قضية التواجد الروسي في سوريا لا تزال محط اهتمام واسع، خصوصا وانه يختلف كثيرا عن أي تواجد أجنبي آخر، فقوات روسيا هناك كما نقلت بعض المصادر تبدو أنها تشارك في كل شيء، من قتال، وإغاثة، واتفاقات مصالحة، وحتى عمل الشرطة المحلية في فض الخلافات بين المدنيين، ولعل الحادثة الاخيرة التي راح ضحيتها الكثير من المدنين الروس قد فتحت باب للجدل حول طبيعة عملهم في سوريا، خصوصا وان العديد من التقارير تحدثت عن وجود المرتزقة الروس الذين كانوا في غمرة القتال جنباً إلى جنب مع القوات الحكومية السورية، بسبب الضربة الأمريكية لهم والتي أسفرت عن مقتل وجرح العشرات منهم في دير الزور.

ولم يتضح سبب هجوم أولئك الروس على قاعدة عسكرية كردية يتواجد فيها مستشارون أمريكييون، واكدت بعض المصادر إن قائد المرتزقة الروس في سوريا هو العميد السابق ديمتري أوتكين، وهو من المقاتلين السابقين في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، وكان يعرف بالإسم الحركي "فاغنر". وتفيد تقارير إعلامية روسية نقلا عن مصادر عسكرية أن "أوتكين" خدم في وقت سابق في لواء القوات الخاصة التابعة للمخابرات العسكرية الروسية، وأنه ذهب إلى سوريا مع مجموعة من المقاتلين تجندهم شركة تدعى "سلاف كوربس"، في عام 2013 حيث كانت أولى مشاركاته هناك.

وتضم فاغنر حوالي 2500 رجل روسي، يصل راتب الضابط الواحد منهم إلى 5300 دولار شهرياً. تعمل فاغنر لصالح شركة عسكرية خاصة، ولم يتضح إلى الآن عدد قتلاها من الضربة الأمريكية. ولم يتضح سبب هجومها على قاعدة عسكرية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أدرجت في يونيو/حزيران 2017 مجموعة فاغنر على قائمة الأفراد والكيانات الروسية الخاضعة للعقوبات بسبب مشاركتها في الصراع الأوكراني. وقالت إن الشركة العسكرية الخاصة التي تعمل لصالحها هذه المجموعة أرسلت جنوداً للقتال إلى جانب الانفصاليين الأوكرانيين في شرق أوكرانيا. وأضافت واشنطن قائد هذه المجموعة "أوتكين" إلى لائحة الخاضعين للعقوبات.

ووفقا لتحليل أجراه قسم المتابعة الإعلامية في بي بي سي، تستخدم "فاغنر" قاعدة تدريبية في مولكينو، في منطقة كراسنودار في جنوب روسيا، وهي ليست بعيدة عن شرق أوكرانيا. وتقول التقارير إن فاغنر شاركت في عملية سيطرة روسيا عسكرياً على شبه جزيرة القرم الأوكرانية في مارس/آذار 2014، وفي إثارة التمرد الذي اندلع في منطقتي دونيتسك ولوهانسك الأوكرانيتين لصالح روسيا في الشهر الذي تلاه.

ولا تعترف روسيا رسمياً بوجود أي من مرتزقة لها في سوريا وبالتالي يمكنها نفي وقوع أي إصابات أو قتلى لها. ويشبه دورهم دور المقاتلين الأمريكيين المنتشرين في العراق على نطاق واسع. فبعد أن تكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة في حرب فيتنام، وحرب أفغانستان التي كلفت روسيا الكثير، بالإضافة إلى الغضب الشعبي العام، قام البلدان بخصخصة الحرب في السنوات الأخيرة.

وقال ضابط سابق في فاغنر لم يكشف عن اسمه، إنه عندما ساعدت روسيا قوات الحكومة السورية في استعادة السيطرة على مدينة تدمر من أيدي تنظيم داعش، كانت المهام الأولى موكلةً لرجال "فاغنر" الذين كانوا أول من دخلها، ثم تلتها القوات البرية الروسية ثم العرب والكاميرات. ويعتقد أن "فاغنر" تتلقى الدعم المادي من رجل أعمال غني مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين يدعى "يفغيني بريغوزين" وهو مدرج على لائحة العقوبات الأمريكية بسبب صلته بالانفصاليين في شرق أوكرانيا.

وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول 2016، إن بريغوزين لديه "معاملات تجارية واسعة" مع وزارة الدفاع الروسية وكان مرتبطاً ببناء قاعدة عسكرية جديدة بالقرب من أوكرانيا. نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مصادر استخباراتية لم تذكر اسمها ان "بريغوزين" كان على اتصال وثيق بالكرملين في الفترة التي سبقت الهجوم على قاعدة قوات سوريا الديمقراطية العسكرية في السابع من فبراير/شباط 2018 في دير الزور التي تقع فيها حقول النفط. ووفقا للتقرير، أظهرت الاتصالات التي تم رصدها أن بريغوزين شارك أيضاً في التخطيط العملي مع المسؤولين السوريين، قبل بدء الهجوم. ونفى الكرملين أن تكون هناك أي قوى عسكرية روسية منظمة للقيام بتلك العملية واعترفت بسقوط عشرات القتلى والجرحى الروس دون إعطاء المزيد من المعلومات حول ذلك.

مدنيون روس في سوريا

وفي هذا الشأن يقول الكرملين إن لا صلة له بمدنيين روس يحاربون في سوريا لكن مراسلي رويترز شاهدوا في ثلاث مناسبات في الآونة الأخيرة مجموعات من الرجال القادمين من دمشق وهو يتوجهون مباشرة إلى قاعدة تابعة لوزارة الدفاع في مولكينو. ووفقا لمعلومات على موقع الكرملين الإلكتروني فإن مولكينو في جنوب غرب روسيا هي موقع تمركز الفرقة العاشرة من القوات الخاصة الروسية.

وتوفر الوجهة التي يصل إليها الروس القادمون من سوريا دليلا نادرا على مهمة روسية سرية بعيدا عن الضربات الجوية وتدريب القوات السورية والعدد الصغير من القوات الخاصة الذي تعترف به موسكو. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إنه ربما يوجد روس في سوريا ”لكنهم ليسوا جزءا من القوات المسلحة لروسيا الاتحادية“. وأحال رويترز إلى وزارة الدفاع عندما سألته لماذا يعود مدنيون يحاربون في سوريا إلى قاعدة عسكرية. ولم ترد الوزارة بعد.

وسُئل ضابط من الفرقة العاشرة للقوات الخاصة لماذا يدخل أشخاص غير عسكريين القاعدة العسكرية فأجاب ”على حد علمي لا أحد يدخلها... رأيتموهم بالطبع لكن ينبغي ألا تصدقوا كل شيء... ربما يمكنكم ذلك. لكن كيف نستطيع التعقيب على ما تقوم به منظمات أخرى؟“ وتقول عدة مصادر بينها متعاقد إن أكثر من 2000 متعاقد روسي يحاربون لمساعدة القوات السورية على استعادة أراض من معارضيها. وذكرت المصادر أن المتعاقدين يسافرون من وإلى سوريا على متن طائرات شركة أجنحة الشام السورية.

وشاهد مراسلو رويترز طائرة مستأجرة تتبع شركة أجنحة الشام وهي تهبط في مطار روستوف أون دون قادمة من دمشق يوم 17 أبريل نيسان ورأوا مجموعات من الرجال يغادرون المطار من مخرج منفصل عن الذي يستخدمه الركاب العاديون. وركب هؤلاء الرجال ثلاث حافلات نقلتهم إلى منطقة يستخدمها موظفو المطار بشكل أساسي. وجلبت حاملة أمتعة حقائب ضخمة ثم نزل الرجال الذين يرتدون ملابس مدنية من الحافلات ليضعوا حقائبهم فيها ثم صعدوا مرة أخرى.

وغادرت الحافلات المطار بعد ذلك في قافلة متوجهة صوب الجنوب. وتوقفت حافلتان قرب مقاه على طول الطريق بينما توقفت الثالثة على جانب الطريق. ووصلت الحافلات الثلاث قرية مولكينو على بعد 350 كيلومترا جنوبا قبل منتصف الليل. وفي القرية توقفت كل حافلة لمدة دقيقة أو اثنتين عند نقطة تفتيش يراقبها اثنان من أفراد الأمن على الأقل قبل مواصلة رحلتها. وبعد نحو 15 أو 20 دقيقة عادت الحافلات إلى نقطة التفتيش مرة أخرى وهي خاوية. وتظهر خرائط أقمار صناعية متاحة علنا أن هذا الطريق يقود إلى منشأة عسكرية.

وأبلغ عدد من الأقارب والأصدقاء ومن يجندون المقاتلين أن متعاقدين خصوصيين روسا لديهم معسكر تدريب في مولكينو منذ الوقت الذي كانوا فيه يقاتلون في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين المؤيدين لروسيا. ويقول موقع وزارة الدفاع على الإنترنت إن المنشأة العسكرية معروفة بميدان رمايتها الذي جرى تجديده في الآونة الأخيرة، حيث يتدرب الجيش على عمليات مكافحة الإرهاب والمعارك بالدبابات والقنص.

واتصلت رويترز بمالكي بعض الحافلات التي تنقل المتعاقدين من المطار. وقالوا إنهم يؤجرون هذه الحافلات لكنهم رفضوا تحديد هوية المستأجرين. وقال أحدهم إن الرحلة لمولكينو ربما تكون انحرافا عن الطريق. وجرى استيراد إحدى الحافلات، وهي من طراز نيوبلان وتحمل شعار شركة سياحية إلى روسيا عام 2007 وسُجلت أول مرة في بلدة بيتشوري. وسبق أن قاد ديمتري أوتكين الذي تقول ثلاثة مصادر إنه زعيم المتعاقدين، وحدة تابعة للقوات الخاصة كانت متمركزة في بيتشوري.

مقتل 39 عسكري

الى جانب ذلك قال مسؤولون روس إن طائرة نقل عسكري روسية سقطت في سوريا مما أدى إلى مقتل كل من كانوا على متنها وعددهم 39 شخصا في حادث يرفع بشكل كبير عدد قتلى العملية التي يقوم بها الكرملين في سوريا. وكان الرئيس فلاديمير بوتين أمر في ديسمبر كانون الأول ببدء سحب ”جزء كبير“ من القوة العسكرية الروسية في روسيا معلنا أنها أنجزت عملها إلى حد بعيد. وقال الكرملين في بيان إن الطائرة وهي سوفيتية التصميم من طراز أنتونوف-26 تحطمت في قاعدة حميميم الجوية الروسية بمحافظة اللاذقية. وأضاف الكرملين أن خللا فنيا ربما يكون وراء سقوط الطائرة.

ونقلت وكالة إنترفاكس عن وزارة الدفاع قولها ”وفقا لأحدث المستجدات، فقد كانت طائرة النقل أنتونوف-26، التي سقطت في قاعدة حميميم الجوية، تقل 33 راكبا وطاقما من ستة أفراد. جميعهم (الركاب) من أفراد القوات المسلحة الروسية“. وأضافت أن أفراد ”الطاقم والركاب لقوا حتفهم“. وكانت وكالات أنباء نقلت عن الوزارة قولها في وقت سابق إن 32 شخصا هم ركاب الطائرة وأفراد طاقمها قُتلوا في الحادث ولكن تم تعديل هذا الرقم فيما بعد.

ونقل التلفزيون الرسمي الروسي عن مسؤولين عسكريين قولهم إن الطائرة لم تسقط بنيران معادية. وأضاف أن الحادث وقع لدى هبوط الطائرة في حميميم وإنها سقطت على بعد نحو 500 متر من المدرج. وقال رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيدف في برقية عزاء إن الطائرة تحطمت أثناء عودة العسكريين للقاعدة بعد إنهاء مهمة قتالية لم يفصح عنها.

وقال الكرملين إن وزير الدفاع سيرجي شويجو أطلع بوتين على الحادث في اتصال هاتفي، وإن الرئيس الروسي بعث بتعازيه إلى أقارب وزملاء القتلى. وحول التدخل العسكري الروسي في سوريا دفة القتال لصالح الرئيس بشار الأسد حليف بوتين. وتم تصوير هذا التدخل داخل روسيا على أنه استعراض للقوة العسكرية الروسية الناهضة. ورغم ذلك فقد كان التدخل مكلفا. ويشير إحصاء استند إلى بيانات رسمية قبل الحادث الذي وقع إلى أن 44 عسكريا روسيا قتلوا في سوريا منذ بدء العملية في سبتمبر أيلول 2015.

وفي حادث وقع في فبراير شباط من العام الجاري أسقط مقاتلو المعارضة السورية طائرة حربية روسية. وقفز الطيار من الطائرة وقُتل على الأرض خلال اشتباك مع مقاتلي المعارضة. وبالإضافة إلى هؤلاء القتلى سقطت طائرة كانت تقل فرقة موسيقية عسكرية روسية في البحر الأسود أثناء توجهها إلى سوريا في ديسمبر كانون الأول 2016 مما أدى إلى مقتل كل من كانوا على متنها وعددهم 92 شخصا.

وبموجب مرسوم وقعه بوتين لا يتعين على السلطات الروسية الكشف عن كل قتلى الجيش في سوريا لأن ذلك يصنف على أنه من أسرار الدولة. ولا يشمل عدد القتلى الرسمي المتعاقدين من شركات خاصة مع الجيش، والذين قال أشخاص على إطلاع على عملية انتشار الجيش إنهم يقاتلون في سوريا دعما للعملية الروسية. وتنفي موسكو وجود مثل هؤلاء الأشخاص. وكانت ثلاثة مصادر مطلعة ذكرت أن نحو 300 رجل يعملون لحساب شركة عسكرية روسية خاصة مرتبطة بالكرملين قتلوا أو أصيبوا في سوريا عندما هاجمت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ركب سياراتهم. بحسب رويترز.

وتشير استطلاعات للرأي إلى أن معظم الروس يدعمون العملية في سوريا. لكن ديمتري جودكوف وهو نائب سابق في البرلمان وأحد معارضي بوتين قال إن هناك أسئلة بشأن هذه الحملة يتعين على الكرملين الإجابة عليها. وقال جودكوف في تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي ”كيف يبدو سحب القوات الآن؟‭‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬‬من أجل أي شيء يموت هؤلاء الأشخاص؟ متى ستنتهي هذه الحرب التي لا معنى لها؟“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2