد 30 يونيو حزيران الذي سعت إليه قد يهز التأييد لاتفاقها بين المتحمسين بشدة للخروج من الاتحاد الأوروبي من داخل حزب المحافظين الذي تتزعمه خشية أن يؤدي التأجيل الطويل لتحول الرأي العام عن فكرة الانسحاب من الأساس. لكن ماكرون أصر على أن السماح ببقاء بريطانيا في الاتحاد لفترة أطول يخاطر بتقويض مشروع التكامل الأوروبي الذي هو أحد أبرز أهداف الرئيس الفرنسي السياسية، مثيرا بذلك استياء بعض نظرائه. بحسب رويترز.

وكانت النتيجة حلا وسطا يقضي بإمهال بريطانيا حتى 31 أكتوبر تشرين الأول للخروج سواء باتفاق أو بغير اتفاق شريطة أن تشارك بريطانيا في انتخابات البرلمان الأوروبي المقررة في 23 مايو أيار وأن تتعهد بألا تعرقل أي قرارات هامة للاتحاد قبل خروجها. وإذا فشلت ماي في كسب تأييد المشرعين للاتفاق أو لم تشارك بريطانيا في انتخابات البرلمان الأوروبي، فسيحدث خروج دون اتفاق في الأول من يونيو حزيران.

زعيم قوي

في السياق ذاته يريد الناخبون البريطانيون زعيما قويا قادرا على كسر القواعد وإجراء إصلاحات كبيرة بعدما تسببت أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي المستمرة منذ ثلاث سنوات في تراجع ثقتهم في النظام السياسي إلى أدنى مستوى منذ 15 عاما. وكشف الاستفتاء الذي أُجري عام 2016 أن المملكة المتحدة منقسمة حول أشياء أكثر من عضوية الاتحاد الأوروبي، وأشعل نقاشا حاميا حول كل الأمور بدءا من الانسحاب من التكتل الأوروبي والهجرة وحتى الرأسمالية والإمبراطورية وماذا يعني أن تكون بريطانيا.

وبعد مرور الموعد الأصلي الذي كان مقررا أن تخرج فيه بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وهو 29 مارس آذار، فإن شيئا لم يُحل. ولا تزال البلاد غير متيقنة بشأن كيف ومتى أو ما إذا كان ذلك سوف يحدث. ووجد بحث أعدته مؤسسة (هانسارد سوسايتي) أن 54 بالمئة من الناخبين البريطانيين يريدون زعيما قويا قادرا على كسر القواعد بينما يقول 72 بالمئة منهم إن النظام السياسي يحتاج إلى ”كثير جدا“ أو إلى ”قدر كبير“ من الإصلاح. بحسب رويترز.

ووصل حجم الثقة في النظام السياسي إلى أدنى مستوى له خلال تاريخ الاستطلاع البالغ 15 عاما، وحتى أنه أقل من المعدل الذي وصل له بعد فضيحة النفقات عام 2009 عندما اتضح أن نواب البرلمان حملوا دافعي الضرائب جميع نفقاتهم. ووفقا لمؤسسة هانسارد سوسايتي ”الناس متشائمون من مشاكل البلاد وحلها المحتمل، وهناك أعداد كبيرة على استعداد لإجراء تغييرات سياسية جذرية“. وكان ربع الأشخاص فقط يثقون في طريقة تعامل النواب مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

حملة انتخابة

من جانب اخر أطلق نايجل فاراج حملة حزب بريكست الذي يتزعمه لانتخابات البرلمان الأوروبي، وهو التصويت الذي لم يكن من المفترض أن تشارك فيه بريطانيا، وأصبح يعتبر الآن استفتاء على مساعيها المتعثرة للخروج من الاتحاد الأوروبي. وكان فاراج، الزعيم السابق لحزب استقلال بريطانيا، أحد قادة المعسكر المؤيد لخروج بلاده من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى في 2016 والذي صوت الناخبون فيه لصالح الخروج من الاتحاد بعد عضوية استمرت نحو نصف قرن.

ويأمل فاراج الآن في أن يحول فشل رئيسة الوزراء تيريزا ماي في اكمال عملية الخروج إلى مكاسب كبيرة لمؤيدي بريكست. وصرح في أول تجمع انتخابي له عقد في مدينة كوفنتري وسط انكلترا التي دمرتها غارات القصف في الحرب العالمية الثانية "أعتقد بحق أننا أمة أسود يقودهم حمير". وأضاف "نستطيع الفوز في هذه الانتخابات الأوروبية". ووجدت بريطانيا نفسها في وضع محرج يجبرها على التحضير لانتخابات البرلمان الأوروبي بعد ثلاث سنوات من قرارها مغادرة الاتحاد الأوروبي.

وواجهت ماي صعوبات في الحصول على موافقة البرلمان البريطاني على اتفاق بريكست الذي توصلت إليه مع بروكسل، ما اضطر دول الاتحاد ال27 الأخرى في قمة عقدت في وقت سابق إلى منح بريطانيا إرجاء ثان لبريكست لحد أقصاه 31 تشرين الأول/أكتوبر. ويُلزم ذلك لندن على طرح مرشحين في انتخابات البرلمان الأوروبي التي ستجري في 23 أيار/مايو. وقال فاراج إن الفوضى تظهر أن قادة بريطانيا "عاجزون تماما". ولم تسر الامور بسلاسة لفاراج (55 عاما) في التجمع الافتتاحي.

فقد تبين أنه نسي تسجيل اسم الموقع الالكتروني الذي يحمل اسم الحزب، ما أدى الى سيطرة مجموعة أخرى تحمل اسم "يقودنا الحمير" عليه. وقالت المجموعة على الموقع "لا أحد أكثر من فاراج مسؤول عن الحالة الحالية التي تعاني منها بلادنا .. حان وقت وقف فاراج". ومن بين من يسعون إلى وقف فاراج وأمثاله مجموعة من النواب البارزين المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي الذين انشقوا عن حزب المحافظين بزعامة ماي، وحزب العمال المعارض الرئيسي في شباط/فبراير.

وأعادت "مجموعة الاستقلال" تسميه نفسها باسم "تغيير المملكة المتحدة" وتسيطر على 11 من مقاعد مجلس العموم ال650. وتتطلع المجموعة إلى الإبقاء على بريطانيا في أوروبا من خلال إجراء استفتاء جديد حول بريكست يشتمل على خيار الغاء نتائج استفتاء 2016. وصرح تشوكا امونا المتحدث باسم "تغيير المملكة المتحدة - وهو لندني عمره 40عاما انشق عن حزب العمال في بيان في مستهل الحملة "نحن واضحون: لقد ثبت أنه لا يمكن تحقيق بريكست". وأضاف أمونا الذي يتمتع بحضور تلفزيوني "نحن نعتقد أن الشعب يجب أن تكون له الكلمة الفصل في هذا الشأن، وافضل خيار للمملكة المتحدة هو البقاء في الاتحاد الأوروبي كعضو كامل".

وتوفر انتخابات البرلمان الأوروبي فرصة نادرة للأحزاب الناشئة للبروز على الساحة الداخلية والحصول على تمويل في حال فازت بمقاعد في ستراسبورغ. وأطلق حزب اسمه "حزب التجديد" حملته بوعد لمنح صوت "للأشخاص من خارج عالم السياسة" الذين يعتبرون أنفسهم أوروبيين ويؤمنون في قضايا من بينها مكافحة التغير المناخي. وقال الحزب إنه "مستعد للتحدث نيابة عن الناخبين المهمشين الذين لا يمكنهم الاعتماد على حزب المحافظين أو العمال". بحسب فرانس برس.

وتشكل هذه الانتخابات صداعا كبيراً للحزبين الكبيرين، إذ يتعين على حزب ماي مواجهة مؤيدي بريكست الذين يشعرون بالاحباط بسبب عجز الحزب عن قيادة الطريق في واحدة من أكبر القضايا التي تواجهها بريطانيا منذ أجيال. وأقر وزير بريكست ستيفن باركلي أن "الطلب من الناس إجراء انتخابات لمؤسسة يفترض أن نغادرها سيدمر الثقة في السياسة". من ناحيته ينقسم حزب العمال بشأن قضية إجراء استفتاء ثان. ويضم الحزب مؤيدين ومعارضين لبريكست - وهو الانقسام الذي دفع زعيم الحزب جيرمي كوربن إلى محاولة التوصل إلى حل وسط.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0