قرار انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين ايران والقوى العالمية، يحظى باهتمام كبير من قبل العديد الدول وخصوصا الدول العظمى المشاركة في هذا الاتفاق، حيث تسعى بعض تلك الدول ومن خلال مبادرات وتحركات خاصة الى إنقاذ هذا الاتفاق الذي يصف بالتاريخي، خصوصا وان هذا الانسحاب الذي اغضب ايران وكما نقلت بعض المصادر سيعطيها مبرر مهم لا استعاده نشاطاتها السابقة، وفي وقت سابق حذر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير من تداعيات غير محسوبة في حال إنهاء العمل بهذه الاتفاقية الدولية مع إيران. وأوضح شتاينماير:" هذه جملة مهمة لذلك، لأن على المرء أن يتذكر، ما يمكن أن يحدث إذا انهارت هذه الاتفاقية مرة أخرى وعودة التسلح من جديد في الشرق الأوسط".

في السياق ذاته اشار الرئيس الروسي إلى أن إيران تنفذ كافة التزاماتها، ولا يوجد ما تعاقب عليه. وأكد بوتين أن إلغاء الصفقة النووية مع طهران سيلحق أضرارا بالمنطقة كلها. وقال: "هل سيكون من الأفضل بالنسبة لإسرائيل إذا انسحبت إيران من هذه الصفقة أو إذا أجبروها على الانسحاب؟ وفي هذا الحال سيصبح نشاط إيران النووي غامضا بالنسبة للجميع. ونحن لن نعرف ماذا يحدث هناك. وما هي الأخطار التي ستظهر في تلك الحال؟". وأعرب عن اعتقاده بأن ذلك سيؤدي إلى ظهور قضية مماثلة لقضية كوريا الشمالية التي لم يتم حلها بعد. وتساءل: "هل نريد مشكلة أخرى من هذا النوع أو حتى أكبر حجما؟ أعتقد لا، لا سيما وأن هذه المنطقة التي نتحدث عنها قابلة للانفجار". ودعا الرئيس الروسي إلى العمل مع كافة أطراف الاتفاق النووي الإيراني، وقبل كل شيء الولايات المتحدة. وحذر من أنه "إذا تم تدمير هذه الصفقة نهائيا، فسيخسر الكثيرون بالفعل. وعلينا أن نعمل كل ما بوسعنا من أجل منع وقوع ذلك. وهذا يتطلب العمل مع كافة المشاركين في العملية، وقبل كل شيء مع الولايات المتحدة".

الى جانب ذلك سعت أوروبا وإيران لتشكيل جبهة موحدة لإنقاذ الاتفاق النووي الذي تخلى عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحذرت بريطانيا من تغيير النظام وعبرت طهران عن أملها في الحفاظ على المزايا الاقتصادية للاتفاق. ووصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بروكسل وأجرى محادثات ”جيدة وبناءة“ مع فيديريكا موجيريني مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي. وقال ”نحن على المسار الصحيح لضمان الحفاظ على مصالح الدول التي لا تزال موقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، خاصة إيران... محادثاتنا مع الدول الثلاث ستستمر في الأسبوعين المقبلين“ مشيرا إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وشكك الكثير من الدبلوماسيين الأوروبيين في أحاديثهم الخاصة في إمكانية الحفاظ على الاتفاق المبرم عام 2015 بين إيران وست من القوى العالمية بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية الذي أمر به ترامب لكن القوى الأوروبية تقول إنها ملتزمة بشروط اتفاق عام 2015 الذي يرفع العقوبات عن إيران في مقابل إنهاء طموحاتها النووية. وطلب الرئيس الإيراني حسن روحاني من الاتحاد الأوروبي الوقوف في وجه التصرفات الأمريكية ”غير المشروعة وغير المنطقية“ قائلا إن طهران يمكنها البقاء في الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن منه فقط إذا استفادت منه بالكامل.

ورفع الاتفاق العقوبات الدولية عن إيران في عام 2016 في مقابل أن تعلق إيران قدراتها على تخزين اليورانيوم المخصب، الذي قد يمكنها من إنتاج قنبلة ذرية، تحت إشراف صارم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وانتقد ترامب الاتفاق الذي أبرم في عهد سلفه باراك أوباما باعتباره ”اتفاقا مروعا أحاديا ما كان يتعين على الإطلاق إبرامه“ إذ أنه لا يشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو دور طهران في صراعات في الشرق الأوسط.

ميركل و الاتفاق النووي

على صعيد متصل ردت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على رفض واشنطن للاتفاق النووي مع إيران قائلة إن الاتفاق ساعد القوى الخارجية القلقة من دور طهران الإقليمي على نقل مخاوفها للجمهورية الإسلامية. وأكدت إيران مجددا أنها لن تستسلم للضغوط الأمريكية وستقاوم ”المخطط“ الأمريكي بعد قرار الرئيس دونالد ترامب. وشكا ترامب، الذي بدد نتائج جهود دبلوماسية استمرت لأكثر من عشر سنوات، من أن الاتفاق لا يشمل صواريخ إيران الباليستية أو دورها في الحروب الإقليمية أو ما يحدث عندما يحل أجل بعض بنود الاتفاق في عام 2025.

وتشاطر الدول الأوروبية الكبرى ترامب مخاوفه لكنها تقول إن الاتفاق النووي هو أفضل سبيل لمنع إيران، وهي قوة إقليمية يتزايد نفوذها، من الحصول على أسلحة ذرية. وأكدت ميركل دفاعها عن الاتفاق في تصريحات للمشرعين في مجلس النواب بالبرلمان الألماني (البوندستاج). وقالت ”السؤال هو هل الأفضل إجراء محادثات بإنهاء اتفاق أم بالبقاء فيه... نقول يمكن الحديث بشكل أفضل في حالة البقاء فيه“. وأضافت ”هذا الاتفاق بعيد كل البعد عن كونه مثاليا لكن إيران ووفقا لكل ما تعرفه السلطات النووية الدولية تفي بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق“.

ورفع الاتفاق بين إيران والقوى العالمية الست في عام 2016 معظم العقوبات الدولية عن إيران مقابل التزامها بتقليص برنامجها النووي الذي يخضع لرقابة مشددة من وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. وأعلن ترامب أنه يعتزم إعادة فرض مجموعة من العقوبات التي رفعها الاتفاق وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على محافظ البنك المركزي الإيراني وثلاثة أفراد آخرين وبنك مقره في العراق.

وقالت إيران إن العقوبات الأمريكية الجديدة محاولة لإخراج جهود إنقاذ الاتفاق عن مسارها. ونسبت وكالة أنباء فارس إلى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي قوله ”بمثل هذه الإجراءات التدميرية تحاول الحكومة الأمريكية التأثير على إرادة باقي الموقعين على خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) وقرارهم“. ووصفت إيران العقوبات بأنها غير مشروعة وحذرت من أنه إذا فشلت المحادثات لإنقاذ الاتفاق فإنها ستطور برنامجها النووي إلى مستوى أكثر تقدما من ذي قبل.

وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن ترامب توقع أن تنسحب إيران من الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة لكن الجمهورية الإسلامية رفضت أن تنساق وراء هذا المخطط بسعيها لإنقاذ الاتفاق مع الأطراف التي لا تزال ملتزمة به. ونقلت وكالة الطلبة الإيرانية للأنباء عن روحاني قوله ”ألقى ترامب ورقته الأولى لكنه أخطأ حساب خطوته الثانية... لأن إيران لم تنساق وراء هذا المخطط“. وقال روحاني إن إيران لن تستسلم للضغوط الأمريكية. بحسب رويترز.

ونسبت إليه وكالة الطلبة الإيرانية للأنباء قوله ”يعتقدون أنهم يستطيعون أن يحملوا الأمة الإيرانية على الاستسلام بالضغط على إيران بالعقوبات بل وبالتهديد بالحرب... الأمة الإيرانية ستقاوم المخططات الأمريكية“. غير أن كبير مستشاري الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي شكك في أن تكون المحادثات مع الدول الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي مثمرة. ونقلت وكالة أنباء فارس عن علي أكبر ولايتي قوله ”أشك في أن تكون المحادثات مع الأوروبيين مثمرة. آمل أن نرى نتائج طيبة... علينا أن نصبح معتمدين كليا على أنفسنا“. وتعهدت القوى الأوروبية بالإبقاء على الاتفاق دون الولايات المتحدة وذلك بمحاولة الحفاظ على تدفق النفط الإيراني والاستثمار مع طهران لكنها أقرت بأنها ستسعى جاهدة لتقديم الضمانات التي تطلبها الجمهورية الإسلامية.

العلاقات الاوربية مع إيران

في السياق ذاته يبحث قادة الاتحاد الأوروبي خيارات للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني وحماية تعاونهم الاقتصادي مع طهران بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق. لكن من غير المتوقع أن يتخذ قادة دول الاتحاد، وعددها 28 دولة، أي قرارات سريعة وقال دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي أود أن يعيد نقاشنا التأكيد دون أدنى شك على أنه طالما تحترم إيران بنود الاتفاق، فإن الاتحاد الأوروبي سيحترمها أيضا. وبذلت دول أوروبية كبرى جهودا لحماية استثمارات شركاتها في إيران وسعت للحفاظ على تطبيق الاتفاق النووي مع طهران بعد انسحاب واشنطن منه وتهديدها بفرض عقوبات على شركات أوروبية.

يأتي ذلك في إطار سلسلة من الأنشطة الدبلوماسية بعد انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق. ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق بأنه ”مريع ومن جانب واحد“. وترافقت الخطوة مع تهديد بتوقيع عقوبات على أي شركات أجنبية تقوم بأنشطة في إيران. وقال وزير المالية الفرنسي برونو لو مير إن دول الاتحاد الأوروبي ستقترح على المفوضية الأوروبية إجراءات تحول دون توقيع العقوبات.

وقال لو مير للصحفيين ”هل نقبل بعقوبات خارج حدود (أمريكا)؟ الإجابة هي لا... هل نقبل بأن تكون الولايات المتحدة الشرطي الاقتصادي للكوكب؟ الإجابة هي لا... هل نقبل إخضاع أوروبا في شؤون تجارية؟ الإجابة هي لا“. في الوقت نفسه اتفقت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي مع ترامب في اتصال هاتفي على ضرورة إجراء محادثات لمعرفة مدى وكيفية تأثير العقوبات الأمريكية على الشركات الأجنبية العاملة في إيران. وقالت متحدثة باسم ماي إنها قالت لترامب إن بريطانيا وشركاءها الأوروبيون ما زالوا ”ملتزمين تماما“ بضمان مواصلة تطبيق الاتفاق باعتباره أفضل سبيل لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.

وتحدث لو مير ووزير المالية الألماني أولاف شولتس إلى وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين وحثاه على بحث منح الشركات الموجودة بالفعل في إيران إعفاءات وتأجيلات من العقوبات. وقال لو مير إنه يسعى للتوصل إلى إعفاءات ملموسة للشركات الموجودة بالفعل في إيران بما يشمل رينو وتوتال وسانوفي ودانون وبيجو. وقال شولتس إنه طلب أيضا إجراءات ملموسة لمساعدة الشركات الألمانية وفقا لما ذكرته صحيفة هاندلسبلات.

وتريد ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عقد محادثات أوسع نطاقا بشأن برنامج إيران للصواريخ الباليستية وأنشطتها العسكرية الإقليمية بما يشمل سوريا واليمن. وقالت ميركل التي ناقشت الأمر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق ”المدى الذي يمكننا أن نبقي فيه على هذا الاتفاق مطبقا... هو أمر يحتاج لأن يطرح للنقاش مع إيران“. وظهرت انقسامات في إيران بشأن طبيعة الخطوة المقبلة التي يجب اتخاذها في تصريحات لرجل الدين الإيراني البارز أحمد خاتمي إذ قال للمصلين في جامعة طهران إنه لا يمكن الوثوق بالدول الأوروبية.

وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن طهران ستبقى في الاتفاق النووي المبرم في 2015 بشرط بقاء الفوائد التي تعود عليها بموجبه من باقي الدول الموقعة عليه. وقالت إيران إنها طلبت من شركة إيرباص الأوروبية الإعلان عن نواياها فيما يتعلق بصفقة طائرات مع طهران بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. ولا يبدو الاستمرار في الصفقة مرجحا بعد أن قال منوتشين إنه سيتم إلغاء التراخيص التي تسمح لإيرباص ومنافستها بوينج ببيع طائرات ركاب لإيران. وقال لو مير إن باريس ستسعى لتعزيز القدرة الأوروبية على منع تطبيق العقوبات وتوفير تمويل للاستثمارات للشركات. ودعا لإنشاء هيئة للرقابة على تطبيق قواعد العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

ويخشى البعض من أن يكون هامش المناورة والتحرك لدى أوروبا محدودا. ويقول بيتر باير المفوض الألماني للعلاقات عبر الأطلسي ”الأوروبيون في الموقف الأضعف لأنهم ليسوا موحدين“ مضيفا أن قوة ترامب تكمن في أنه لا يحتاج إلى الوحدة. ووفقا لبيانات الجمارك تضاعفت الصادرات الفرنسية لإيران لتسجل 1.5 مليار يورو (1.79 مليار دولار) العام الماضي مدفوعة بصادرات الطائرات وقطع غيار السيارات. وزادت صادرات السلع الألمانية إلى إيران بنحو 400 مليون يورو لتصل إلى ثلاثة مليارات يورو. وهناك نحو 120 شركة ألمانية لديها عمليات وموظفين في إيران بينها سيمنز فيما تمارس نحو 10 آلاف شركة ألمانية أنشطة مع إيران. بحسب رويترز.

وقال وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير لراديو (دويتشه لاند فونك) ”نحن مستعدون للحديث إلى جميع الشركات المهتمة بشأن ما يمكننا أن نفعله للحد من التداعيات السلبية... هذا يعني أن الأمر يتعلق بتحجيم الأضرار إلى أضيق الحدود“. لكن سفير الولايات المتحدة في برلين ريتشارد جرينيل قال إن الشركات يجب أن تشك في أخلاقيات تنفيذ أنشطة مع إيران. وقال جرينيل لصحيفة بيلد الألمانية ”ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ... نفسها تقول إن إيران تشكل تهديدا. هل تريدون إذا أن تنخرطوا في أعمال مع تهديد؟“ لكن ميركل كانت أكثر صراحة. وقالت خلال حفل في كنيسة في مدينة مونستر غرب ألمانيا ”إذا ما فعل الجميع ما يودون فهذه أنباء سيئة للعالم... (لكن) من مصلحتنا أن تكون لدينا علاقات قوية عبر الأطلسي“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1