مأزق كبير وقعت به الحكومة العراقية الجديدة، ففي مشهد ليس بالبعيد عن الصراع الداخلي الذي تعيشه القوى السياسية من اجل تقسيم كعكة الوزارات، سبب وجود ترامب في القاعدة العسكرية "عين الاسد" صدمة كبيرة للسياسيين والشعب، عكست هشاشة التركيب القيادي من الداخل، وتغييب مركزيته وتنوع اطرافه السياسية وتشظيه على نفسه.

استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد الدكتور احمد الميالي يرى ان "زيارة ترامب في سياق وتوقيت غير مناسبين الاجدر ان تكون ضمن البروتكولات الدبلوماسية المعهودة لتعزيز سيادة العراق ودعم الحكومة العراقية الجديدة".

وان الفخ الاكبر الذي سقط به الساسة هو التصريح مابعد الزيارة، يوضح ذلك الميالي" التصريح بعدم الانسحاب من العراق وتحويله الى قاعدة عسكرية لانطلاق عمليات مقبلة في سوريا او العراق والمنطقة دون اخذ الضمانات والموافقات العراقية تجذر هذا الانتهاك ويضع مثل هكذا تصريح الحكومة العراقية في مأزق واختبار مع الشركاء السياسيين".

كما ان عبد المهدي الذي لايزال كالذي يمسك بجمر بيديه، في واحدة جمرة الفياض والاخرى الاستقالة، وضع في موقف لا يحسد عليه، يبين الميالي "كما انه يضع اختبارا لعبد المهدي في كيفية صياغة علاقته مع ايران والفاعلين السياسيين المؤيدين لها، مسالة الموافقة من عدمها او العلم من عدمه لا تفرق في سياق التصريح الاعلامي او التبرير لان عراق ما بعد ٢٠١١يختلف ما قبله فيما لو قارنا زيارة اوباما لاحدى القواعد العسكرية في بغداد ولقاء المالكي معه فيها".

الزيارة لم تخلوا من رسائل لدول المنطقة ومنها ايران حسب تحليلات الميالي "الرسالة واضحة استمرار الوجود الامريكي في العراق، وعرض الانسحاب من سوريا وكانه تقاسم نفوذ مع تهديد للمصالح الايرانية في العراق".

الرؤية الترامبية

سألت قارئة الفنجان، ماذا سيحدث للبرلمان، بعد زيارة لم تكن بالحسبان، فأجابت وعلى وجهها صفرة، وتتنهد حسرة، حذاري من دول الجيران، من يبني قاعدة للطيران، من الذي يهدم البلدان، من المهرج الذي يمزق الاوراق، ويحرق العقود، ويدعم الشر كي يسود.

ليس انتهاك بقدر ما هو عدم احترام للحكومة والقوى السياسية هكذا بدت رؤية الدكتور ميثاق العيسى استاذ العلوم السياسية في جامعة كربلاء "بالرغم من ان هناك رواية تؤكد ان ترامب اتصل بعبد المهدي على ان يلتقيه بقاعدة عين الاسد والاخير رفض، الا ان الرسالة التي اراد ان يوصلها ترامب للحكومة العراقية مفادها بأن فشلكم المستمر في حكم العراق ينعكس على رؤية العالم الخارجي لكم فهناك مجاملة دولية وهناك واقعية سياسية".

ويوضح العيسى " يبدو بأن ترامب تعامل بهذه الواقعية وابتعد عن المجاملة الدولية، هذه الرؤية الترامبية ظهرت بشكل واضح عندما تسابقت القوى والاحزاب وقادة الكتل والفصائل على اختلاف توجهاتها بين مستنكر ورافض ومتحفظ، بعيدا عن موقف الحكومة الرسمي".

روسيا وسوريا وكوريا الشمالية

يبدو ان الزيارة جاءت دعما لسياسة فرض السيطرة بالقوة التي ينتهجها ترامب، بين ذلك الكاتب الصحفي مسلم عباس بقوله: " يحاول ان يؤكد لجمهوره وللمجتمع السياسي الامريكي انه حازم ومهتم بالمصالح الاستراتيجية لبلاده ويقدر تضحيات جنوده في ميادين الشرق الاوسط.

كما أن زيارة الرئيس الامريكي للقاعدة العسكرية في العراق، تأتي كنوع من تحويل الانتباه، لرد الانتقادات الداخلية لانسحابه من سوريا".

يستذكر عباس بعض من قرارات الرئيس الامريكي التي انتهج فيها سياسة لفت الانتباه لتحقيق مأرب اخرى، " قبل سنة تقريبا وفي الوقت الذي قرر الغاء الاتفاق النووي مع ايران، وما ترتب من انتقادات شديدة، قام بأبرام اتفاق شكلي مع كوريا الشمالية، واكد انه رئيس يريد السلام، انشغل العالم باتفاق كوريا بينما مزق بهدوء الاتفاق النووي الايراني. (كوريا لم تتخلى ان اسلحتها، لكن ترامب استغل الاتفاق لتحويل الاهتمام الى قضية اخرى ).

وهناك الكثير من الامثلة الواقعية التي تؤكد هذه السياسة يضيف عباس "في سوريا مثلا انتقدته وسائل الاعلام الامريكية بانه يقدم البلاد على طبق لروسيا، وضغطت عليه وعلى جمهوره بشدة، مباشرة وبأكثر من مائة صاروخ توماهوك هدأت كل الاصوات وتحول انتباه العالم الى حزم ترامب تجاه حلفاء روسيا، واكد في ذلك الوقت ان تقارير وسائل الاعلام كانت تضليلية وكاذبة.

(بالنهاية هو قدم سوريا على طبق لروسيا، لكن صواريخه حولت الانتباه عن عملية الالتفاف هذه لا سيما مع تزاحم الاحداث).

لا توجد سيادة

تصريح خطير، ورؤية تحليلية مهمة، ارض وحدود وحكومة وثروات وتعداد سكاني يتجاوز السبع والثلاثين نسمة، الا ان الدكتور غالب الدعمي محلل سياسي يعتقد انه " لاتوجد سيادة في العراق، لانه بلد يتدخل في شؤونه ويخترق قوانينه عدة دول وليس امريكا فقط، تركيا مثلا، الحدود مفتوحة على مصراعيها".

ومما لا ينكر ايضا الدور الايراني الذي يفرض سيطرته على ساحة الرأي السياسي، ولوحظ ذلك في النتائج الاخيرة لاختيار الحكومة والوزراء للمناصب السيادية، ويبين الدعمي ان " حتى في قضية الولاءات نرى ان الجهات الحزبية تميل الى هذه الجهة او تلك، وتعمل لمصلحة لاطراف الخارجية، مما يؤكد ان العراق منتهك بولائه بأرضه بسمائه بكل شئ".

ومما قد يكون غاب عن الجماهير ان هناك اتفاقية عسكرية قد وقع عليها العراق في زمن رئيس الوزراء الاسبق، تسمح للامريكان بالدخول للبلاد بمجرد عرض هوية تعريفية، كما ان الرؤساء السابقون للولايات المتحدة قد قاموا بنفس الزيارات لقواعد العسكرية في العراق الا انه لم تكن الضجة التي عملتها زيارت ترامب الاخيرة، يتحدث الدكتور الدعمي عن ذلك قائلا "ان بوش الابن قد سبق وزار عين الاسد واستقبله ابو ريشة ولم يلتق اي مسؤول عراقي بالدولة انذاك، وعاد الى امريكا ولم يحدث ان سمعنا اي اصوات من اي جهة".

واضاف " ان امريكا دولة عظمى تستطيع ان تدخل اي بلد بسهولة، ومما يلفت الانتباه ان ترامب توجه الى قواعده العسكرية في عدة دول ومنها المانيا ولم يلتق برؤساءها او من يمثلهم"، واكد الدعمي" ان هناك اتفاقية دولية تسمح للرئيس الامريكي ان يزور جنوده في اي دولة دون موافقة الدولة او مقابلة رئيسها"، واشار الدعمي الى نقطة قد تكون مهمة " ان العراق منتهك السيادة من ابناءه وسياسييه".

ويرى بعض المحللين السياسيين ان الاستهتار بسيادة ومقدرات العراق جاء بسبب أن السياسي يريد البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، لذلك ‏هو مستعد لتقديم التنازلات الخارجية مع رفضه لأي تنازلات داخلية، فمجرد محاولة تغيير حقيقي بعيد عن الترقيع والمحاصصة يتعرض للاهتزاز الذي يهدد وجوده، فلا يستطيع وحزبه ان يقوم باصلاحات حقيقية، وهنا يكمن التشخيص والعلاج، يحتاج اطراف قوية عبر تمثيل شعبي قوي بعيدا عن جماعات متسلطة عسكرية سواء كانت ام مدنية او حزب، مع رفض للهرمية البيروقراطية والولاء الشخصي وعدم تضمن ذلك قضايا عشائرية ومذهبية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0