بعد سبعة أعوام من اللجوء إلى سفارة الإكوادور في لندن، سحب رئيس الإكوادور لينين مورينو حق اللجوء من جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، مما أتاح للشرطة البريطانية القبض عليه. ولجأ أسانج إلى سفارة الإكوادور في لندن في عام 2012 خشية ترحليه إلى السويد حيث يتهم بالاغتصاب. وأكدت محامية المرأة التي تتهم جوليان أسانج باغتصابها في السويد عام 2010، الخميس أنها ستطلب إعادة فتح التحقيق في القضية.

وأكد وزير الداخلية البريطاني كما نقلت بعض المصادر ساجد جاويد تنفيذ عملية الاعتقال. وكتب على تويتر "بعد سبع سنوات من دخوله سفارة الإكوادور، يمكنني التأكيد أن جوليان أسانج هو حالياً قيد الحجز وسيمثل أمام القضاء البريطاني"، مضيفاً أنه "لا يوجد أحد فوق القانون". قضية اعتقال أسانج لاقت أصداء متباينة، بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة. وتبدلت العلاقة بين أسانج والإكوادور بصورة تامة خلال الأعوام التي أمضاها في مقر سفاراتها. وفي عام 2012، قدم الرئيس الإكوادوري السابق رافاييل كوريا يد العون لأسانج، الذي خشى أن يؤدي نشره لوثائق سرية تتعلق بالجيش الأمريكي إلى ترحيله إلى الولايات المتحدة.

وكان أسانج يواجه أيضا اتهامات في السويد تتعلق بواقعتي "اعتداء جنسي"، وطالما نفى أسانج الاتهامات الموجهة له، وقال إنها مجرد ذريعة لترحيله إلى الولايات المتحدة. لكن العلاقة بين أسانج والإكوادور تبدلت مع تولى حكومة جديدة إدارة البلاد، بعدما تولى مورينو الرئاسة خلفا لكوريا عام 2017. ومنذ وصول مورينو للسلطة، نأى بنفسه عن سياسات الرئيس السابق. وأكد اعتقال أسانج شدة الصراع السياسي بين مورينو وكوريا.

خرق الاتفاق

وفي هذا الشأن قال مورينو في رسالة بالفيديو على حسابه على تويتر إن أسانج أبدى "سلوكا عدائيا ينم عن قلة الاحترام" وإن ويكيليكس أصدرت "تصريحات عدائية وتهديدات". ولكن الرئيس الإكوادوري قال إن لجوء أسانج إلى سفارة الإكوادور "أمرا لا يمكن استمراريته"، مبررا ذلك بـ "خرق أسانج الاتفاقات الدولية". وفي الشهور الأخيرة ظهرت مؤشرات كبيرة على التوتر بين مؤسس ويكيليكس وحكومة الإكوادور.

وأشار مورينو على وجه الخصوص إلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، واستشهد بنشر ويكيليكيس مؤخرا لوثائق خاصة بالفاتيكان في يناير/كانون الثاني 2019. وقال رئيس الإكوادور إنه طلب من السلطات البريطانية تطمينات أن أسانج "لن يتم ترحيله لدولة قد يتعرض فيها للتعذيب أو لعقوبة الإعدام". وقال كوريا "أبدى لنين مورينو بغضه للإنسانية، وسلم أسانج، وهو ليس لاجئا فقط بل مواطنا إكوادوريا أيضا، للشرطة البريطانية". وأضاف "هذا يعرض حياة أسانج للخطر ويمثل إهانة للإكوادور".

وأشار كوريا إلى مورينو بأنه "أكبر خائن في تاريخ الإكوادور وأمريكا الجنوبية". وأعلن خوسيه فالينسيا، وزير خارجية الإكوادور، أن جنسية أسانج الإكوادورية، التي حصل عليها عام 2017، تم تعليقها في اليوم السابق لاعتقاله قائلا إن بعض الخروقات تبرر ذلك. وقال فالنسيا "أوقف قرار وزاري كل الآثار المترتبة على حصول أسانج على الجنسية الإكوادورية". وأضاف "تم التوصل إلى عدد من المخالفات في الإجراءات فيما يعد خرقا للوائح".

وفور تعليق الجنسية وسحب اللجوء، سمحت سفارة الإكوادور لشرطة العاصمة البريطانية باعتقال أسانج. وقالت السفارة إن احتجاز أسانج جاء نتيجة لعدم امتثاله لقرار قضائي بالمثول أمام محكمة عام 2012. وفي تعليق لاحق قالت السفارة إن الاعتقال جاء بناء على طلب للترحيل من الولايات المتحدة. وأكدت وزارة الداخلية البريطانية طلب الولايات المتحدة ترحيل أسانج.

أسانج والقضاء

على صعيد متصل وبعدما أمضى ليلته الأولى في الاعتقال غداة توقيفه في سفارة الإكوادور في لندن، يعتزم مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج بدء معركة قضائية طويلة لتجنب تسليمه إلى الولايات المتحدة التي تريد محاكمته باعتبار أنه يشكل تهديدا لأمنها. وأخرج أسانج من السفارة بالقوة برفقة ستة رجال شرطة بلباس مدني نقلوه إلى سيارة مصفحة، وقد غطى الشيب شعره ولحيته وبدا عليه التقدم في السن. وأمكن سماع أسانج في الفيديو لدى نقله من السفارة إلى سيارة الشرطة وهو يردد عبارة "على المملكة المتحدة أن تقاوم!".

وكان أسانج قد لجأ في العام 2012 إلى سفارة الإكوادور في لندن لتفادي ترحيله إلى السويد حيث كان يواجه تهمة اغتصاب في ملف أغلق في عام 2017. وأوقف الأسترالي البالغ من العمر 47 عاما بموجب طلب تسليم أمريكي لاتهامه بـ"القرصنة المعلوماتية"، وسيمثل أمام المحكمة في هذه القضية في 2 مايو/أيار. كما أنه أوقف أيضا بموجب مذكرة توقيف بريطانية تعود ليونيو/حزيران 2012، تطلب توقيفه لعدم مثوله أمام محكمة، وهي تهمة يعاقب عليها بالسجن مدة عام.

وأفادت صحيفة "ذي سان" البريطانية أن أسانج مسجون حاليا في سجن واندسوورث في جنوب لندن حيث قضى تسعة أيام في عام 2010 في أعقاب تحقيق باتهامات الاغتصاب الموجهة إليه في السويد. وقالت محاميته في لندن جنيفر روبنسون إن موكلها "سيطعن ويقاوم" طلب الولايات المتحدة تسليمه، معتبرة أن توقيفه "يشكل سابقة خطرة للمنظمات الإعلامية والصحافيين" في العالم. وفي مدريد، اعتبر المحامي الإسباني لأسانج بالتاسار غارثون من جهته أن موكله ضحية "اضطهاد سياسي" من الولايات المتحدة.

ويتهم أسانج في الولايات المتحدة بالتآمر بهدف ارتكاب "قرصنة معلوماتية"، وهي جريمة تصل عقوبتها الى خمس سنوات، بحسب ما كشفت وزارة العدل الأمريكية. وأسانج متهم بمساعدة الخبيرة السابقة في الاستخبارات الأميركية تشلسي مانينغ في الحصول على كلمة مرور لآلاف الوثائق السرية. وأعرب الصحافي في ويكيليكس كريستين هرافنسون عن خشيته من أن توجه الولايات المتحدة تهما إضافية لأسانج، ما يعني أنه قد يواجه عقودا من السجن في الولايات المتحدة.

ومثل أسانج أمام محكمة وستمنستر في لندن وقد حيا الصحافيين قبل أن ينصرف لقراءة كتاب، بحسب ما شاهد صحافي وكالة الأنباء الفرنسية. وقد اعتبر القاضي مايكل سنو أن أسانج "نرجسي غير قادر على رؤية ما هو أبعد من مصلحته الشخصية"، وقد أعلن أنه مذنب بخرق شروط إخلاء سبيله المؤقت. وسيتم إصدار الحكم بحقه في وقت لاحق لم يحدد.

وأثار توقيف أسانج تنديدا من مؤيديه الذين اعتبروا قرار الإكوادور سحب اللجوء منه، كما شروط اعتقاله، "مخالفين للقانون". وعلى تويتر، أطلق موقع ويكيليكس موقفا قال فيه إن الإكوادور أنهت "بشكل غير قانوني اللجوء السياسي الممنوح إلى أسانج، بخرق للقانون الدولي"، وإن السفارة قامت "بدعوة" الشرطة البريطانية إلى مقرها من أجل توقيفه. واتهمت موسكو من جهتها لندن بـ"خنق الحريات"، فيما وصف الرئيس البوليفي إيفو موارليس من اليسار الراديكالي في أميركا اللاتينية، التوقيف بأنه "انتهاك لحرية التعبير".

وبالنسبة للرئيس السابق للإكوادور رافاييل كورييا، فإن توقيف أسانج ينبع من رغبة "شخصية بالانتقام لدى الرئيس لنين مورينو، لأن ويكيليكس نشر قبل أيام حالة فساد خطرة جدا". وبحسب كورييا، فإن الأمر يتعلق بكشف ويكيليكس عن "حساب سري في بنما في مصرف بالبوا" باسم عائلة مورينو. واعتقلت الإكوادور "متعاونا" مع مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج، متهم "بالتواطؤ في محاولات لزعزعة حكومة" الرئيس لنين مورينو، كما أعلنت وزيرة الداخلية ماريا باولو رومو.

ولم تكشف الوزيرة عن اسم المعتقل، لكن بحسب قناة "تيلي أمازوناس"، فالموقوف هو المواطن السويدي أولا بيني، الخبير في المعلوماتية والمتخصص بالأمن والتشفير. ودافع مورينو من جهته على تويتر عن قرار بلاده سحب حق اللجوء من أسانج، موضحا أنه يستند إلى حق بلاده "السيادي"، واتخذ "بعد الخرق المتكرر للاتفاقات الدولية وبروتوكولات الحياة اليومية".

واعتبر الوزير البريطاني لشؤون أوروبا والأمريكيتين آلان دانكن أن الانتقادات ضد اعتقال أسانج "لا أساس لها"، مؤكدا أن "حقوقه لم تنتهك" وأن كل شيء تم "بما يتوافق مع القانون الدولي". من جانبها اعتبرت مقررة الأمم المتحدة بشأن الاعتقالات التعسفية أغنيس كالامار أنه بطرد أسانج من سفارتها، عرضته الإكوادور "لخطر حقيقي بخرق حقوقه الأساسية".

وتشدد الحكومة البريطانية على موقفها بأن أسانج خاضع للقانون مثله مثل أي شخص آخر. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمام البرلمان إن "لا أحد فوق القانون"، فيما رأى وزير خارجيتها جيريمي هانت أن أسانج "ليس بطلاً". لكن زعيم معارضة حزب العمال جيريمي كوربن دعا الحكومة البريطانية إلى منع تسليمه إلى الولايات المتحدة. وكتب على تويتر "يجب معارضة تسليم جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة لكشفه عن أدلة حول انتهاكات في العراق وأفغانستان". بحسب فرانس برس.

وقال خبراء قانونيون إن القضية قد تبقى عالقة لسنوات في المحاكم البريطانية، إذا استؤنفت، وقد تصل إلى محكمة العدل الأوروبية. وأكد أنطوني هانراتي شركة "بي دي بي بيتمانز" للمحاماة لصحيفة "ذي تايمز" أنه "سيكون من الصعب جدا مقاومة التسليم، نظرا لطبيعة الاتفاق حول هذا الموضوع بين الولايات المتحدة وبريطانيا". وتابع أن عوامل أخرى تلعب دورا سلبيا ضد أسانج وهي تضم "الأهمية الكبرى التي يعطيها القضاء البريطاني للثقة والتعاون بين البلدين وأيضا الجهود التي ستبذلها الولايات المتحدة في القضية".

تصريحات ترامب

من جانب اخر دافع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن موقف الرئيس دونالد ترامب بشأن اعتقال مؤسس ويكيليكس جوليان اسانج التي وصفها البعض بأنها تثير الحيرة. وصرح بنس لشبكة "سي ان ان" أن اشادات ترامب السابقة المتكررة بويكيليكس ليست "دعما" لهذا الموقع. واحتفى الجمهوريون بشكل عام بالقبض على اسانج الذي كان يحتمي في سفارة الاكوادور في لندن لمدة تقارب السبع سنوات، وقبضت عليه الشرطة البريطانية.

وفي أول رد فعل على ذلك، قال ترامب للصحافيين "أنا لا اعرف شيئا عن ويكيليكس. ليست ضمن اهتماماتي". وأثار ذلك الاستغراب لأنه وخلال حملته الانتخابية في 2016 أشاد ترامب مرارا بموقع ويكيليكس الذي تسبب قبل ست سنوات بفضيحة كبيرة بنشره آلاف الوثائق العسكرية والدبلوماسية الأميركية السرية. وقال في إحدى المناسبات "أنا أحب ويكيليكس" في الوقت الذي سرب الموقع رسائل الكترونية مسروقة أضرت بحملة منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون رغم الاتهامات لويكيليكس بالعمل بالتنسيق الوثيق مع الاستخبارات الروسية.

وقال بنس إن ترامب كان يدعم كشف المعلومات خلال الانتخابات وليس منظمة ويكيليكس نفسها". وأضاف "اعتقد أن الرئيس يرحب دائما، مثلما تفعلون ويفعل الاعلام، بالمعلومات ... ولكن ذلك ليس دعما لمنظمة ندرك الآن أنها متورطة في نشر معلومات أميركية سرية".

وقالت وزارة العدل الأمريكية إن أسانج متهم بالتآمر مع المحللة السابقة بالجيش تشيلسي مانينج للوصول إلى جهاز كمبيوتر حكومي في إطار تسريب ويكيلكس مئات الآلاف من التقارير العسكرية الأمريكية في عام 2010 بشأن الحرب في أفغانستان والعراق والبرقيات الدبلوماسية الأمريكية. وأغضب أسانج واشنطن بنشره مئات الآلاف من البرقيات الدبلوماسية الأمريكية السرية. وتصدرت أخباره عناوين الصحف في عام 2010 عندما نشر موقع ويكيليكس تسجيلا مصورا سريا للجيش الأمريكي يظهر هجوما عام 2007 بطائرة أباتشي في بغداد أودى بحياة 12 شخصا بينهم اثنان من صحفيي رويترز.

في السياق ذاته كشفت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، أن مدير الحملة الانتخابية الرئاسية، للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أجرى محادثات سرية مع مؤسس منظمة "ويكيليكس"، جوليان أسانج، في الأعوام 2013 و 2015 و 2016. وقالت الصحيفة بحسب مصادر خاصة، إن باول مانفورت التقى بأسانج في مكان إقامته داخل سفارة الإكوادور في لندن، بالتزامن مع انضمامه لحملة ترامب، ربيع العام 2016. إلا أن مانفورت نفى جميع الأنباء حول لقاءاته بأسانج، أو تواصله مع مسؤولين في "ويكيليكس".

وأشارت الصحيفة إلى أن مصادرها شددت على أن مانفورت زار أسانغ في آذار/ مارس عام 2016، وبعد مضي بضعة أشهر على هذه الزيارة، نشرت "ويكيليكس"، رسائل بريد إلكترونية خاصة بالديمقراطيين، سُرقت عن طريق رجال مخابرات روس. وادعت "ويكيليكس" في سلسلة من التغريدات على موقع "تويتر"، أن أسانج ومانافورت لم يلتقيا، وكان الأخير قد زعم خلال التحقيقات أن لا علاقة له بتسريبات رسائل البريد الإلكتروني.

وسجن مانافورت في وقت سابق هذا العام، وتحول لمركز التحقيق بشأن التدخل الروسي، لكن مولر قال إن مانافورت كذب مرارا على مكتب التحقيقات الفدرالي، رغم موافقته على التعاون قبل شهرين في صفقة اعتراف. ووفقا لوثيقة محكمة، ارتكب مانافورت "جرائم وأكاذيب" في عدّة مواضيع. وبحسب مصادر "ذي غارديان"، فإن مانفورت زار أسانج عام 2013 لأول مرّة بعد سنة من طلب الأخير اللجوء في سفارة الإكوادور في لندن، وعاد مرّة أخرى عام 2015، ومرّة أخيرة عام 2016.

وفي حين يسجل حراس السفارة عادة، أسماء وهويات الداخلين إليها، إلا أن مصادر الصحيفة في الإكوادور، أوضحت أن اسم مانفورت لم يُسجل. ولفتت الصحيفة إلى أن طاقم السفارة لم يعلم بالخطورة السياسية لهذه الزيارات إلا بعد أن كُشف دور مانفورت في حملة ترامب الانتخابية. وفي حال أُثبتت هذه المعلومات، فإن ذلك يُسلط الضوء على تسلسل الأحداث في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية، وتحديدا صيف عام 2016، عندما نشرت "ويكيليكس" على موقعها، عشرات آلاف الرسائل البريد الإلكتروني التي اخترقتها وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية، والتي قالت منافسة ترامب حينها، هيلاري كلينتون، في أعقاب الاختراق، إن ذلك ساهم في هزيمتها. وأوضحت مصادر الصحيفة أن أسانج كان مهتما بإلحاق ضرر بالديمقراطيين، على اعتبار أن بعد وصول ترامب للبيت الأبيض، لن يولي اهتماما كبيرا لطلب استرداده، ورحب الأخير عندما كان مرشحا، باختراق بريد الديمقراطيين، وعبر مرّة عن إعجابه بـ"ويكيليكس"، لكن البيت الأبيض، بعد فوز ترامب، أصدر مواقف متناقضة حول أسانج وقضيته، من الناحية القانونية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2