الترف الفكري واستعراض النظريات أقصى ما يمكن ان تفعله الدراسات لمشكلات الاعلام ومناقشتها داخل القاعات المغلقة، الا انه كيف تصبح الدراسة فعل على أرض الواقع هو التحدي الاكبر امام المختصين بشؤون الاعلام والتنمية الاجتماعية.

ولكي تكون تنمية القيم والمبادئ الاخلاقية هادفة لابد ان تكون ذات قيمة وفاعلية كبيرة، وان تضطلع بأعباء المسؤولية وان تتحول الى حركة ونبض حي يمثل الواقع ويتوخى تغييره الى مجتمعات مزدهرة ثقافيا وفكريا، ليساعدها على النهوض اقتصاديا ومعنويا وفي مختلف المجالات.

اذ ان حل ازمة الهوية هي المفتاح الرئيس لكل المشاكل، فمجتمعنا اليوم لا يحتاج الى الموارد البشرية والمادية انما الى اصلاح الفكر والمنهج المتأزم نتيجة التشرد والضياع والتخلي عن الهوية الإنسانية، وتلك الازمة تتداخل مع ازمات اخرى او ربما نشأت منها، فالفضاءات المفتوحة، العولمة، انهيار الانظمة الحاكمة، ولادة احزاب جديدة، وغيرها الكثير.

اسباب هزت اوتاد الامة، وزعزعت استقرارها الفكري والثقافي والسياسي والامني، وفي ظل غياب واضح لسياسة اعلامية متحررة من القيود البيروقراطية تراعي كل تلك التحولات وتمنح حرية التعبير وانسياب الافكار وتكون ذات رسالة وطنية واضحة حتما سينتصر للمواطنة.

فالاعلام ليس اغنية وطنية، ولا مشهد مؤثر، ولا ثرثرة نفاثة، انما هم معالجة ومناقشة وتفاعل مع مشكلات البلد الاستراتيجية، الا ان التدخل الا منطقي في مطابخ صنع الرسالة الاعلامية او الكيفية التي تقدم فيها للجمهور من قبل خوارق الاشعور السياسي جعلتنا نحوم لايجاد حلول رغم انها قريبة منا وتحاصرنا.

فالثقافات والافكار التي تقدمها وسائل الاعلام للمتلقي تؤثر في سلوكياته وانماط حياته وتترسخ يوما بعد اخر، وتبقى الرؤية الكونية بمثابة القلب النابض من ثقافة المواطنة والانتماء وتستمد طاقتها من مما يدور حولها من قيم ومعتقدات وتراث اجتماعي ومعرفي، اذ تنتقل الطاقة الى الاوصال الثقافية وتتبادل مع التجليات الخارجية لترمم الاجزاء المتأكلة بداخلها.

والمواطنة هي ثقافة، والحرية حق، والاحترام واجب، والاختلاف فطرة، والتقبل ضرورة، وعندما يلتزم الجميع بهذا العقد الاجتماعي تتنظم الحياة وتجري بمجرياتها الالهية الباعثة على التعايش السلمي والتكامل لا نفي الاخر للاخر، الا ان الاعلام كوسيلة لم يؤدي الدور المناط به لخدمة المجتمع بهذا الجانب، مما شكل سيمياء انعدام الثقة، انها اشكالية الحرية والاستبداد، فرحنا نبحث عن دولة باي مقاسات ممكنة، لان طبيعة الصراع قوض مفهوم المواطنة والوطن.

والاعلام العراقي يعاني انقساما حادا في مستوى التمايز الهوياتي؛ فقد انطمست هوية الولاء للعراقولمعت وبرقت هويات اخرى، وهذا ليس نتاج لظرف طارئ انما من سلسلة سوسيوتاريخية متعاقبة، الا ان الاعلام ساعد وبشكل كبير على اظهاره بصورة ححم بركانية الى السطح.

فالدولة الديمقراطية تلغي التمايز والتغاير والاستعلاء بين افرادها على اساس العرق والدين واللون والطائفة، فتلك تعكس درجة الوعي الفكري والانساني بين افراد الوطن الواحد، اذ تمكن المواطنة قوامها الحقيقي عبر سيرورة الاعتراف والمداومة على التعددية السوسيولوجيا، الا ان يوتيوبا التحولات نحو الديمقراطية بعد عام 2003 في العراق اختزنت احلاما لا يمكن للعراقيين توقعها، وفرسان العملية الانتقالية الى الان لم يتمكنوا من ملئ الفجوة فاخذوا مسارات بعيدة عن اجندة التخطيط والبرمجة وبناء الاسس والقواعد الرصينة لدولة الديمقراطية.

مما سبب بازمة هوية لدى المواطن؛ وبما ان منظومتنا الاعلامية واقعة تحت تأثيرتلك السلطة السياسية والحزبية ودوائر التمويل، كانت ولاتزال شاشة عرض او اخذت دور الحكواتي المتقن لاليات الصراع ونتائجه ومؤثراته، دون الاحتكام الى اسس فلسفة الاعلام او شد وجذب ايجابي نحو تعزيز الانتماء والمواطنة، فبدل ان تقام مشاريع المستقبل على اساس التجربة السابقة وتحليل الحاضر، تفرش الايدولوجيا المنبثقة من منطق الهوية؛ فهي لاتفكر ولاتبدع.

ومما يغفل عنه المتسيدون للموقف الاعلامي هي الخطورة الذي يشغلها الاعلام بين الحكومات والمجتمع، اذ انهم يخضعون لتلك الايدولوجيات المنافية لاسس الاعلام الديمقراطي الحر الذي يمثل اداة بناء؛ فبشعور اولا شعور تحولت تلك الوسائل الى معول للهدم، فاي حريق مهما كان كبيرا اوصغير الاعلام هو الته ووقوده.

واذا ما ارادنا الخروج من تلك الازمة فأننا نصطدم بعقبات اهما عنصري الكفاءة والاسلوب، على حساب العلاقات والمحسوبية، فأنه يتطلب رفعا للاولين والغاء الاخير، وما يثير الاشمئزاز ويزيد من مستوى الاندرالين ويهيج الحساسية المعرفية عند الجمهور ضد وسائل الاعلام العراقية، ان خبرا او حدثا وسط العاصمة بغداد او باحد المحافظات العراقية تجد وسائل اعلامنا تنقله عن وكالات اجنبية مثل رويترز، cnn، BBc.

اذ لازال الاعلام العراقي يحاول ايجاد نتائج بحث العلاقة الجدلية بين اسس الاعلام كعلم وتطبيقاته بالواقع، والتفكك الحاصل بين عناصر الدولة ( الشعب والارض والسيادة) الذي ارسته ماكنة الاعلام مدفوع الثمن؛ لا يخفى على احد ولا يمكن انكاره، فبغض النظر عن الثوابت التي كانت عند الناس قبل عام 2003 والبعض ربما لايزال متمسك بها الا ان مدخلات الاعلام للمجتمع منذ 18 عشر عاما تصب في مزلق تعطيل اواصر المواطنة بين مكوناته، والعراق ربما واحد من تلك البلدان التي تعاني من تسيد صوت المثل القائل فرق تسد.

ومن هذا المنطلق وقبل ان نحاول بناء شباب واعي مثقف يفهم واجباته ومسؤولياته تجاه وطنه، لابد والزاما وفي ظل العولمة من ان نبادر لبناء ماكنة اعلامية على اسس رصينة وتفهم وتطبق المعايير المهنية للعمل المؤسساتي البناء، اذ يشكل الاستلاب الثقافي للاعلام العشوائي والمقلد والمسيس عقبة كوؤد في طريق تعزيز مبادئ المواطنة الحقيقة.

ورغم انفتاح الاعلام العراقي على العالم الا ان مستوى الانتاج لايزال في دائرة الخضوع اللاواعي للاعلام الخارجي والرسائل التي تبقي السلوك بمستوى الجمود والتكلس الفكري والرتابة العقلية، فمتى كان هناك ايمان حقيقي بأدب الاختلاف من قبل اليد المسيطرة على مفاصل الاعلام العراقي سنصل حتما بكل اطمئنان الى بر الائتلاف بالانتماء والمواطنة.

اضف تعليق