موجة جديدة من الاحتجاجات والضغوط يواجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكبر تحد له منذ توليه الرئاسة. بسبب بعض الإصلاحات والسياسات التي يعمل، حيث اتسعت رقعة الاحتجاجات والرفض الداخلي وتراجعت شعبية الرئيس وخرج عشرات آلاف الأشخاص إلى الشوارع في فرنسا تلبية لدعوة نحو ستين حزبا يساريا وجمعية ونقابة، تعبيرا عن عزمهم على التصدي لسياسة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يتولى الحكم منذ عام. وقدّرت شركة الإحصاء "أوكورانس" المعتمدة من قبل عدة وسائل إعلام عدد المتظاهرين في باريس بـ31700 شخص، بينما أعلنت نقابة الكونفدرالية العامة للعمل "سي جي تي" مشاركة 80 ألف شخص في التظاهرات التي قدّرت الشرطة أعداد المشاركين فيها بـ21 ألفا.

وقالت نقابة "سي جي تي" إن 250 ألف شخص تظاهروا في مختلف أنحاء البلاد. وكانت وزارة الداخلية الفرنسية قد أعلنت أن 323 ألف شخص شاركوا في التظاهرات في 22 آذار/مارس الماضي في حين أن "سي جي تي" قدّرت عددهم بـ500 ألف متظاهر دفاعا عن الخدمات العامة وحقوق الموظفين وعمال سكك الحديد.

وشارك المتظاهرون في باريس وكبرى المدن الفرنسية في مسيرات للتنديد بما يعتبرونه سياسة "تخدم مصالح الأثرياء" ينتهجها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتعبير عن تمسّكهم بالخدمات العامة وأسفهم لـ"استقالة" مواطنيهم من مسؤولياتهم. ويأخذ المتظاهرون على الرئيس الفرنسيقيامه بإصلاحات في كل الاتجاهات (قانون العمل والموظفون والسكك الحديد والجامعات...) على حساب بعض الفئات الشعبية

شعبية الرئيس

وفي هذا الشأن أظهر استطلاع للرأي تراجع شعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مستوى جديد وذلك بعد الجدل الذي ثار مؤخرا بشأن الإنفاق على مقرات إقامته وتصريحات له بشأن مخصصات الرعاية الاجتماعية. وطبقا للاستطلاع الذي أجراه المركز الفرنسي لبحوث الرأي العام لصالح صحيفة (لو جورنال دو ديمانش) الأسبوعية تراجعت نسبة المؤيدين للرئيس بنسبة واحد بالمئة في يونيو حزيران إلى 40 بالمئة على الرغم من النظرة المتفائلة لقطاع الأعمال وزيادة الاستثمارات الأجنبية.

وأبدى العديد من رجال الأعمال والاقتصاديين البارزين مخاوف مؤخرا من السياسات الاقتصادية لماكرون التي ينظر إليها باعتبارها منحازة للأثرياء. وأظهر الاستطلاع أن تراجع الشعبية جاء بشكل خاص بين الفرنسيين الذين تجاوزت أعمارهم 65 عاما وهي الفئة العمرية التي وجد منها ماكرون الدعم الأقوى في حملته الانتخابية العام الماضي. وفي هذه الفئة وحدها تراجعت شعبية ماكرون ثماني نقاط خلال شهر لتصل إلى 38 بالمئة مما يسلط الضوء على مدى احباط المتقاعدين بشأن الضرائب الأكبر التي بدأوا في دفعها مع بداية العام. وشمل الاستطلاع آراء 1963 شخصا في الفترة من 15 إلى 23 يونيو حزيران. وبلغ هامش الخطأ 2.2 في المئة.

من جانب اخر يعتبر ثلاثة فقط من كل عشرة فرنسيين ان السياسة التي يعتمدها ايمانويل ماكرون وحكومته "صحيحة" بينما ترى اكثرية انهما لا يبذلان جهودا كافية لمساعدة الأكثر احتياجا من سواهم، كما افاد استطلاع للرأي اجرته مؤسسة "بي في أ". واذا كان 31% من الفرنسيين الذين سئلوا اراءهم يعتبرون سياسة الحكومة "صحيحة" في مقابل 73% ابدوا اراء مناقضة، يتبين ان هذه النسبة المئوية هي نفسها التي توصلت اليها الاستطلاعات في 2013، بعد عام على تسلم فرنسوا هولاند مهام منصبه.

ويعتبر 55% ان ايمانويل ماكرون وحكومته لا يقومان "بما فيه الكفاية" من اجل "الاكثر احتياجا من سواهم"، في مقابل 11% يعتبرون انهما يفعلان "الكثير"، كما اضاف هذا التحقيق الذي أجري لحساب مجلة "لا تريبون". من جهة أخرى، يرى 59% من الذين سئلوا عن ارائهم ان ثمة "افراطا في المساعدات الاجتماعية في فرنسا" في مقابل 39% يبدون رأيا مخالفا. وأصدرت الحكومة في اواخر ايار/مايو بيانات حول خفض محتمل لهذه المساعدات الاجتماعية. بحسب فرانس برس.

وردا على سؤال عن التدبير الذي يبدو لهم أوليا لإصلاحها، طلب 44% من الفرنسيين "خفض عدد الاشخاص الذين يحق لهم بها". ورأى 30% ان الاولوية ستكون "خفض مدة المساعدات"، و9% "خفض قيمة المساعدات". ولم يدل 17% برأي. وقد أجري الاستطلاع هاتفيا من 4 الى 5 حزيران/يونيو على عينة من 1018 شخصا تفوق اعمارهم ال18 عاما، حسب طريقة الحصص. وهامش الخطأ من 1،4 الى 3،1 نقاط.

ماكرون يبرر

من جانب اخر أكد إيمانويل ماكرون أنه "يدافع عن مصالح فرنسا" و"يلعب دور الوسيط في عالم يسوده الجنون"، وذلك ليبرر رحلاته العديدة إلى الخارج في الأشهر الأخيرة. لتبرير رحلاته العديدة إلى الخارج، وصرح على هامش زيارة لقصر فيرني-فولتير (شرق) قرب جنيف "أمضيت الكثير من الوقت في الخارج لأنه كان هناك لقاءات كبرى دولية وكان علينا المشاركة". وتابع "إنه أمر مهم لبلادنا (...) يتوقع المواطنون أيضا أن يدافع الرئيس عن مصالحهم على الساحة الدولية". وأضاف "علينا أن نضطلع بدورنا في عالم ازدادت فيه درجة الجنون، أن نلعب دور الوسيط". وأوضح "للأسف لا نعيش في عالم هادىء".

وقام ماكرون برحلات بعيدة منها زيارة لروسيا بعد زيارة رسمية للولايات المتحدة نهاية نيسان/أبريل. كما زار مؤخرا الهند وأستراليا تزامنا مع تظاهرات الأول من أيار/مايو في فرنسا قبل التوجه إلى كاليدونيا الجديدة. وشارك كذلك في التباحث حول عدد من النزاعات الخارجية كملف ليبيا، إذ جمع أبرز قادة هذا البلد بإشراف الأمم المتحدة، بغرض التحضير لانتخابات. وسيزور موريتانيا ونيجيريا لثلاثة أيام مطلع تموز/يوليو.

وقال أمام نحو مئتي شخص كانوا في انتظاره عند وصوله إلى قصر فيرني-فولتير "عندما لا أكون حاضرا على الأرض أفتقد ذلك". وأوضح "هناك دائما أشخاص في غاية الود. هناك أيضا لحظات غضب وتظاهرات لكنكم تعرفونني، أحاول دائما التواصل مع الناس". وكانت أوساط مقربة من ماكرون قد قالت الأسبوع الماضي: "علينا ألا نفصل بين العمل الوطني والدولي للرئيس هناك استمرارية في كل المجالات (...) بالنسبة إلى أوروبا وكذلك بالنسبة إلى سوريا وليبيا".

على صعيد متصل فتح المدعي المالي الفرنسي تحقيقا في مزاعم انتهاك ألكسي كولير مدير مكتب الرئيس إيمانويل ماكرون لقواعد تضارب المصالح أثناء عمله في القطاع العام وشركة البحر المتوسط السويسرية الإيطالية للشحن. يأتي التحقيق بعد أن تقدمت مجموعة (أنتيكور) لمكافحة الكسب غير المشروع بشكوى تتهم كولير باستغلال النفوذ وانتهاك قواعد تضارب المصالح فيما يتعلق بوجود صلات تربطه بشركة البحر المتوسط للشحن أثناء تقلده منصبه العام.

وقال مكتب المدعي المالي ”فتح المدعي المالي تحقيقا للتأكد من احترام القواعد المتعلقة بأنشطة مسؤولي الدولة في القطاع الخاص“. ولم يرد كولير على رسالة نصية قصيرة تطلب التعقيب. وقال قصر الإليزيه إن كولير لم يتصرف بشكل غير قانوني وسيتعاون مع التحقيق. وتزعم الشكوى وجود تضارب للمصالح يستند إلى وجود صلات بين عائلة كولير والإيطاليين الذين يملكون شركة البحر المتوسط للشحن أثناء عمله في شركات قابضة حكومية فرنسية وفيما بعد عندما تقلد منصبا كبيرا في وزارة المالية بين عامي 2012 و2014 وعامي 2014 و2016.

وترك كولير وزارة المالية عام 2016 عندما استقال ماكرون من منصب وزير الاقتصاد. وانتقل كولير إلى جنيف حتى يتولى منصبا في مجلس إدارة شركة البحر المتوسط للشحن. وبعد ذلك بتسعة أشهر استقال من منصبه للعمل مع ماكرون بعد انتخابه رئيسا. ويسمح القانون الفرنسي للموظفين الحكوميين بتعليق وظيفتهم في القطاع العام حتى يتسنى لهم العمل في القطاع الخاص لعدد معين من السنوات قبل أن يعودوا للوظيفة. بحسب رويترز.

وقال مكتب ماكرون إن كولير لم يخف قط صلات عائلته بعائلة أبونتي التي أسس ومازالت تملك شركة البحر المتوسط للشحن. وأضاف مكتب ماكرون في بيان ”يود السيد كولير الإشارة إلى أنه لطالما أطلع رؤساءه على الصلات الشخصية بينه وبين شركة البحر المتوسط للشحن... ونتيجة لذلك، كان يُستبعد من كل المناقشات والقرارات المتعلقة بهذه الشركة“. وذكرت (أنتيكور) أن مزاعمها تستند إلى حد كبير على تحقيق نشره موقع (ميديا بارت) الإخباري على الإنترنت.

حقوق الفقراء

من جانب اخر أعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية بنجامين غريفو ان حكومة الرئيس ايمانويل ماكرون تناضل من اجل "حقوق الفقراء" الذين "من دون شك لم يقترعوا في الانتخابات الاخيرة"، وذلك في مقال نشرته صحيفة "لو باريزيان". وكتب غريفو في مقاله "في بلاد حقوق الانسان نضع في صلب نضالنا حقوق الفقراء. هؤلاء من دون شك لم يقترعوا في الانتخابات الاخيرة. لكننا نناضل من اجلهم".

واستنكر غريفو المقرب من الرئيس الفرنسي في مقاله "انهيار نموذجنا الاجتماعي" الذي اعتبر انه "يساعد على البقاء على قيد الحياة بدلا من تحمل تكاليف العيش"، وسياسات "تقتصر على شراء السلم الاجتماعي عبر تقديم المساعدات، والاعانات المالية، والتسويات". وتطرق غريفو في مقاله الى "مئة الف طالب يخرجون سنويا من نظامنا التعليمي من دون نيل شهادة"، و"تفشي البطالة"، و"تسعة ملايين فقير بينهم ثلاثة ملايين طفل واربعة ملايين يعيشون في مساكن غير مستوفية الشروط، ومتوسط عمر متوقع ادنى من عشر سنوات للاشد فقرا".

وكتب غريفو ان الطبقة السياسية السابقة أهملت مكافحة الفقر معتبرة انه "استثمار انتخابي سيء جدا". وتابع غريفو ان "اخراج الاكثر عوزا من الاوضاع التي يعانونها يستغرق وقتا، سنوات، واحيانا جيلا كاملا"، وان "الاحياء الاكثر فقرا تشهد اعلى نسبة امتناع عن التصويت". واضاف "لمن يهاجمون الحكومة في الشأن الاجتماعي ويطالبونها بالانفاق من اجل معالجة اعراض التململ الاجتماعي اقول إننا نعالج عدم المساواة من جذورها. دعونا لا نراهن على الانتخابات المقبلة بل على الجيل المقبل". وانتقد نواب في المعارضة اليسارية تعبير "الفقراء"، كذلك انتقد النائب في حزب "فرنسا المتمردة" ادريان كاتين التعبير بقوله "الهدايا للاثرياء، ضرب قانون العمل، الانتقاء في الجامعات... هذا كله من اجل الفقراء".

وبلامبالاة او بخيبة امل، يشكك سكان فيلييه لو بيل الضاحية الفقيرة إلى شمال باريس في فاعلية الاجراءات في التي عرضها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مؤخرا لتنمية الاحياء الفقيرة. وقال ايفون اتونغا رئيس جمعية "غيتو ستار نو ليميت" المخصصة للتدريب المهني لشبان الضواحي ان "خطة الضواحي اعلنها اشخاص لا يعرفون هذه المناطق (...) ليس من الممكن ان تفكر مؤسسات في باريس بمفردها بالحلول التي يجب تقديمها في هذه الاحياء".

واضاف ان "الاسلوب المتبع من اجل الاحياء لم يتغير وهذا ما يؤسفني"، بعد اربعين عاما من الخطط المتتالية لمحاولة حل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والامنية التي تعاني منها الضواحي في فرنسا. وتضم فرنسا 1300 حي توصف بانها "اولوية" ويعيش فيها خمسة ملايين شخص. وتواجه هذه المناطق وبينها فيلييه-لو-بيل البطالة والفقر والتهريب.

وفي هذه الاحياء، يعيش حوالى نصف السكان (42,2 بالمئة) تحت عتبة الفقر (التي كانت محددة بـ1015 يورو في 2015)، مقابل 14,3 بالمئة في بقية المناطق. ومعدل البطالة فيها اكبر ايضا اذ طال ربع سكانها في 2016 مقابل 10 بالمئة في المناطق الاخرى، ويصل الى 35 بالمئة لمن تقل اعمارهم عن ثلاثين عاما. و"ليستعيد كل فرد كرامته"، قدم ماكرون في 22 ايار/مايو اجراءات لهذه الاحياء، مؤكدا انه يريد "تغيير الاسلوب".

وبين هذه الاجراءات، احداث "ثلاثين الف مكانا في دور الحضانة" المدعومة لتشجيع عمل المرأة، وتنظيم دورات تدريبية لطلاب المدارس في سن 14-15 عاما وتوجيه دعوة الى الشركات لتأهيل وتوظيف شبان من الاحياء الصعبة. كما وعد رئيس الدولة بخطة لمكافحة تهريب المخدرات سيقدمها "بحلول تموز/يوليو"، الى جانب خطته حول الشرطة داخل الاحياء.

ورفض عدد من الشبان في حي بوي دو لا مارليير الادلاء باي تعليق. وقال احدهم "لا اتكلم"، بينما اكد آخر "آسف" مشيرين الى متاجر مجاورة يمكن للصحافيين التوجه اليها. وقالت ناديا التي تعمل بائعة في مخبز ورفضت ذكر اسم عائلتها ان "الضاحية مهملة، سواء في في فيلييه-لو-بيل أو غيرها، هذا صحيح". واضافت "البطالة مرتفعة والشبان لا يعرفون ماذا عليهم ان يفعلوا". وتابعت "احيانا عندما نراهم ببزات، لانهم عادة يرتدون ملابس رياضية، نشعر بالسرور لان هذا قد يعني ان لديهم مقابلة" للحصول على وظيفة.

ورأى ايفون اتونغا الذي تعمل جمعيته على مساعدة الشباب ان الحل الاول لمساعدة "شبان الاحياء" على "عدم التسكع في الشوارع" هو منحهم آفاقا لمستقبل مع اشخاص يشبهونهم، وهو ما يطلق عليه اسم "اثر المرآة". واضاف "لماذا في هذه الاحياء كل الشبان يريدون ان يصبحوا لاعبي كرة قدم؟ لانهم ينظرون الى فريق فرنسا وفريق فرنسا يشبههم (...) الامر بهذه البساطة".

وقال تيبو تيلييه الخبير في سياسات المدن ان الضواحي الفرنسية شهدت منعطفا في بداية سبعينات القرن الماضي. واضاف انه في تلك الفترة "قررت السلطات العامة ادراج الفئات الاكثر فقرا في (خطط) الاسكان الاجتماعي" في محيط المدن، وتوجيه الطبقات المتوسطة الى قلب المدن الذي تم تجديده. بحسب فرانس برس.

واوضح انه "في الاسكان الاجتماعي في الضواحي، لوحظت زيادة في الفقر تجسدت خصوصا بوصول عائلات مهاجرة، وتعزز هذا التوجه بالطبع مع الازمة الاقتصادية". وتابع ان "تطور الضواحي الصناعية كان نقطة مشتركة في المدن الاوروبية في القرن التاسع عشر"، لكن فرنسا "شكلت استثناء في ما يتعلق ببناء مناطق حضرية كبيرة تضم عشرات الآلاف من المساكن التي بنيت تحت السلطة المباشرة للدولة". وقال ايفون اتونغا "اذا لم تلجأ الينا المؤسسات لنوضح لها ما يمكن القيام به، اشياء بسيطة وفعالة لا تكلف بالضرورة آلافا او مئات، فلن تصل الى نتيجة". واكد تيبو تيلييه "على فرنسا القيام بخيار اليوم في ما يتعلق بمستقبل الضواحي".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3