سياسة - تقارير

عندما هزمت ملكة أوروبا!

تواجه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وائتلافها الحاكم تحديات كبيرة، تفاقمت بعد خسارة "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، وشريكه في الائتلاف الحاكم في برلين "الحزب الاشتراكي الديمقراطي"، الانتخابات المحلية الاخيرة، وتشكل هذه الخسارة المزدوجة للحزبين الحاكمين على المستوى الفدرالي وكما نقلت بعض المصادر، خبرا سيئا بالنسبة إلى المستشارة في وقت يُعتبر موقعها السياسي هشا ضعيفا، إذ إنها الانتخابات المحلية الثانية التي تخيب آمال المعسكر المحافظ الألماني، بعد انتخابات في مقاطعة بافاريا التي خسر فيها الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها منذ عقود. وقد يؤدي هذا الوضع إلى تأجيج النقاش القائم في صلب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" حول مصير ميركل. فلم تتوقف شعبية المستشارة عن التراجع منذ اتخاذها قرار فتح حدود البلاد أمام أكثر من مليون طالب لجوء عامي 2015 و2016، فيما تتوالى نجاحات اليمين المتطرف مستغلاً المخاوف التي يثيرها المهاجرون لدى الرأي العام.

وسجل حزب "البديل لألمانيا" نتيجة ثلاثة مرات أكثر من النتيجة السابقة في هيسن مع 12,5% تقريبا وسيدخل إلى البرلمان الإقليمي، وهو المجلس الأخير في ألمانيا الذي لم يكن اليمين المتطرف ممثلا فيه. من جهته، سجل حزب الخضر بزعامة طارق الوزير، أول مسؤول سياسي كبير من أصل عربي، نتيجة قريبة جدا من النتيجة التي حققها "الاشتراكي الديمقراطي". وقد ضاعف الخضر النسبة التي حصل عليها عام 2013 الى 20% تقريبا.

وصرحت زعيمة "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" أندريا نالس أن "وضع الحكومة غير مقبول" في إشارة إلى الخلافات المستمرة التي تقوّض التحالف خصوصا بشأن المسائل المتعلقة بسياسة الهجرة. وبذلك، يعطي هذا الحزب ائتلاف ميركل مهلة: فخروجه من الحكومة يعني نهاية الحكومة وقد يعني نهاية مسيرة ميركل السياسية. هذه التحديات اجبرت ميركل على اتخاذ قرارات جديدة بخصوص مستقبلها السياسي خصوصا وان البعض يرى انها ساعدت في صعود اليمين المتطرف بعد اتخاذها للعديد من القرارات غير المدروسة ومنها قرار فتح أبواب المانيا أمام أكثر من مليون لاجئ. وقد ألمحت المستشارة نفسها التي تتزعم الاتحاد المسيحي الديموقراطي منذ أكثر من 18 عاما، إلى نهاية حياتها السياسية، معتبرة أن "جميع الذين أرادوا في الماضي ترتيب خلافتهم بأنفسهم فشلوا". من جهة أخرى، تواجه المسؤولة البالغة من العمر 64 عاما خطرا آخر في حال ضعف موقع شريكها الاشتراكي الديموقراطي في الحكومة الفدرالية.

رئاسة الحزب

وفي هذا الشأن قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها لن تسعى لإعادة انتخابها رئيسة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني وإن فترة ولايتها الرابعة كمستشارة للبلاد ستكون الأخيرة، في تمهيد لنهاية حقبة استمرت 13 عاما وهيمنت فيها على السياسة الأوروبية. وتابعت ”ثانيا هذه الولاية الرابعة هي الأخيرة في منصب المستشار الألماني. في الانتخابات الاتحادية لن أترشح مجددا لمنصب المستشارية في 2021 ولن أترشح للبوندستاج... لن أسعى لأي مناصب سياسية أخرى“. في إشارة للبرلمان الألماني.

وتتولى ميركل (64 عاما) رئاسة الحزب منذ عام 2000 وتتولى منصب المستشارة منذ 2005. وجاء قرارها بالتخلي عن رئاسة الحزب بعد أن تعرض حزبها لانتكاسة انتخابية ثانية في اسبوعين. وأعلنت ميركل ذلك في اليوم التالي على الانتخابات التي شهدتها ولاية هيسه، في كلمة ألقتها بمناسبة ذكرى مرور 20 عاما على تأسيس لجنة الثقافة والإعلام التابعة للحكومة الاتحادية الألمانية.

وتبدأ هذه الخطوة عملية داخل الحزب للاتفاق على خليفة لميركل. وتسببت في تراجع سعر اليورو لفترة وجيزة وارتفاع عائدات السندات الحكومية. ومن شأن التخلي عن رئاسة الحزب تقويض سلطات ميركل بدرجة أكبر والتي تضررت بالفعل هذا العام بانتكاستين انتخابيتين وفقد حليف مقرب لدوره كزعيم لتكتلها البرلماني المحافظ. ولعبت ميركل دورا مؤثرا على الساحة الأوروبية منذ عام 2005 فساعدت في توجيه الاتحاد الأوروبي وقت أزمة منطقة اليورو وفتحت أبواب ألمانيا أمام المهاجرين الفارين من الحروب في الشرق الأوسط في 2015 في خطوة لا تزال تسبب انقساما في الاتحاد وألمانيا على حد سواء. بحسب رويترز.

وقد يحد ضعف ميركل في الداخل من قدرتها على القيادة على مستوى الاتحاد الأوروبي في وقت يتعامل فيه التكتل مع خروج بريطانيا وأزمة تتعلق بالميزانية في إيطاليا واحتمالات تحقيق أحزاب شعبوية مكاسب في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو أيار المقبل. وسيمكن تخلي ميركل عن رئاسة الحزب خليفها أو خليفتها في المنصب من اكتساب شعبية قبل الانتخابات الوطنية التالية المقررة عام 2021. والأكثر ترجيحا لتولي المنصب خلفا لميركل هي الأمينة العامة للحزب انجريت كرامب-كارينباور.

الى جانب ذلك أشاد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بقرار المستشارة الالمانية انغيلا ميركل "الجدير بالاحترام" بعدم الترشح لمنصب المستشارة عام 2021. وصرح ماكرون في مؤتمر صحافي بعد محادثات مع رئيس الوزراء الاثيوبي ابيي أحمد أن ميركل "لم تنس مطلقا القيم الأوروبية، وتقود بلادها بشجاعة عظيمة". وأضاف "هذا هو ما أقوله بشأن هذا الخيار وهذا الإعلان الجدير بكل الاحترام".

إلا أنه قال أن إعلان ميركل ياتي على خلفية تزايد الدعم لحزب "البديل لألمانيا" اليميني المتطرف، وهو أمر "غير مطمئن". وصرح للصحافيين "أرى هذا كظاهرة أوروبية، وليس ألمانية فقط". وتابع "أذكركم بأن اليمين المتطرف يبذل ما بوسعه في فرنسا ... لذا، فان هذا ليس جديدا... يقلقني، لكنه يحفزني كذلك". وقال ماكرون إنه "اذا كان اليمين المتطرف في صعود فإن ذلك لأن الأحزاب الأخرى لا تتمكن من الرد بالشكل الملائم على غضب ومخاوف الناس". ودعا إلى "رد ديموقراطي ذي مصداقية" على مثل هذا الغضب، وإلى الحرب على "جميع اشكال الديماغوجية والكذب".

شركاء ميركل

على صعيد متصل أمهل شريكان في الائتلاف الحاكم في ألمانيا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عاما واحدا لتحقيق نتائج سياسية أفضل وهددا بالانسحاب من الحكومة في حالة عدم حدوث تقدم، وذلك بعدما مُني الحزبان بخسائر في انتخابات محلية. وأظهرت نتائج استطلاع رأي للناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع، والتي أذاعها تلفزيون (إيه.آر.دي)، أنه رغم تصدر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي تتزعمه ميركل على مستوى ألمانيا إلا أنه نال 28 في المئة فقط من الأصوات في ولاية هيسه مما يشكل تراجعا كبيرا لشعبية الحزب الذي حصل في الانتخابات السابقة بالولاية عام 2013 على 38.3 في المئة من الأصوات.

وكانت نتائج الحزب الديمقراطي الاشتراكي المنتمي ليسار الوسط أسوا من ذلك إذ حصل على 20 في المئة من الأصوات بعد أن كان حصل على 30.7 في المئة عام 2013. وهذه أسوأ نتيجة للحزب في الولاية الواقعة بغرب ألمانيا منذ عام 1946. وحل حزب الخضر في المركز الثالث بمعدل 19.5 في المئة من الأصوات. وقالت أندريا ناليس زعيمة الحزب الديمقراطي الاشتراكي إنها ستستخدم خارطة طريق لقياس تقدم الائتلاف الحاكم، الذي يعاني من صراعات داخلية.

وأضافت للصحفيين ”يمكننا حينئذ قياس تطبيق خارطة الطريق تلك لدى مراجعة منتصف المدة المتفق عليها. وسيكون بإمكاننا أن نرى بوضوح ما إذا كانت هذه الحكومة هي المكان الصحيح بالنسبة لنا... حالة الحكومة غير مقبولة“. وكانت رسالتها واضحة في أن الحزب الديمقراطي الاشتراكي بحاجة إلى أن يكون قادرا على إظهار نتائج ملموسة أمام مؤيديه العام المقبل وإلا سينسحب زعماء الحزب من الائتلاف مع ميركل.

وقال فولكر بوفير وهو رئيس وزراء ولاية هيسه المنتمي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحليف ميركل إن حزبه حقق هدف قيادة الحكومة المقبلة في الولاية لكنه أضاف ”نشعر بالألم بسبب الخسائر“. وقال ”الرسالة إلى الأحزاب الحاكمة في برلين هي: الناس ترغب في تخفيف النزاعات وزيادة التركيز على المسائل المهمة“. وتعني هذه النتائج أن حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والخضر ربما يستمر ائتلافهما الحاكم في هيسه لكن سيتصاعد التوتر داخل ”الائتلاف الأكبر“ بزعامة ميركل في برلين. بحسب رويترز.

وكان حزب البديل من أجل ألمانيا هو ثاني أكبر فائز إذ حصل على 12 في المئة من الأصوات بحسب استطلاع تلفزيون (إيه.آر.دي). وكادت حكومة ميركل الرابعة، وربما الأخيرة، أن تنهار مرتين من قبل لكن ضعف أداء الحزب الديمقراطي الاشتراكي في هيسه سيشعل بالتأكيد الجدل داخل الحزب حول إمكانية انسحابه من الائتلاف. كما أظهر الاستطلاع أن 13 في المئة فقط من الناخبين المنتمين لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي عبروا عن اعتقادهم بأن ميركل ساعدت الحزب في هيسه في تراجع من معدل بلغ 70 في المئة في الانتخابات السابقة بالولاية.

استعادة الثقة

من جانبها تعهدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل "استعادة ثقة" الناخبين بعد فشل انتخابي كبير في مقاطعة بافاريا نسب الى خلافات تعصف بائتلافها الثلاثي الحاكم. وإذ استعادت سنة مضطربة منذ انتخابات 2017 شهدت محادثات شاقة لتشكيل حكومة ائتلافية أعقبها خلافات داخلية حادة بشأن الهجرة، أقرت بأن "الكثير من الثقة قد فقدت". والعبرة التي خرجت بها من انتخابات في بافاريا حيث مني شريكاها في الائتلاف، الاتحاد المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديموقراطي بهزيمتين كبيرتين، مفاده "أنا كوني المستشارة يجب أن أبذل مزيدا من الجهد لضمان أن تكون هذه الثقة موجودة". وقالت إن حزبها الاتحاد المسيحي الديموقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعي "يمكن أن ينتظر منهما العمل بشكل متكاتف" في إشارة إلى خلافها العميق مع وزير الداخلية المتشدد هورست سيهوفر من الاتحاد المسيحي الاجتماعي.

وتحاول المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إعادة تجميع تحالفها الحكومي الهش بعد هزيمة انتخابية. والأمر الأكثر إلحاحا بالنسبة لميركل هو منع الاشتراكيين الديموقراطيين الذين يبدون على وشك التفكك، من مغادرة التحالف الحكومي. وسيعني سيناريو كهذا نهاية الحكومة وانتخابات تشريعية مبكرة ونهاية الحياة المهنية لميركل على الأرجح.

وكتبت صحيفة "سودويتشه تسايتونغ" في افتتاحية أن "الوضع خطير بالنسبة لميركل. السؤال يتعلق بمعرفة ما إذا كان علينا أن نضع قريبا على تحالفها عبارة: قيد التصفية". ويطالب عدد متزايد من الناشطين الاشتراكيين الديموقراطيين بالانتقال إلى المعارضة خوفا من زوال حزبهم. ويشهد هذا الحزب تراجعا سريعا في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني وبات اليمين المتطرف يتقدم عليه (16 بالمئة مقابل 15 بالمئة). لكن ميركل سيكون عليها في الأيام والأسابيع المقبلة العمل على رص صفوف معسكرها المحافظ حيث يتصاعد الاستياء منها. بحسب رويترز.

ومع أنه يعتبر مقربا من ميركل، قال رئيس الاتحاد الديموقراطي المسيحي في هيسه فولكر بوفييه، إن النتيجة الهزيلة التي سجلت في مقاطعته تشكل "جرس إنذار" للحركة "ولرئيستنا أيضا". ورأت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" أن أنغيلا ميركل "سترتكب خطأ فادحا" إذا تمسكت بمنصبها "نظرا لوضعها". وأضافت انه "عليها أن تثبت أنها فهمت ما يعرفه الجميع وهو أن نهاية ولاية المستشارة تقترب".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0