لا تزال قضية تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، من اهم القضايا داخل هذا البلد الذي يعيش جملة من الازمات والمشكلات بسبب الصراعات والخلافات السياسية القائمة، والتدخلات الخارجية المستمرة. فعملية تشكيل الحكومة كما نقلت بعض المصادر، وعلى الرغم من مرور فترة زمنية على إجراء الانتخابات النيابية تراوح مكانها في دائرة التجاذب السياسي. ولا يزال اللبنانيون بانتظار تشكيل مجلس وزاري منسجم بالحد الأدنى في مواجهة أزماتهم الخانقة. في غضون ذلك، يواصل منحى الدين العام صعوده واضعا لبنان بين أكثر الدول مديونية في العالم. ويدير لبنان بعد انتخابات مايو أيار حكومة تسيير أعمال إلى أن يشكل رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري حكومة جديدة. ويعاني لبنان من ثالث أعلى معدل للديون في العالم حيث يتجاوز معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة. وكان المعدل قفز من نحو 130 بالمئة في عام 2011 قبل اندلاع الحرب في سوريا المجاورة ووصول أكثر من مليون لاجئ إلى لبنان مما عرقل النمو وكبل قدرات صنع القرار في الحكومة.

ويرى بعض المراقبين ان تدخلات الدول الداعمة للأحزاب في داخل لبنان، ستسهم وبشكل واضح في تعقيد المشهد السياسي، خصوصا وان تلك الدول تسعى الى تامين مصالحها الخاصة وتعمل اقصاء الخصوم، وقال وزير المالية اللبناني علي حسن خليل إن لبنان لا يشكل حكومة جديدة بالسرعة الكافية وإنه لا يرى أي تقدم جاد في هذا الشأن. وقال زعماء سياسيون ومانحون أجانب إن لبنان، الذي أجرى انتخابات برلمانية في السادس من مايو أيار، يحتاج لتشكيل حكومة بسرعة للحفاظ على الثقة في الدولة والعمل على تنفيذ إصلاحات لدعم الاقتصاد المتعثر.

وقال خليل في بيان صدر عن مكتبه ”من المهم على القوى السياسية أن تنتبه بأن الوقت ليس لصالحنا وليس لصالح أحد على الإطلاق. لذلك نحن بحاجة ماسة للإسراع بإنجاز الاستحقاق الدستوري بتشكيل حكومة جديدة“. وأضاف ”أنا مضطر للقول للأسف أنه لم نشهد حراكاً جدياً في عملية التشكيل الحكومي حتى الآن. هذا الأمر من موقعي كوزير مالية أجدد التحذير منه وأؤكد على ضرورة الإسراع بهذا الأمر لكي يتسنى للحكومة الجديدة أن تضع يدها على مواطن الخلل وتعمل على تصحيحها“.

تشكيل الحكومة

وفي هذا الشأن عبر سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني المكلف عن أمله في تشكيل حكومة ائتلافية بسرعة لحماية لبنان من الاضطرابات الإقليمية والوضع الاقتصادي الذي قال إنه يمثل أكبر خطر على البلاد. وكان الحريري يتحدث بعد مشاورات مع النواب حول تشكيل حكومة وفاق وطني جديدة في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في السادس من مايو أيار وعززت موقف جماعة حزب الله وحلفائها السياسيين.

وفي مؤشر على التعقيدات التي ستواجه عملية تشكيل الحكومة طالب حزب القوات اللبنانية المسيحي بتمثيل حكومي مساو لمنافسه الرئيسي التيار الوطني الحر. وظهرت المنافسة على الحقائب الوزارية أيضا بين فصائل درزية. وقال الحريري ”أنا متفائل جدا إن شاء الله وأشكر الجميع على التعاون الذي أبدوه اليوم“. وبموجب نظام اقتسام السلطة المسمى بالمحاصصة الطائفية في لبنان، يُخصص منصب رئيس الوزراء للسنة. وهذه هي المرة الثالثة التي يتولى فيها الحريري منصب رئيس الوزراء منذ أن دخل المعترك السياسي بعد اغتيال والده رفيق الحريري في عام 2005. وقال الحريري ”لا أحد يريد أن يضع العصي في الدواليب... بالأخير نحن كلنا بدنا نتفاهم بأسرع وقت ممكن“.

وينظر إلى الوضع الاقتصادي السيء في لبنان ومستويات الديون التي لا يمكن تحملها على أنها أولويات قصوى للحكومة المقبلة بالإضافة إلى أزمة اللاجئين السوريين في بلد أصبح واحد من كل أربعة من سكانه لاجئا سوريا. وفي وقت سابق قال رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إنه متفائل بتشكيل الحكومة الجديدة.

ونقلت صحيفة المستقبل المملوكة للحريري عن بري قوله لأشخاص زاروه ”لا مصلحة لأحد بتأخير ولادة الحكومة ولا بوضع العُقد أمامها“. وتسعى جماعة حزب الله إلى مشاركة أكبر في هذه الحكومة مقارنة بالحكومة السابقة، بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها الجماعة وحلفاؤها في الانتخابات. وقال محمد رعد رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله إن الحزب طلب ”وزارة وازنة“ في الحكومة الجديدة.

وذكرت مصادر سياسية بارزة أن حزب الله يسعى لتولي وزارة خدمات واحدة على الأقل وسيحصل على ثلاث وزارات بدلا من الوزارتين اللتين يتولاهما في حكومة تصريف الأعمال الحالية. وغالبا ما كانت الجماعة تتولى حقائب وزارية غير ذات أهمية. وحصل حزب الله، وجماعات وأفراد مؤيدون لحيازته للسلاح، على 70 في المئة على الأقل من مقاعد البرلمان التي يبلغ عددها 128 مقعدا في الانتخابات، على نقيض آخر انتخابات تشريعية لبنانية والتي تمخضت عن أغلبية مناهضة لحزب الله في عام 2009.

ويظل الحريري السياسي السني الأبرز في لبنان رغم خسارته أكثر من ثلث مقاعده في الانتخابات. ويسعى حزب القوات اللبنانية، المناهض بقوة لحزب الله، للحصول على نصيب أكبر من الحقائب الوزارية في الحكومة بعد أن ضاعف تقريبا عدد مقاعده في البرلمان، ليصل عدد نوابه إلى 15 نائبا. وقال جورج عدوان وهو عضو في حزب القوات اللبنانية بعد اجتماع الكتلة مع الحريري ”تمثيل القوات اللبنانية يجب أن يوازي التيار الوطني الحر“.بحسب رويترز.

وأسس الرئيس ميشال عون التيار الوطني الحر الذي يترأسه صهره جبران باسيل منذ عام 2015. والتيار متحالف سياسيا مع حزب الله منذ عام 2006. وقال باسيل وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال إن حصة التيار الوطني الحر من المناصب الوزارية يجب أن تشمل إما وزارة المالية أو الداخلية. وقال ”انحرمنا من 2005 إلى اليوم من الحصول على حقيبتين طالبنا بهما بشكل دائم هما حقيبة المالية وحقيبة الداخلية“.

فرنسا ولبنان

الى جانب ذلك نسب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفضل لنفسه في حل أزمة سياسية في لبنان العام الماضي معلنا للمرة الأولى أن السعودية احتجزت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لعدة أسابيع. وفي نوفمبر تشرين الثاني واجه لبنان أزمة بعد إعلان الحريري استقالته أثناء وجوده في السعودية. وقال الحريري حينئذ إنه يخشى تعرضه للاغتيال وانتقد إيران وجماعة حزب الله حليفتها في لبنان. واتهم المسؤولون اللبنانيون السعوديين حينئذ باحتجاز الحريري. وبعد تدخل دولي، بما في ذلك تدخل ماكرون، استطاع الحريري مغادرة السعودية ثم تراجع عن استقالته في نهاية المطاف.

وقال ماكرون في مقابلة مع تلفزيون (بي.إف.إم) ”لو لم يتم الأخذ (برأي) فرنسا حينئذ لكان لبنان يخوض على الأرجح حربا ونحن نتحدث الآن. (الفضل) للدبلوماسية الفرنسية وللإجراء الذي اتخذناه“. وقال ماكرون إن توقفه في الرياض، دون ترتيب مسبق أثناء رحلة جوية، لإقناع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بذلك وما أعقبه من توجيهه دعوة إلى الحريري لزيارة فرنسا، كان السبب في إنهاء الأزمة. بحسب رويترز.

وقال ماكرون ”أذكرك باحتجاز رئيس وزراء في السعودية لعدة أسابيع“ في تعليق ربما يزعج الرياض بل والحريري أيضا الذي نفى احتجازه رغما عن إرادته. والتقى ماكرون مع الحريري والأمير محمد في باريس في أبريل نيسان بعد مؤتمر لحشد الدعم الدولي لبرنامج استثمار يهدف لتعزيز الاقتصاد اللبناني. وبعد الأزمة التي حدثت في نوفمبر تشرين الثاني زار الحريري الرياض لأول مرة في فبراير شباط. ويعكف الحريري حاليا على تشكيل ائتلاف جديد بعدما عززت نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السادس من مايو أيار الجاري من موقف حزب الله وحلفائه السياسيين.

جدل كبير

على صعيد متصل تشهد الساحة اللبنانية جدلا سياسيا واجتماعيا واسعا بسبب مرسوم أصدره الرئيس ميشال عون يمنح بموجبه الجنسية اللبنانية لنحو 300 شخص، ويشمل عددا من المتمولين السوريين المقربين من الرئيس بشار الأسد. وعلى الرغم من كون إصدار مرسوم من هذا النوع يعد من صلاحيات الرئيس اللبناني، إلا أنه يتعرض لانتقادات واسعة من سياسيين ومواطنين من عدة تيارات. وتنتقد حملة ما يوصف بـ"السرية" التي تحيط بالمرسوم الذي لم يتم نشر أسماء المستفيدين منه رسميا حتى الآن، في وقت لا يزال آلاف الأشخاص الذين يعيشون منذ عشرات السنين في لبنان ويعتبرون أنهم يستحقون الجنسية، محرومين منها.

وصدر مرسوم التجنيس في 11 أيار/مايو بعدما وقعه الرئيس اللبناني ميشال عون، لكن لم يعرف عنه شيء إلى أن بدأت قبل أيام التسريبات في وسائل الإعلام التي تحدثت عن لائحة قد تتخطى 300 شخص من جنسيات مختلفة بينهم سوريون وفلسطينيون وعراقيون. وتحت ضغط عاصفة الانتقادات، وعلى الرغم من صدور المرسوم واعتباره نافذا، أحالت رئاسة الجمهورية الملف إلى المديرية العامة للأمن العام للتحقق من أحقية الأشخاص الواردة أسمائهم بالحصول على الهوية اللبنانية.

وطلب رئيس الجمهورية في بيان "من كل من يملك معلومات أكيدة بشأن أي شخص مشمول بالمرسوم ولا يستحق الجنسية اللبنانية، التوجه بمعلوماته هذه إلى وزارة الداخلية - المديرية العامة للأمن العام للاستثبات". ويملك رئيس الجمهورية صلاحية منح الجنسية اللبنانية وحده بموجب مرسوم يشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة ووزير الداخلية. ونشرت وسائل إعلام عدة لوائح بينها أسماء رجال أعمال معروفين منهم سوريون من الدائرة المقربة من النظام. ومن هؤلاء خلدون الزعبي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة "أمان القابضة"، ومازن مرتضى ابن وزير تعليم سابق. وجراء عدم نشر السلطات لنص المرسوم، لم يتسن تأكيد الأسماء المسربة كافة.

وردا على الانتقادات، دافع وزير الخارجية جبران باسيل، صهر عون، عن المعايير المعتمدة في مرسوم التجنيس الجديد، وقال إن الجنسية يمكن أن تعطى "لكل أحد مفيد للدولة، إن كان صاحب أعمال أو مستثمرا أو صاحب سمعة جيدة، وللبنان مصلحة بإعطائه الجنسية". ولا يسمح القانون اللبناني لرجال أعمال أجانب بالاستثمار من دون شركاء لبنانيين. وأكد رجل الأعمال السوري المعروف فاروق جود، وهو صاحب شركات ومعامل عدة في قطاعات الأغذية والفولاذ والمطاحن، ما ذكرته التقارير عن تجنيس أبنائه الثلاثة، مشيرا إلى أن الهدف من طلبهم الجنسية "تسهيل أعمالهم"، ونفى أن يكون هناك أي خلفية سياسية لذلك.

وقال "أعمالنا الصناعية في سوريا تتطلب مواد تمر عبر لبنان وأخرى مستوردة من لبنان، ولذلك لجأ اولادي الذين يتنقلون بشكل شبه أسبوعي تقريبا بين البلدين، إلى طلب الجنسية". وتابع "لدينا مواد كثيرة تشحن عبر المرافئ اللبنانية وتحتاج إلى متابعة وتحميل، وهذا بالأصل مفيد للبنان... إنها إضافة للاقتصاد اللبناني". ومن شأن حصول أبناء جود على الجنسية تسهيل فتح شركة للعائلة في لبنان، وفق ما يقول، موضحا "ليست لدينا استثمارات حاليا في لبنان لسبب بسيط هو أننا لا نريد أن نتشارك مع أحد، نريد شركة نملكها نحن".

ولم تقنع هذه الاعتبارات معارضي المرسوم من الأطراف السياسية، وأبرزهم الحزب التقدمي الاشتراكي (درزي) وحزبا القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية (مسيحيان) وآلاف اللبنانيين الذين علقوا بالتهكم على مواقع التواصل الاجتماعي. وقال النائب وائل أبو فاعور من الحزب الاشتراكي المناهض للنظام السوري "هذا المرسوم لن يمر مرور الكرام، ولا يمكن القبول بتحويل الجنسية اللبنانية إلى سلعة تباع مقابل الأموال.

وكتب الناشط فراس بو حاطوم على حسابه على فيس بوك ساخرا "مشروع التجنيس مشروع تجاري لتعبئة الجيب. وأكثر من ذلك، مشروع بيع البلد للنظام السوري. لبناني منذ أكثر من عشرة مليون دولار". وطالما شكل التجنيس قضية إشكالية في لبنان، خصوصا أن كثيرين يربطونه بمساعٍ لتغيير الميزان الطائفي في البلد الصغير ذي التركيبة الهشة. وأعاد الأمر إلى الأذهان مرسوم صدر في العام 1994 في ظل الهيمنة السورية على لبنان لتجنيس آلاف الأشخاص، وتبين لاحقا أن غالبيتهم من المسلمين السنة، وبينهم سوريون وفلسطينيون. لكن لم تعرف بعد بالتأكيد الطوائف التي ينتمي إليها المستفيدون من المرسوم الأخير.

وتوقف كثيرون عند قيام فريق عون بالدفاع عن المرسوم، في وقت قدم أعضاؤه أنفسهم لسنوات طويلة على أنهم "أبطال" رفض مرسوم التجنيس السابق منعا لجعل "التوطين" أمرا واقعا. وأكثر ما أثار غضب ناشطين حقوقيين هو تجاهل المرسوم لآلاف الأشخاص من مكتومي القيد، وآلاف الأمهات اللبنانيات المتزوجات من أجانب والممنوعات من نقل الجنسية لأولادهن. وليس هناك إحصاء رسمي لمكتومي القيد، وهم أشخاص غير مسجلين، يعملون بشكل غير رسمي ولا يملكون حق التملك، ولا يحملون سوى ورقة تعريف من المختار برغم أنهم يعيشون منذ عشرات السنين في لبنان. ويتراوح عددهم، وفق دراسة أجرتها جمعية "رواد الحقوق" المختصة بقضايا مكتومي القيد، بين 40 و60 ألفا يعيش معظمهم في مناطق فقيرة نائية. بحسب فرانس برس.

وتقول سميرة طراد من الجمعية "قانونيا هم أشخاص غير موجودين، نكرة، لا وجودك مسجل ولا موتك مسجل"، مضيفة "قبل أن نجنس الناس من الخارج، يجد أن تأخذ الدولة قرارا للحد من ظاهرة مكتومي القيد وهم أكثر من لهم أحقية بالجنسية". وتعيش ناتالي مجدلاني (42 عاما)، وهي من أب فرنسي وأم لبنانية، في لبنان منذ 38 عاما من دون أن تحصل على الجنسية. وتقول "تربيت وكبرت ودرست هنا، لكن لا يمكنني أن أحصل على الجنسية". وتضيف "كل ثلاث سنوات أجدد إقامتي. فقدت الأمل في الحصول على الجنسية، ثم أجد اليوم أن آخرين لا يعيشون حتى هنا حصلوا عليها. لماذا؟ لأنهم يملكون المال؟ من هم هؤلاء ولماذا تحق لهم بالجنسية وليس أنا؟".

اضف تعليق