بعد التطورات المهمة التي شهدتها الحرب في سوريا وانجازات العسكرية الكبيرة التي تحققت ضد تنظيم داعش الارهابي، باتت الأنظار تتجه اليوم وكما نقلت بعض المصادر الى مستقبل قوات سوريا الديمقراطية اهم حليف للولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب، والتي استطاعت تحقيق مكاسب مهمة في الفترة السابقة، فبعد الهجوم الذي شنته تركيا على جيب كردي هادئ نسبيا في شمال سوريا، يخشى الأكراد تخلي العالم عنهم بعد أن كانوا رأس حربة القوات البرية التي هزمت تنظيم داعش. وعلى مدى ايام دخلت القوات التركية ومقاتلون سوريون متحالفون بعض المناطق الكردية التي تدافع عنها وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من واشنطن.

ورغم دعوات مسؤولين أميركيين بدءا من الرئيس دونالد ترامب إلى ضبط النفس، لا يبدو أن لدى واشنطن نفوذاً يذكر على شريكتها في حلف شمال الأطلسي عندما يتعلق الأمر بمعركتها ضد الأكراد. والآن، يخشى الأكراد الذين بات المثل السائر لديهم "لا أصدقاء لنا سوى الجبال" من تحولهم إلى ضحايا منسيين في وقت تسعى تركيا وروسيا والولايات المتحدة لزيادة نفوذها.

وذلك رغم تشكيل الأكراد عصب قوات سوريا الديموقراطية المدعومة أميركيا والتي أهدت ترامب أول انتصار عسكري له بسقوط الرقة، عاصمة تنظيم داعش، وترى تركيا في المناطق التي يديرها الأكراد في شمال سوريا ممرا لإمداد "الإرهابيين" وقاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني المحظور الذي يشن تمردا منذ ثلاثة عقود في جنوب شرق تركيا والمدرج على لائحة الإرهاب لدى أنقرة وحلفائها الغربيين.

ويرى بعض المراقبين ان اكراد سوريا قد سعوا اليوم الى اعتماد خطط جديدة ، ومنها التعاون مع الحكومة السورية التي استطاعت وبدعم روسي مباشر من تحقيق مكاسب مهمة، خصوصا مع وجود رغبة حكومية لتسوية هذا الملف من خلال تقديم تنازلات متبادلة، حيث قال مجلس سوريا الديمقراطية الذي يقوده الأكراد في بيان إنه اتفق مع الحكومة السورية خلال اجتماع على "تشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولا إلى وضع نهاية للعنف والحرب".

وأضاف المجلس، وهو الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، أن اللجان ستقوم أيضا "برسم خارطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لامركزية". وتشير المحادثات التي جرت في دمشق إلى تحركات تقودها السلطات الكردية، التي تسيطر على منطقة في سوريا شرقي الفرات، للتوصل لاتفاق مع الرئيس بشار الأسد يحفظ للأكراد حكمهم الذاتي. وجاء في بيان المجلس أن الاجتماع عقد بدعوة من الحكومة السورية. وبدعم من روسيا وإيران، واستعاد الأسد السيطرة في الآونة الأخيرة على معظم المناطق التي كانت خاضعة للمعارضة بعد سبع سنوات من الصراع وتعهد باستعادة "كل شبر" من سوريا. ووصف أيضا الإدارة الكردية في شمال شرق البلاد بأنها "هياكل مؤقتة". ويشعر الأكراد السوريون بالقلق على نحو متزايد من الولايات المتحدة ويتوخون الحذر بعد تصريحات متضاربة بشأن الخطط الأمريكية في سوريا.

محادثات جديدة

وفي هذا الشأن يحاول أكراد سوريا إقامة روابط مع دمشق فيما يسعون لحماية المكاسب التي حققوها خلال سبعة أعوام من الحرب في ظل قلقهم من حليفتهم الولايات المتحدة التي لا يمكن التنبؤ بما قد تفعل. وعلى أثر ذلك يبدو الأكراد أكثر استعدادا من ذي قبل للتفاوض مع الرئيس بشار الأسد. وبرزت الجماعات الكردية الرئيسية ضمن الفائزين القلائل في الصراع السوري، إذ أقامت لنفسها حكما ذاتيا على مناطق واسعة من شمال سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.

وتفادت هذه الجماعات إلى حد بعيد الصراع مع الأسد، بل كانت في بعض الأحيان تحارب خصوما مشتركين منهم مقاتلو المعارضة الذين تسحقهم قواته تدريجيا بمساعدة روسيا وإيران. وبدأت محادثات بين أكراد سوريا ودمشق الآن بشأن عودة موظفي الدولة وإصلاح سد الطبقة، أحد من أهم مشروعات البنية الأساسية السورية وأكبر سد في البلاد. وانتزعت قوات سوريا الديمقراطية السيطرة عليه من تنظيم داعش العام الماضي بمساعدة القوة الجوية الأمريكية. ولمح مسؤول كردي كبير إلى أن المقاتلين قد ينضمون إلى أي هجوم في المستقبل ضد مقاتلي المعارضة الذين يسيطرون على محافظة إدلب المتاخمة لتركيا، ويتعاونون بشكل أوسع ضد تركيا التي أرسلت قوات إلى شمال غرب سوريا.

كما أن قرار الأكراد التوقف عن تسمية قوة شرطتهم الخاصة باسمها الكردي ”الأسايش“ هو فيما يبدو خطوة أخرى تهدف إلى تغيير صورة المنطقة مع وضع مستقبلها في الاعتبار. ويقول أكراد سوريا، إنهم لا يريدون الاستقلال لكنهم يأملون في اتفاق سياسي يحفظ لهم حكمهم الذاتي. وقال الأسد للمرة الأولى في مايو أيار إنه سيفتح الباب أمام إجراء محادثات مع قوات سوريا الديمقراطية لكنه هدد في الوقت نفسه باللجوء للقوة. وقد يحسم اتفاق بينهما الصراع في معظم أنحاء سوريا.

لكن لا توجد مؤشرات بعد على أن دمشق ستجلس على طاولة المفاوضات، ويقول محللون إن الأسد ليس في عجلة من أمره لأنه استعاد أراضي بشكل سريع وازداد موقفه قوة. وقالت إلهام أحمد وهي مسؤولة كردية كبيرة في الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية ”نحن على قناعة إنه هالقنوات لازم تكون مفتوحة...هي القناة الأساسية يلي (التي) ممكن تنحل عن طريقها الأزمة تغيير الدستور والبدء بعملية سياسية. هاي القضايا رح تنحل مع النظام ما رح تنحل مع غيره“.

وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية وعلى رأسها وحدات حماية الشعب الكردية على نحو ربع أراضي سوريا وهي أكبر مساحة من الأراضي خارج سيطرة الدولة. وجرى نشر نحو 2000 جندي أمريكي في المنطقة الغنية بالنفط والمياه والأراضي الزراعية عبر الشمال والشرق والتي تمنح الأكراد نفوذا مهما.

وتحالفت وحدات حماية الشعب مع الولايات المتحدة قبل أكثر من ثلاثة أعوام لتصبح شريكها الرئيسي في المعركة ضد تنظيم داعش في سوريا. وسبب هذا التحالف توترا في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا شريكتها في حلف شمال الأطلسي والتي تعتبر وحدات حماية الشعب منظمة ”إرهابية“ مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

ونأت واشنطن بنفسها عن تقديم أي وعود سياسية للأكراد وعارضت مطامحهم للحكم الذاتي. وأثارت تصريحات واشنطن المتضاربة بشأن سوريا قلقهم ويخشون من أنها قد تعطي الأولوية في نهاية المطاف لعلاقاتها مع أنقرة. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال في أبريل نيسان إنه يريد سحب القوات الأمريكية من سوريا قريبا لكنه خفف ذلك بالتعبير عن رغبته في أن يترك ”موطئ قدم قويا ودائما“. وقلل مسؤولون أمريكيون آخرون من احتمالات الانسحاب في أي وقت قريب. واستخدم الجيش الأمريكي في بعض الأحيان القوة الفتاكة للدفاع عن أراض خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية ضد القوات الموالية للحكومة.

وأصبحت قوات سوريا الديمقراطية حذرة خاصة بعد ”الصمت الأمريكي“ خلال الهجوم التركي على منطقة عفرين السورية هذا العام. وقالت المسؤولة الكردية الكبيرة ”حسينا بالتخاذل“. ورغم ذلك، قالت إن نشر القوات الأمريكية في منبج القريبة بعث برسالة قوية بعد أن هددت تركيا بالتقدم نحو المدينة.

وقال هنري باركي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهاي في الولايات المتحدة، إن السياسة الأمريكية دفعت القادة الأكراد نحو دمشق. وقال ”إذا كنت كرديا سوريا، فعليك أن تفكر في اليوم الذي يقرر فيه ترامب الانسحاب... لديك رئيس يمكنه تغيير رأيه ويأمر بسياسات متناقضة تماما“.

وتصرف الزعماء الأكراد السوريون بحذر أكثر من أكراد العراق الذين صوتوا لصالح الاستقلال في استفتاء أجري العام الماضي. فقد أوقعهم الاستفتاء، الذي عارضته واشنطن، في أزمة وعزلة إقليمية. وفي نهاية المطاف اضطروا للتراجع. وفي العام الماضي، شرعت السلطات التي يقودها الأكراد في شمال سوريا في إجراء انتخابات لتأسيس هيئات حكم تستند إلى الأفكار السياسية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. لكنهم في الوقت الحالي أرجأوا المرحلة النهائية من الانتخابات إلى أجل غير مسمى.

ويقول محللون إن الخلاف مع القبائل العربية الموالية لدمشق يشكل تحديا للقوات الكردية وقد يسعى الأسد للاستفادة من هذا الخلاف. وأزيلت صور أوجلان، الذي يحظى بتقدير وحدات حماية الشعب في القامشلي، وهي مدينة خاضعة لسيطرة الوحدات على الحدود مع تركيا. وقال بيان للسلطات المحلية هناك إن هذا الإجراء يهدف إلى تجميل وتنظيم الشوارع. وغيرت شرطة المنطقة اسمها وعلمها وهي خطوة قال السياسي الكردي الكبير ألدار خليل إنها تأتي ”تقديرا“ للمدن العربية التي انتزعت قوات سوريا الديمقراطية السيطرة عليها من داعش ومن بينها الرقة التي كانت عاصمة التنظيم المتشدد في سوريا. بحسب فرانس برس.

وتخشى تركيا من اقامة الأكراد الذين يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشمال سوريا حكماً ذاتياً على حدودها غلى غرار كردستان العراق. وتنظر الى حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي وجناحه العسكري الوحدات الكردية، على انهما امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يقود تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود.

قوة حدودية

الى جانب ذلك قالت سياسية كردية سورية بارزة إن المناطق التي يديرها الأكراد في سوريا تتطلع إلى قوة حدودية جديدة تدعمها الولايات المتحدة من أجل حماية نفسها في مواجهة التهديدات المتنامية من تركيا ومن دمشق. وقالت فوزة يوسف العضو البارز في السلطة التي تدير مناطق الحكم الذاتي التي يسيطر عليها الأكراد إنه نظرا لأن الحل السياسي للحرب السورية المستمرة منذ نحو سبع سنوات لا يزال بعيد المنال فإن المخاطر التي يواجهها الأكراد وحلفاؤهم العرب ما زالت كبيرة.

ويعمل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على تشكيل قوة حدودية جديدة قوامها 30 ألف فرد مع فصائل سورية متحالفة معه في شمال البلاد. وواجهت الخطوة معارضة شديدة من تركيا، التي أغضبها بالفعل الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا والتي تعتبرها أنقرة امتدادا لمتمردين أكراد في جنوب شرق تركيا. وسوف تتولى القوة الجديدة حماية حدود المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وبدأ بالفعل تدريب مجموعة أولى من تلك القوات.

وسوف تنتشر القوة الجديدة على طول الحدود مع تركيا إلى الشمال وعلى الحدود العراقية إلى الجنوب الشرقي. كما ستحرس القوة حدود المناطق على طول وادي نهر الفرات في مواجهة الجيش السوري المدعوم من القوات الروسية وفصائل مسلحة تدعمها إيران. وقالت فوزة يوسف ”هناك تهديدات من الدولة التركية. أيضاً النظام قام أكثر من مرة بالتصريح بالهجوم“. وأضافت ”من أجل أن نتجنب أي هجوم... يجب أن يكون هناك قوة رادعة تقوم بحراسة الحدود التي تفصل بين مناطقنا والمناطق الأخرى... ويجب أن نحمي المكتسبات التي قمنا بتحريرها لحد الآن“. بحسب رويترز.

ومع قرب انهيار تنظيم داعش عمل أكراد سوريا على تعزيز سلطتهم في الشمال. وتفادت الحكومة السورية إلى حد بعيد الاشتباك مع المقاتلين الأكراد، لكن لهجتها باتت عدائية على نحو متزايد. وفي حين يسعى زعماء الأكراد إلى المفاوضات، تعهدت الحكومة السورية وحلفاؤها الإيرانيون باستعادة الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. واتهمت دمشق الولايات المتحدة بأنها قوة احتلال غير قانونية كما اتهمت قوات سوريا الديمقراطية بالخيانة. وتوعدت دمشق بإنهاء أي وجود أمريكي في سوريا.

من جانب اخر حذّر وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس النظام السوري من شنّ أي هجوم على "قوات سوريا الديموقراطية" ذات الغالبية الكردية المدعومة من واشنطن والتي اتهمها الرئيس بشار الأسد في الآونة الأخيرة بالخيانة. وقال الوزير في مؤتمر صحافي في البنتاغون "لدينا خط فاصل" بين المناطق التي يسيطر عليها حلفاء الولايات المتحدة في الشرق السوري، وتلك الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية المدعومة من روسيا في الغرب. وأضاف "سيكون من الخطأ" تجاوز هذا الخط". وفي معرض ردها على الأسد، اعتبرت قوات سوريا الديموقراطية ايضا أن النظام "هو بذاته أحد تعاريف الخيانة التي إن لم يتصد لها السوريون، سيؤدي بالبلاد إلى التقسيم وهو ما لن تسمح به قواتنا بأي شكل من الأشكال".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1