قضية طرود مفخخة التي تم ارسالها إلى عدد من قادة ومشرعي الحزب الديمقراطي الأميركي وشبكة "سي أن أن" وباقي خصوم الرئيس الامريكي دونالد ترامب، ماتزال من اهم القضايا على الساحة السياسية الأمريكية، خصوصا وانها تاتي في وقت مهم وحساس يسبق عملية انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، حيث يرى بعض المراقبين انها محاولات لارباك المشهد السياسى من اجل تحقيق مكاسب انتخابية، والتاريخ الأمريكى بحسب بعض المصادر، يذكر الكيفية التى تمكن بها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون من تغيير ميزان القوى السياسية لصالح الجمهوريين، بعد أن كان كل التوقعات تصب فى صالح المرشح الديمقراطى آنذاك جورج ماكغفورن، عبر التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطى، وهو ما نجح فى تحقيقه فى البداية بالفوز فى انتخابات الرئاسة فى عام 1972، قبل أن ينكشف الأمر بعد ذلك بأقل من عامين لينتهى الأمر باستقالته، على إثر فضيحة مدوية سجلها التاريخ باسم فضيحة "وترجيت".

وقضية الطرود المفخخة، وما تبعها من اتهامات من قبل أنصار الحزب الديمقراطى للرئيس الأمريكى بتحمل المسؤولية بتبنى خطابا تحريضيا ضدهم، ربما يعيد إلى الأذهان تلك القنبلة السياسية التى أطاحت بأحلام وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلارى كلينتون فى الفوز بمقعد الرئيس فى الولايات المتحدة، قبل عامين، عندما أعلن إعادة فتح التحقيقات فيما يتعلق بقضية قيامها باستخدام خادم خاص فى إرسال رسائلها الإليكترونية المتعلقة بالعمل فى وزارة الخارجية، وهو الإعلان الذى اعتبره الكثير من المتابعين بمثابة الضربة القاصمة للسيدة التى كانت قاب قوسين أو أدنى لتكون أول إمرأة تصل إلى قمة السلطة فى واشنطن.

زعمت تقارير إعلامية ومراقبون، أن ترامب قد يكون لديه دور في عملية الطرود المشبوهة أو استغلالها من أجل إحداث حالة من الفزع الأمني للحصول على أصوات الناخبين في انتخابات الكونجرس الأمريكي، والتي تعد أشرس انتخابات للكونجرس في العقد الأخير، لصالح الحزب الجمهوري. فقد قال ترامب، في وقت سابق: إن أمن وسلامة المواطنين لهما أولوية لديه، وإن الولايات المتحدة لن تخضع للتهديدات السياسية، لكنه عاد اليوم وهاجم وسائل الإعلام.

وكتب ترامب -عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعى "تويتر"- "جانب كبير جدا من الغضب الذي نراه اليوم في مجتمعنا يرجع إلى تقارير مغلوطة عمدا وغير دقيقة على وسائل الإعلام الرئيسية، أشير إليها بالأنباء الكاذبة". واعتبر مراقبون، أن ترامب يسعى من خلال "الطرود الانتخابية" إلى التأكيد على الدور الأمني، والحصول على أصوات الناخب الأمريكي بتقديم صورة قوية عن نجاح السلطات الأمنية الأمريكية في مواجهة حرب الطرود التي أطلت على الشارع الأمريكي فجأة وبدون مقدمات. ويرى معارضو ترامب، أن الطرود نتيجة فعلية تعكس خطاب الكراهية الذي يبثه ضد معارضيه، وآخرها الذي اتهم فيه ترامب الديمقراطيين بالتشجيع على أساليب "العصابات".

من ناحية أخرى هناك بعض المراقبين يعتقدون أن" الطرود المشبوهة" هي خطة للحزب الديقراطي للحصول على أصوات الناخبين، عبر وجود استهداف مجهول له، وفي محاولة لتدارك التقدم الكبير للحزب الجمهوري في استطلاعات الرأي الأمريكية، مع النجاحات الداخلية التي حققها ترامب وتراجع معدلات البطالة ومواجهة الهجرة. وكشفت تصريحات عضو الحزب الديمقراطي ورئيس بلدية نيويورك "بيل دي بلازيو"، أمر الطرود بأنه "عمل إرهابي.. شخص ما يحاول الترهيب وإسكات الأصوات في البلاد مستخدمًا العنف". وهو ما اعتبره مراقبون لعبة ذكية من الديمقراطيين باستغلال الطرود من أجل كسب تعاطف الناخبين، في ظل القاعدة الشعبية الكبيرة للحزب الجمهوري وترامب. ويسعى الديمقراطيون لانتزاع السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو المجلسين من الجمهوريين، وحرمان ترامب من الأغلبية التي يتمتع بها حزبه في المجلسين.

إحراز نقاط سياسية

وفي هذا الشأن اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسائل الإعلام باستخدام تصرفات رجل يشتبه في أنه أرسل 14 طردا ناسفا على الأقل لمنتقدين للرئيس لإحراز نقاط سياسية ضده. وقال ترامب لتجمع سياسي في شارلوت بولاية نورث كارولاينا ”رأينا جهدا لوسائل الإعلام في الساعات الأخيرة لاستخدام الأعمال الشريرة لشخص واحد لإحراز نقاط سياسية ضدي وضد الحزب الجمهوري“.

وصرح ترامب من البيت الأبيض "أريد أن أشيد بالإف بي آي والجهاز الاستخباراتي ووزارة العدل (...) وكل قوات النظام في جميع أنحاء البلاد" معتبراً أن البحث عن المشتبه به في هذه القضية هو مثل "البحث عن إبرة في كومة قش". وتابع الرئيس الأمريكي "هذه الأفعال شنيعة وليس لها مكان في بلدنا". وتابع "لا يمكن أن نسمح للعنف السياسي أن يتجذّر في أمريكا (...) علينا أن نظهر للعالم أننا موحدون".

وندد ترامب في وقت سابق بتأثير هذه القضية على المرشحين الجمهوريين. فقال إن "الجمهوريين لديهم أرقام تصويت جيدة بشكل استباقي وفي استطلاعات الرأي، والآن قصة القنبلة هذه تأتي فتتباطأ الديناميكية". وأضاف "ما يحصل مؤسف جدا. يا جمهوريين، اذهبوا صوتوا!". واعتبر حاكم ولاية نيويورك الديمقراطي أندرو كومو أن رد فعل ترامب "غير مناسب على الإطلاق". وقال عبر "سي إن إن"، "أعتقد أن الرئيس لم يدرك بعد أهمية الرئاسة وأهمية منصبه".

ويتبادل مؤيدو ترامب ومعارضوه الاتهامات بتأجيج الأجواء المسمومة في البلاد مع اقتراب الانتخابات التشريعية. وبعدما دعا الأمريكيين إلى الاتحاد إثر تأكيد وجود قنابل يدوية الصنع، استأنف ترامب هجماته على وسائل الإعلام. وكتب على تويتر أن "جزءا كبيرا جدا من الغضب الذي نراه اليوم في مجتمعنا ناجم عن التقارير الكاذبة وغير الدقيقة في وسائل الإعلام السائدة التي أشير إليها بأنها أخبار كاذبة". وأضاف أن "الأمر بات سيئا للغاية وبغيضا لدرجة لا يمكن وصفها".

وفي وقت سابق سارع ديمقراطيون بارزون إلى اتهام ترامب نفسه بإذكاء احتمالات العنف السياسي باللجوء مرارا إلى خطاب شديد التحزب وتوجيه انتقادات لاذعة. وقال ترامب في تجمع سياسي في ويسكونسن إن حكومته ستحقق في الأمر بكل جدية. وأضاف ”أي أفعال أو تهديدات بعنف سياسي تعد هجوما على ديمقراطيتنا نفسها... نريد أن تتحد كل الأطراف في سلام وتناغم“. ويأتي إرسال الطرود في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي تجرى في السادس من نوفمبر تشرين الثاني وستحسم إن كان بمقدور الديمقراطيين انتزاع السيطرة على أحد مجلسي الكونجرس أو المجلسين من الجمهوريين وحرمان ترامب من الأغلبية التي يتمتع بها حزبه في المجلسين. ووصف عدد من السياسيين، بينهم رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل ورئيس بلدية نيويورك بيل دي بلازيو، الأمر بأنه عمل إرهابي. وقال دي بلازيو ”شخص ما يحاول الترهيب واسكات الأصوات في البلاد مستخدما العنف“.

طرد جديد

الى جانب ذلك أعلن رئيس "سي إن أن" جيف زوكر ضبط طرد جديد مثر للشبهات مرسل الى الشبكة الإخبارية في مكتب بريد في ولاية اتلانتا. وفي حال ثبت وجود متفجرات فيه، فسيكون بذلك الطرد المفخخ الـ15 الذي يتم ارساله الى شخصيات بارزة من الحزب الديموقراطي ومنتقدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب والثالث لـ"سي إن إن". ويشتبه بارسال أحد أنصار ترامب في فلوريدا هذه الطرود المفخخة.

وقال زوكر في بيان "تم هذا الصباح ضبط طرد آخر مثير للشبهات مرسل الى سي إن إن في مكتب بريد في اتلانتا". وأكد في رسالة موجهة للموظفين نشرها كذلك على "تويتر" "لا وجود لخطر وشيك على مركز سي إن إن". ومنذ ايام تم فحص جميع الرسائل والطرود البريدية المرسلة إلى "سي إن إن" في موقع خارج مقر الشبكة، بحسب زوكر الذي أوضح أنه "لذا، ما كان ليتم إيصال هذا الطرد مباشرة إلى مركز سي إن إن حتى ولو لم يتم اعتراضه قبل".

وسيتم توجيه اتهامات لسيزار سايوك (56 عاما) الذي تم اعتقاله في وقت سابق بإرسال 13 قنبلة يدوية الصنع بينما حذرت السلطات من وجود مزيد من العبوات المفخخة في طريقها إلى الجهات المستهدفة. وتم التعريف عن سايوك على أنه شخص مناصر بشدة لترامب حيث أفاد معارفه أنه يحمل أفكاراً متشددة ويعيش في حافلة صغيرة مغطاة بملصقات مؤيدة لترامب ومناهضة لليبرالية. بحسب فرانس برس.

وبين الشخصيات التي استهدفتها الطرود المفخخة الرئيس السابق باراك أوباما ومنافسة ترامب الديموقراطية في انتخابات 2016 الرئاسية هيلاري كلينتون. واستهدفت الطرود كذلك نائب الرئيس السابق جو بايدن والملياردير جورج سوروس ومدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق جون برينان والمدير السابق للاستخبارات الوطنية جميس كلابر ووزير العدل السابق ايريك هولدر والعضو في الكونغرس ماكسين ووترز وعضوي مجلس الشيوخ كوري بوكر وكامالا هاريس إضافة إلى الملياردير توم ستيير.

مرسل الطرود المفخخة

من جانب اخر مثل رجل يشتبه بإرساله طرودا مفخخة إلى أعضاء بارزين في الحزب الديموقراطي ومنتقدين للرئيس دونالد ترامب أمام محكمة ميامي الفدرالية التي تنظر في تسليمه لسلطات نيويورك. ومثل سيزار سايوك (56 عاما) أمام القاضي إدوين توريس، عقب اعتقاله على خلفية إرسال 15 طردا مفخخاً على الاقل لم ينفجر أي منها. ولم ينطق سايوك بالكثير في الجلسة المقتضبة وتمتم "أحبك" لأحد الحضور.

وحدد القاضي جلسة جديدة لاتخاذ قرار بشأن منحه الإفراج المشروط والنظر في نقله المحتمل إلى نيويورك. وطلب محامي الدفاع احترام قرينة البراءة لموكله. واستخدم سايوك حق الامتناع عن الكلام. وسايوك من أشد مناصري ترامب، ويقول معارفه إن لديه آراء متطرفة ويقيم في شاحنة مغطاة بملصقات مؤيدة لترامب ومعادية لليبرالية.

وتعكس القضية عمق الانقسامات في أحد أكثر الحملات الانتخابية حدة منذ عقود قبل تصويت للتجديد النصفي للكونجرس. واعتقل أفراد من أجهزة الأمن الاتحادية سيزار سايوك (56 عاما) خارج متجر لقطع غيار السيارات في بلانتيشن قرب ميامي. ويعمل سايوك بدوام جزئي كعامل لتوصيل البيتزا للمنازل وهدد من قبل بتفجير شركة للكهرباء بسبب خلاف على الفاتورة. وتحفظت السلطات أيضا على سيارة فان بيضاء اللون يمتلكها المشتبه به وعليها ملصقات مؤيدة لترامب وشعارات مناهضة لمحطة سي.إن.إن وملصقات تحمل صور شخصيات تنتمي للحزب الديمقراطي وعليها ما يشير إلى التصويب بالرصاص.

وقال مدير مكتب التحقيقات الاتحادي (إف.بي.آي) كريستوفر راي في مؤتمر صحفي إن بصمات وأثار حمض نووي ساهمت في التعرف على هوية المشتبه به ولم يستبعد وجود المزيد من الطرود في طريقها لوجهات أخرى. ووجهت لسايوك خمسة اتهامات تشمل إرسال متفجرات بالبريد وتهديد رئيس سابق والقيام باتصالات تنطوي على تهديد عبر الولايات والتعدي على ضباط اتحاديين.

ويقول مسؤولون إن المشتبه به يواجه عقوبة محتملة بالسجن لمدة تصل إلى 48 عاما إذا أدين. وقال مصدر في جهاز اتحادي لإنفاذ القانون إن السلطات تحقق في ضلوع أفراد آخرين في المخطط ولم تستبعد القيام باعتقالات أخرى. وجاء اعتقال سايوك بعد ملاحقة أمنية استمرت أربعة أيام بعد اكتشاف قنابل داخل طرود موجهة لشخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي من بينها الرئيس السابق باراك أوباما وهيلاري كلينتون السيدة الأولى السابقة ووزيرة الخارجية السابقة التي تغلب عليها ترامب في الانتخابات الرئاسية في 2016. بحسب رويترز.

وقال راي إن المحققين لم يعرفوا بعد إن كانت تلك القنابل معدة للتفجير. وتم إرسال كل الطرود عبر البريد واعترضتها السلطات قبل وصولها لوجهاتها ولم ينفجر أي منها. وجميع من أرسلت إليهم الطرود الملغومة تعرضوا لانتقادات شديدة من جانب يمينيين أمريكيين. وقال منتقدون لترامب إن لهجته الحادة ضد الديمقراطيين ووسائل الإعلام خلقت أجواء مشحونة يخيم عليها العنف السياسي فيما اتهم مؤيدو ترامب الديمقراطيين بإلقاء اللوم زورا على الرئيس كما اتهم ترامب وسائل الإعلام باستخدام التغطية الصحفية للتحقيق في القضية من أجل إحراز نقاط سياسية ضده.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0