مع استمرار تظاهرات أصحاب "السترات الصفراء" في فرنسا، والتي شهدت صدامات مع القوى الأمنية واعمال عنف مختلفة اجبرت حكومة ماكروني على تقديم تنازلات كبيرة، طالبت بعض الشخصيات السياسية في فرنسا وكما نقلت مصادر اعلامية، الرئيس إيمانويل ماكرون بتغيير سياساته الحكومية، بينما نأى آخرون عن وصم التظاهرات بالعنف، بعدما اعتبر وزير الداخلية أنّ "مشاغبين" لبّوا دعوة اليمين المتطرف للتظاهر.

ولم يكترث المتظاهرون للرغبة التي عبّر عنها الرئيس ماكرون، في اقتراح بعض الحلول للخروج من الأزمة، ورفضوا كذلك الأماكن المسبقة التي اقترحتها وزارة الداخلية، وخاصة في ساحات "شان دي مارس" و"الباستيل" و"ناسيون"، مفضلّين جادة "الشانزليزيه" وسط العاصمة، حتى يكونوا قريبين من قصر الإليزيه، ويُسمِعوا ساكنَه أصواتَهم ومطالِبهَم. وكانت زيادة الرسوم على المحروقات قد أجّجت غضب "السترات الصفراء" الذين أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم لارتدائهم سترات مضيئة يتوجب على كل سائق سيارة ارتداؤها عند وقوع حادث سير.

من جانب اخر تزايدت الاتهامات بخصوص تدخل بعض الدول في تأجيج الرأي الفرنسي، حيث راجح البعض فرضية التدخل الروسي في تحرك "السترات الصفراء" في فرنسا من خلال تويتر و فيس بوك. وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن ما يشاع من اتهامات ضد روسيا هي مجرد افتراء قائلا "لم ولن نتدخل في الشؤون الداخلية لدولة خارجية مثل فرنسا".

كارثة اقتصادية

وفي هذا الشأن وقبل حلول عيد الميلاد، تسود فوضى كبيرة شوارع فرنسا بسبب تظاهرات "السترات الصفراء" وتغلق العديد من المحال أبوابها أمام الزبائن، في ما وصفه وزير الاقتصاد بأنه "كارثة". ومع اندلاع العنف في باريس اكتفى ليفيو فورتي السائح الاتي من نيويورك بمشاهدة آليات الشرطة مصطفة في ساحة فاندوم الشهيرة.

وكانت محال المجوهرات في الساحة مغلقة فيما أزيل الالماس وغيره من المجوهرات الثمينة من الواجهات خشية تعرضها للنهب. وكانت الرحلة بمثابة مفاجأة من فورتي لزوجته كارميلا لمناسبة عيد ميلادها التاسع والخمسين، لكن التظاهرات بدلت المشهد تماما. وتقول كارميلا "كل شيء مغلق". وخطط الزوجان للتوجه إلى ساحل النورماندي حيث حارب والد كارميلا في الحرب العالمية الثانية قبل ستة عقود، لكنهما قررا إلغاء رحلتهما بسبب إغلاق المتظاهرين للطرق.

وكان برج إيفل والمتاحف والمتاجر الكبيرة مغلقة، وكان يفترض أن تكون هذه الأماكن مكتظة بالرواد وخصوصا مع قرب حلول أعياد نهاية العام. وأصدرت السفارة الأميركية تحذيرا لمواطنيها في باريس داعية إياهم إلى "تفادي الظهور وتجنب التجمعات"، فيما حضت الحكومات البلجيكية والبرتغالية والتشيكية مواطنيها الذين ينوون التوجه إلى باريس على تأجيل سفرهم.

ونهبت متاجر في العاصمة الفرنسية وحطمت نوافذها فيما احرقت وسيارات في شوارع "مدينة النور". وقال وزير الاقتصاد برونو لومير إنّ العنف المرتبط بتظاهرات حركة "السترات الصفراء" التي تجتاح البلاد يشكل "كارثة" بالنسبة الى اقتصاد فرنسا. وقال لومير للصحافيين لدى زيارته محال تجارية في باريس تعرضت إلى النهب "إنها فترة تنتعش فيها التجارة دوما قبل عيد الميلاد ... هذه كارثة بالنسبة للتجارة وكارثة على اقتصادنا".

وتعهد لومير تقديم مساعدة "مباشرة" للمتاجر التي تعرضت للنهب، فيما يستعد الرئيس إيمانويل ماكرون لتوجيه خطاب للأمة في مسعى لإنهاء أخطر أزمة تواجهها ولايته. ولا يبدي متظاهرو "السترات الصفراء" أي مؤشر الى أنهاء أسابيع من الاحتجاجات على ارتفاع كلفة المعيشة رغم قرار الحكومة تعليق الضريبة على الوقود. ويتهم المحتجون ماكرون بأنّه "رئيس للأغنياء".

من جهته، اورد التجمع الوطني لشبكات الفنادق أنّ حجوزات نهاية العام تراجعت بنسبة 10٪ على الأقل. والشهر الفائت، قدّرت وزارة الاقتصاد أن ايرادات شركات الجملة انخفضت بنسبة 15 بالمئة مقابل 40 بالمئة للشركات الصغيرة. وكتب رئيس اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة فرنسوا أسلين في صحيفة "جورنال دو ديمانش" "كلما كانت الأعمال أصغر، كانت أكثر هشاشة".

وتوقع أسلين أن يبلغ حجم الضرر الإجمالي للأعمال المتوسطة والصغيرة نحو 10 مليارات يورو (11,4 مليار دولار). وطالب الحكومة بتقديم الدعم، والمصارف بتقديم تسهيلات ائتمانية لأصحاب الأعمال مع قبولها التأخير في دفع أقساط القروض مع استمرار الأزمة. وإلى جانب الضريبة التي يتحملها القطاع الخاص، تعرضت الخزينة العامة لضربة كبيرة بفعل التنازلات التي قدمت للمتظاهرين.

وقرر ماكرون تعليق زيادة ضريبة الوقود التي شكلت الشرارة الأولى للتظاهرات من جانب العمال والموظفين الصغار من مالكي السيارات في المدن الصغيرة والريف الفرنسي. وهذا يعني عجزا بقيمة 2 مليار يورو (2,3 مليار دولار) في الموازنة الفرنسية. وإضافة لذلك، قرر ماكرون تقديم حزمة مساعدات للأسر المحدودة الدخل بقيمة 500 مليون يورو في محاولة لتهدئة المتظاهرين. ويسعى ماكرون الى خفض عجز الموازنة الفرنسية إلى 2,8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام، وهو أقل بقليل من الحد الأقصى الذي حدده الاتحاد الاوروبي. بحسب فرانس برس.

لكن أي تنازلات إضافية قد تعرض مالية الحكومة للخطر وخصوصا إذا سجل انخفاض في الاستثمارات نتيجة للتظاهرات. وشدّد الوزير لومير على أن بلاده ستحقق أهدافها الاقتصادية. وقال إنّ "الرئيس حدد مسارا لاحترام التزاماتنا الأوروبية وتقليل إنفاقنا وتقليل ديوننا وتقليل ضرائبنا. هذا المسار سيتم احترامه". من جهتهم، يحصي اصحاب المتاجر المتضررة خسائرهم. ففي الدائرة السابعة عشرة في شمال غرب باريس، يحصي صاحب محل نظارات طبية بحسرة حجم التخريب الذي لحق بمتجره. وكان اصحاب المتاجر توقعوا أن تظل هذه المنطقة البعيدة عن وسط المدينة السياحي في منأى من أعمال الشغب. لكن صاحب المحل قال بضيق "لقد أخذوا (اللصوص) كل شيء. كل شيء".

حسابات إلكترونية مزيفة

من جانب اخر تسعى السلطات الفرنسية إلى تتبع الحسابات الإلكترونية المزيفة التي تقوم بتضخيم حركة "السترات الصفراء" الاحتجاجية على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما أفادت مصادر قريبة من الملف. إذ قال مصدر إن "الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني" هي الهيئة المكلفة بتنسيق عمليات التحقق الجارية. فيما أوضح مصدر آخر قريب من الملف أن الاستخبارات الفرنسية حذرة جدا من وجود تلاعب بالمعلومات، لكن لا يزال من المبكر البت في مسألة صحة معلومات نشرتها صحيفة "التايمز" البريطانية التي أكدت أن مئات الحسابات المزيفة التي تدعمها روسيا تسعى إلى تضخيم ثورة "السترات الصفراء". وتقول المصادر إنها مسألة تتطلب تحقيقات كبيرة ومعقدة.

وقالت الصحيفة البريطانية "ذا تايمز" نقلا عن تحليلات أجرتها شركة "نيو نولدج" للأمن الإلكتروني، إن نحو مئتي حساب على موقع تويتر تنشر صورا ومقاطع فيديو لأشخاص أصابتهم الشرطة بجروح بليغة يُفترض أن يكونوا من متظاهري "السترات الصفراء" في حين تعود هذه المشاهد إلى أحداث لا تمت بصلة إلى المظاهرات الجارية في فرنسا منذ أسابيع. بحسب فرانس برس.

ويذكر أنه وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء تحرّكها، نظمت حركة "السترات الصفراء" يوما جديدا من المظاهرات تخللته أعمال عنف. وتلبية لمطالب هذا التحرك الذي أنشئ على مواقع التواصل الاجتماعي، تخلت الحكومة الفرنسية خصوصا عن رفع الرسوم على المحروقات الذي كان مرتقبا في كانون الثاني/يناير 2019.

ووفقا لصحيفة "تايمز"، فإن نحو مئتي حساب على موقع تويتر، نقلا عن دراسة قامت بها شركة الأمن المعلوماتي "نيو نولدج"، تنشر حوالى 1600 تغريدة يوميا، وصورا ومقاطع فيديو لأشخاص أصابتهم الشرطة بجروح بليغة يُفترض أن يكونوا من متظاهري "السترات الصفراء" في حين تعود هذه المشاهد إلى أحداث لا تمت بصلة إلى المظاهرات.

من جهتها، نقلت "بلومبرغ" أنه من بين 600 حساب على تويتر، استخدم للترويج للأفكار الروسية احتل هاشتاغ "السترات الصفراء" #giletsjaunes الصدارة. في حين أن هذه الحسابات، كانت تكرس عادة لنشر مواضيع أمريكية، ولمدة أسبوع اهتمت بالتعليق على المظاهرات الفرنسية. ويعتبر برات سكافير وهو محلل ورد ذكره في "بلومبرغ"، أن ذلك مؤشر قوي على أن هناك مصلحة ما في تضخيم الاحتجاجات. لذلك، تسهب الصحافة الأمريكية في شرح انبهار وسائل الإعلام الروسية بتحرك "السترات الصفراء".

وفي باريس أيضا، تهتم حكومة إدوار فيليب بشكل خاص بهذه الحسابات التي تدار من الخارج، ولم تعد السلطات الفرنسية تخفي شكوكها حول إمكانية التدخل في الأزمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأكد مصدر لوكالة الأنباء الفرنسية أن "الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني" وهي هيئة تابعة لرئاسة الحكومة، تنسق عمليات التحقق الجارية، وأضاف أن هذا الموضوع يحتاج إلى تحقيقات كثيفة ومعقدة.

وإذا كانت الحكومة الفرنسية تميل إلى التعامل بجدية مع هذا التدخل الروسي المحتمل، فإن بعض المراقبين والمحللين لمواقع التواصل الاجتماعي أكثر تشكيكا. ومن بين هؤلاء، بابتيست روبير الباحث في الأمن المعلوماتي، وقد قدم على حسابه في تويتر @fs0c131y تحليلا مفصلا لتغريدات باللغة الإنكليزية، مستعملا الهاشتاغ الفرنسي "السترات الصفراء"، والهدف من ذلك محاولة فهم إلى أي مدى سعى الناطقون بالإنكليزية إلى أن يصبحوا ناطقين دوليين باسم حركة فرنسية.

ووفق هذا المعيار، تم تحليل 256000 تغريدة منذ، وظهرت "الحسابات الـ 10" الأكثر تأثيرا. في حين "لم يظهر أي حساب من بين العشرة الأوائل بشكل علني أنه روسي" كما قال بابتيست روبير "بدلا من ذلك لاحظت وجود متآمرين من جنسيات مختلفة، بما في ذلك عشاق لترامب". وأول مؤثر في قائمة العشرة الأوائل: كاتي هوبكينز، وهي بريطانية مؤيدة لبريكسيت وموالية لترامب. يقول بابتيست روبير: "لقد نشرت أربع تغريدات فقط حول موضوع السترات الصفراء، وكان لها تأثير كبير في كل مرة". ومن بين المؤثرين الآخرين، هناك مواطن بولندي و"حساب سابق لأحد الموالين لترامب تخصص في نشر الأخبار العاجلة".

أما بالنسبة للدراسات التي تعتمد أطروحة التدخل الروسي، مثل دراسة شركة "نيو نولدج" وهي شركة فتية "لم تقدم بعد دراسة جادة حول هذا الموضوع" كما يقول بابتيست روبير، أو دراسة "التحالف من أجل ضمان الديمقراطية"، فهي تنطلق من نفس النقطة، مراقبة الحسابات التي تصنف على أنها روسية، وتحليل بياناتها ثم الخلاص إلى أن الروس يتدخلون في حركة "السترات الصفراء".

ترامب وفرنسا

الى جانب ذلك قال جان إيف لو دريان وزير الخارجية الفرنسي إنه يتعين على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم التدخل في شؤون فرنسا بعدما انتقد ترامب الحكومة الفرنسية في تغريدتين تعليقا على أحداث العنف في باريس. وقال ترامب”اتفاقية باريس ليست أفضل ما يناسب باريس. الاحتجاجات والشغب في كل أنحاء فرنسا“. وأضاف ”الناس لا يرغبون في دفع كثير من الأموال يذهب معظمها لدول العالم الثالث... من أجل حماية البيئة. إنهم يرددون ’نريد ترامب‘. كم أحبك يا فرنسا“.

وقال لو دريان لتلفزيون (إل.سي.إي) ”مظاهرة السترات الصفراء لم تكن احتجاجا باللغة الإنجليزية على حد علمي“. وأضاف أن الصور التي نُشرت في الولايات المتحدة لأشخاص يهتفون ”نريد ترامب“ جرى التقاطها ضمن زيارة لترامب إلى لندن قبل عدة شهور. وفي تغريدة ثانية قال ترامب”يوم حزين وليلة حزينة للغاية في باريس... ربما حان الوقت لإنهاء اتفاقية باريس السخيفة والمكلفة للغاية وإعادة الأموال إلى الناس على شكل خفض الضرائب“. بحسب رويترز.

ورد وزير الخارجية الفرنسي بأن الحكومة الفرنسية لا تعلق على الشؤون السياسية الأمريكية وأن ذلك هو ما يجب على واشنطن اتباعه. وتابع ”أقول لدونالد ترامب، كما يقول له رئيس الجمهورية أيضا، نحن لا نتدخل في المناقشات الأمريكية. دعنا نعيش حياتنا في بلدنا“. وأضاف أن معظم الأمريكيين لا يوافقون على قرار ترامب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ.

قيد الحبس الاحتياطي

على صعيد متصل قال مدعي عام باريس ريمي هيتس في بيان صحافي إن 900 شخص و100 قاصر وضعوا قيد الحبس الاحتياطي بتهمة تكوين جماعة بهدف ارتكاب أعمال عنف، إثر مظاهرات "السترات الصفراء". وأضاف هيتس أن قوى الأمن التي قامت بتفتيش المواطنين عثرت لدى بعض الأفراد على سكاكين ومطارق وغازات مسيلة للدموع وآلات يمكن أن تستعمل كأسلحة، وهو ما برر وضع هذا العدد قيد الحبس الاحتياطي، بعد وجود قرائن تثبت أنهم كانت لديهم النية للقيام بمخالفات وأعمال عنف.

وحيا المدعي العام لباريس قوى الأمن، الذين "احترموا الإجراءات وحقوق الأشخاص بالرغم من مواجهتهم لنشاط كبير غير مسبوق" حسب قوله. وأشار هيتس أن الموقوفين هم غالبا رجال دون الأربعين من العمر، دون سوابق جنائية، جاؤوا من أنحاء متفرقة من فرنسا، مضيفا أن عددا من الأشخاص جاؤوا خصيصا بهدف النهب والسلب. وقال هيتس إن بعض الموقوفين ينتمون إلى اليمين المتطرف واليسار المتطرف.

ووفقا لهيتس، تم الاستماع إلى 125 شخصا وتم إحالة 120 إلى القضاء أمام محكمة باريس. وبالنظر إلى كثرة عدد الموقوفين، أوضح هيتس أنه تم الاتفاق على نقل المتهمين المقيمين في ضواحي باريس إلى محاكم الضواحي في "نانتير" و"كريتاي" و"بوبيني". أما المقيمين خارج باريس، فأفاد المدعي العام لباريس أنه ستتم إرفاق عقوبة "عدم المجيء إلى باريس" إليهم. بحسب فرانس برس.

وطمأن مدعي عام باريس الضحايا من التجار ومالكي السيارات التي تم حرقها من أن من ارتكب هذه الأفعال ستتم ملاحقتهم وتحديد هوية من لم يتم إيقافه منهم، ومحاسبتهم على ذلك. وشدد هيتس على أن رد الشرطة القضائية كان سريعا ويتسم بالصرامة، وأنه لن يتم تجاهل أي عمل عنف حدث ، قائلا إنه "لا يمكن أن نترك أي شخص يتصور أنه بإمكانه المجيء إلى باريس والقيام بأعمال عنف ثم يعود إلى منزله دون محاسبة أو مسائلة."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0