سياسة - تقارير

هل تنقلب أوروبا على إيران؟

بدأت العديد من دول الاتحاد الأوروبي، الذي عارض قرار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (الذي تم إبرامه عام 2015) وإعادة فرض العقوبات وبحسب بعض المراقبين، تغازل الرئيس الامريكي دونالد ترامب خصوصا بعد ان استثنت الولايات المتحدة الأمريكية 8 دول من الحزمة الجديدة من العقوبات التي فرضتها على إيران، ومنها الصين والهند وتركيا واليابان، بالمقابل لم تستثن دولا أوروبية حليفة لها كالمملكة المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا من هذه العقوبات.

ولا تشمل حزمة العقوبات الجديدة بحسب بعض المصادر صادرات النفط، بل تتعداها لتصل لقطاعات اقتصادية أخرى، زراعية وصناعية وتكنولوجية، وهو ما يطرح تساؤلات حيال السلوك الأمريكي تجاه حلفائها الأوربيين. وعلى الرغم من أن أوروبا لا تشتري كميات كبيرة من النفط الإيراني ليتم إعفاؤها من العقوبات الأمريكية، إلا أن هناك شركات أوروبية لها مصالح وتعاملات تجارية مع إيران، وهو ما دفع بشركات غربية كبرى إلى الخضوع للتهديدات الأمريكية وسحب مشاريعها وأعمالها من إيران.

حيث سعت بعض الدول الاوروبية الى اعتماد مواقف جديدة اكثر تشددا ضد ايران، من اجل تجنب تهديدات الرئيس الأمريكي ضد من ينتهك هذه العقوبات، التي استهدفت أكثر من 700 فرد وكيان وسفن وطائرات على قائمة العقوبات، بما في ذلك البنوك الكبرى، ومصدري النفط وشركات الشحن. وفي تصريحات أدلى بها مؤخراً، أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أن أكثر من مئة شركة عالمية كبرى انسحبت من إيران، بسبب العقوبات الأمريكية، وأن صادرات إيران النفطية انخفضت، بنحو مليون برميل يومياً.

ورغم محاولات طهران، الاستفادة من التناقضات التي تظهر بين الحين والآخر بين واشنطن والدول الأوروبية، إلا أن أي متتبع لمسارات السياسات الأوروبية وبحسب بعض الخبراء، يدرك أن الغرب لن يذهب بعيداً في مسايرة الموقف الإيراني، خاصة في ظل الجدل الذي تثيره المواقف والتحركات الإيرانية في المنطقة، والتي تثير معارضة كبيرة من قبل العديد من القوى الإقليمية في المنطقة.

مواقف جديدة

وفي هذا الشأن سعت الدنمارك الى الحصول على دعم شركائها الأوروبيين لفرض عقوبات على طهران المتهمة بالتحضير "لاعتداء" يستهدف معارضين إيرانيين في البلد الاسكندينافي، متمسكة في الوقت ذاته بالدفاع عن الاتفاق النووي الإيراني. و تتهم الدنمارك إيران بإعداد "اعتداء" ضد ثلاثة إيرانيين يقيمون في الدولة الاسكندنافية، يشتبه في أنهم أعضاء في "حركة النضال العربي من أجل تحرير الأحواز" التي حملتها طهران جزئياً مسؤولية هجوم دامٍ في مدينة الأهواز في جنوب غرب إيران في أيلول/سبتمبر.

وتصاعدت لهجة التصريحات بين كوبنهاغن وطهران منذ الكشف عن المخطط الذي نفت طهران إي دور لها فيه واتهمت "أعداءها" بتدبير مؤامرة ضدها من خلال "تقارير متحيزة" لتقويض علاقاتها بأوروبا. لكن الدنمارك تؤكد من جانبها أنه ليس لديها أي شك في تورط النظام الإيراني. وقال وزير الخارجية الدنماركي أندرس سامويلسن "إنها الحكومة الايرانية، إن الدولة الايرانية تقف وراءه".

وقال رئيس الوزراء لارس لوكي راسموسن على هامش اجتماع قادة أوروبا الشمالية في أوسلو إن حكومته بدأت اتصالات مع الأعضاء السبعة والعشرين الآخرين في الاتحاد الأوروبي "لاتخاذ إجراء مشترك". وفي أول تعليق من المفوضية الأوروبية، قالت المتحدثة باسمها مايا كوسيانيتش للصحافيين "نأسف لأي تهديد لأمن الاتحاد الأوروبي ونتعامل مع كل حادث بجدية بالغة. لذا، نعرب عن تضامننا مع الدولة المعنية، وهي في هذه الحالة الدنمارك".

وذكر مصدر دبلوماسي ان العقوبات المحتملة التي قد تقرر على المستوى الأوروبي ستكون اقتصادية. وأعربت تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا في أوسلو عن تضامن المملكة المتحدة مع كوبنهاغن، لكن شركاء الدنمارك الأوروبيين بدوا متريثين في الرد. وقال رئيس حكومة تصريف الاعمال في السويد ستيفان لوفن "إننا نتابع (الملف) من كثب مع أصدقائنا الدنماركيين وعندما نحصل على مزيد من المعلومات سنقرر بشأن التدابير المحتملة" للرد. وفي السويد، اعتقل في 21 تشرين الأول/أكتوبر النروجي من اصل إيراني الذي يفترض أنه كلف بإعداد هجمات في الدنمارك.

وقالت رئيسة حكومة النروج إرنا سولبرغ "اننا نعمل على رد ملموس. قلنا إننا سنرد"، مشيرة إلى انها تنتظر نتائج تحقيق الشرطة في بلدها غير العضو في الاتحاد الأوروبي. وعبر تويتر، أثنى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على الدنمارك عضو حلف شمال الأطلسي على اعتقال "قاتل تابع للنظام الإيراني".

لكن الأميركيين والأوروبيين منقسمون بشأن سياساتهم حيال إيران. ففي حين انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي الذي وقع مع إيران في صيف 2015 وأعادت فرض عقوباتها الاقتصادية عليها، يؤكد الأوروبيون حرصهم على صيانته. وقد اعلن رئيس وزراء الدنمارك "سنتشاور مع حلفائنا الأوروبيين سعيا للتوصل الى رد موحد". وأضاف "نريد الحفاظ على الاتفاق النووي"، محذرا طهران من أن هذا ليس صكاً على بياض للتستر على "نمط الأنشطة التي شهدناها".

وعبرت بروكسل عن الموقف نفسه على لسان المتحدثة باسم المفوضية التي دعت إلى التمييز بين المسائل المثيرة للخلاف. وقالت كوسيانيتش "يجري بحث القضايا الأخرى المثيرة للقلق، (...) نستمر في تأييد (الاتفاق) طالما احترمت إيران التزاماتها". وأكدت أن الجهود المبذولة لانقاذ الاتفاق النووي لا تعني أن الاتحاد الأوروبي يتغاضى عن مسائل أخرى مثل برنامج إيران البالستي والتدخل في النزاعات الإقليمية. وأضافت "لكننا نؤمن بأن الاتفاق يجب أن يصان لأنه أحد عناصر الأمن في حين ينبغي أن تعالج المسائل الأخرى بشكل جدي للغاية في موازاة ذلك".

واستدعت الدنمارك السفير الإيراني في كوبنهاغن. كما استدعت الدنمارك سفيرها لدى طهران. واستدعت وزارة الخارجية الإيرانية سفير الدنمارك قبل مغادرته. وقال بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية في بيان إن "السفير الدنماركي وصل الى وزارة الخارجية والتقى مسؤولاً كبيراً مكلفاً الشؤون الأوروبية. واضاف "في هذا الاجتماع نفى المسؤول (الإيراني) بشدة التقارير المتحيزة عن إحباط هجوم يستهدف منشقاً إيراني في الدنمارك وكذلك تحميل الجمهورية الاسلامية في ايران مسؤوليته". وقال قاسمي إن المسؤول الإيراني حذر أيضا من "إجراءات مثيرة للجدل ومتسرعة". بحسب فرانس برس.

وفي وقت سابق، قال قاسمي إن الاتهامات الدنماركية هي "استمرار للدسائس التي يحيكها أعداء الخير وتطوير العلاقات بين إيران وأوروبا". وأفادت أجهزة الاستخبارات الدنماركية، أن شخصاً واحداً على الأقل على صلة بالمخابرات الإيرانية، أوقف في 21 تشرين الأول/أكتوبر، كان يخطط لهجوم على ثلاثة أعضاء مفترضين في "حركة النضال العربية لتحرير الأحواز" يقيمون في الدنمارك. واتهمت إيران هذه الحركة بالوقوف وراء هجوم على عرض عسكري أوقع في 22 أيلول/سبتمبر 24 قتيلاً في مدينة الأهواز في محافظة خوزستان الإيرانية ذات الغالبية العربية والقريبة من الحدود مع العراق. ونفذت إيران عدة عمليات في العراق وسوريا ردا على الهجوم.

بلجيكا وفرنسا

من جانب اخر قال الادعاء البلجيكي إنه تم توجيه الاتهام إلى دبلوماسي وثلاثة إيرانيين آخرين بالتخطيط لتفجير اجتماع لجماعة إيرانية معارضة في المنفى في فرنسا في يونيو حزيران. وكان الدبلوماسي، الذي جرى تعريفه باسم أسد الله يعمل في السفارة الإيرانية في فيينا واعتقل في ألمانيا للاشتباه في تخطيطه لهجوم على المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وهو تكتل مقره باريس لجماعات معارضة في المنفى.

وقال المدعي العام البلجيكي إن ألمانيا رحلت الدبلوماسي إلى بلجيكا حيث وُجه الاتهام إليه بالإعداد لتنفيذ هجوم إرهابي. وجرى توجيه الاتهام إلى المشاركين المزعومين الثلاثة الآخرين في بلجيكا أيضا. واعتقلت الشرطة البلجيكية اثنين منهم في يونيو حزيران وبحوزتهما 500 جرام من مادة متفجرة يمكن صنعها منزليا من كيماويات يسهل الحصول عليها، إلى جانب جهاز تفجير.

من جانب اخر قالت مصادر دبلوماسية وأمنية إن فرنسا طردت دبلوماسيا إيرانيا ردا على مؤامرة فاشلة لشن هجوم بقنبلة على مؤتمر قرب باريس نظمته جماعة إيرانية معارضة في المنفى. وقالت وزارة الخارجية الفرنسية في الثاني من أكتوبر تشرين الأول إنه لا شك في أن وزارة الاستخبارات الإيرانية تقف وراء المؤامرة التي استهدفت المؤتمر الذي عقد يوم 30 يونيو حزيران. وتبع ذلك قيام الوزارة بتجميد أرصدة أجهزة المخابرات الإيرانية واثنين من المواطنين الإيرانيين. بحسب رويترز.

وقالت خمسة مصادر إن الوزارة اتخذت خطوة أخرى منذ نحو شهر هي طرد دبلوماسي إيراني. وقال مصدران إن الدبلوماسي المطرود رجل مخابرات كان يعمل تحت غطاء دبلوماسي. ورفض متحدث باسم السفارة الإيرانية التعليق عندما سئل عن طرد الدبلوماسي. وقالت إيران في السابق إنها لا صلة لها بأي مؤامرة على مؤتمر الجماعة المعارضة. ونفى مسؤول إيراني طلب عدم نشر اسمه طرد أي دبلوماسي. وأحال مكتب الرئيس إيمانويل ماكرون الأسئلة عن طرد دبلوماسي إيراني إلى وزارة الخارجية التي رفضت التعليق.

تحذيرات ومحادثات

في السياق ذاته نصحت بريطانيا حاملي الجنسيتين البريطانية والإيرانية من السفر إلى إيران إلا للضرورة القصوى لتشدد تحذيرها القائم من السفر. وحذرت بريطانيا من أنها لا تملك سوى سلطات محدودة لمساعدة مزدوجي الجنسية إذا ألقي القبض عليهم. وقالت متحدثة باسم الخارجية في بيان أرسل بالبريد الإلكتروني ”اتخذ وزير الخارجية (جيريمي هانت) القرار بتحذير حاملي الجنسيتين البريطانية والإيرانية من السفر لإيران إلا للضرورة القصوى“. وأضافت ”يواجه المواطنون البريطانيون الذين يحملون الجنسية الإيرانية أيضا مخاطر إذا سافروا لإيران كما شهدنا للأسف في عدد من الحالات. الحكومة الإيرانية لا تعترف بالجنسية المزدوجة لذا إذا اعتقل شخص مزدوج الجنسية فإن قدرتنا على توفير الدعم ستكون محدودة للغاية“.

من جانب اخر قال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت إنه أجرى محادثات صريحة للغاية مع نظيره الإيراني حول موظفة الإغاثة البريطانية من أصل إيراني المحتجزة نازانين زغاري راتكليف، مضيفا أنه لن يدع الموضوع يهدأ. وقال ”أجريت محادثات صريحة جدا مع وزير الخارجية الإيراني... وأوضحت بشدة أن سياستنا تجاه إيران لم تهدأ وأنه ستكون هناك عواقب إذا واصلوا التفكير في أن هذه أداة للدبلوماسية“.

الى جانب ذلك قال مكتب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في وقت سابق، إنها سعت لحشد التأييد لإطلاق سراح موظفة الإغاثة البريطانية من أصل إيراني المحتجزة نازانين زغاري راتكليف خلال اجتماع مع الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وأضاف المكتب في بيان ”أثارت قضايانا القنصلية في إيران ومنها قضية نازانين زغاري راتكليف قبل أن تبدي قلقها الشديد إزاء استمرار اعتقال السيدة زغاري راتكليف ودعت لإطلاق سراحها“. بحسب رويترز.

وتسعى بريطانيا للإفراج عن زغاري راتكليف، وهي مديرة مشروع في مؤسسة تومسون رويترز، بعد أن ألقي القبض عليها في أبريل نيسان 2016 في مطار بالعاصمة طهران عندما كانت في طريق عودتها إلى بريطانيا مع ابنتها بعد زيارة عائلية. وحكم عليها بالسجن خمس سنوات بعد إدانتها بالتآمر للإطاحة بالمؤسسة الدينية في إيران، وهي تهمة نفتها عائلتها والمؤسسة، وهي منظمة خيرية تعمل بشكل مستقل عن تومسون رويترز ووكالة رويترز للأنباء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0