العلاقات الفلسطينية الأميركية تشهد توترا شديدا، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل والعمل على ننقل السفارة الأمريكية للقدس، وهو ما أنهى وبحسب بعض المراقبين امال الكثير في الوصول الى حلول جذرية لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث أكدوا انه ليس بإمكان الولايات المتحدة بعد اليوم لعب دور الوسيط في عملية السلام، والتطورات الاخيرة والحرب الكلامية المتصاعدة بين ترامب والقيادة الفلسطينية ستسهم ايضا في خلق صراع جديد وخطير خصوصا مع تعصب ترامب الذي سعى الى استخدام ضغوط وتهديدات جديدة ضد الفلسطينيين لإجبارهم على قبول هذا القرار، حيث هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بوقف المساعدات الامريكية المقدمة، قائلًا: قد نوقف التمويل للفلسطينيين لأنهم لم يعودوا مستعدين للمشاركة في محادثات السلام". وكتب ترامب على تويتر: واشنطن تعطى الفلسطينيين "مئات الملايين من الدولارات سنويا ولا تنال أي تقدير أو احترام، هم لا يريدون حتى التفاوض على اتفاقية سلام طال تأخرها مع إسرائيل"

هذه التحركات اثارت ايضاً غضب الشارع الفلسطيني، فقد أظهر استطلاع رأي ان قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاعتراف بمدينة القدس كعاصمة لاسرائيل، ادى الى تعزيز دعم الفلسطينيين "للكفاح المسلح". وافاد الاستطلاع الفلسطيني-الاسرائيلي المشترك ان عدد الفلسطينيين الذين اعربوا عن دعمهم "للكفاح المسلح" ضد اسرائيل، ارتفع بمعدل الضعفين تقريبا مقارنة باستطلاع مماثل اجري قبل اشهر. وأشار الاستطلاع ايضا الى تراجع الدعم لحل الدولتين.

وأجري الاستطلاع على عينة تمثيلية مؤلفة من 1270 فلسطينيا في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين وقطاع غزة، في الايام التي أعقبت اعتراف ترامب بمدينة القدس كعاصمة للدولة العبرية. وردا على سؤال لاعطاء الافضلية من أربعة خيارات للخطوة المقبلة في العلاقات الفلسطينية-الاسرائيلية، أشار 38,4% من الفلسطينيين الى تفضيلهم "للكفاح المسلح"، بينما دعا 26,2% فقط منهم الى التوصل الى اتفاق سلام. وفي حزيران/يونيو الماضي، أجري استطلاع مماثل اشار فيه 21% من الفلسطينيين الذين استطلعت آراؤهم الى تفضيلهم للكفاح المسلح، مقابل دعم 45% منهم لاتفاق سلام.

حرب الكلامية

وفي هذا الشأن وبعد الضربة التي وجهها للفلسطينيين باعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل، صعد الرئيس الاميركي دونالد ترامب لهجته مهددا بوقف المساعدة الاميركية للفلسطينيين اذا لم تعد قيادتهم الى مفاوضات السلام المتوقفة منذ سنوات. وقال ترامب اثناء لقاء حار مع رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو في اطار منتدى دافوس بسويسرا "لقد قللوا (الفلسطينيون) من احترامنا برفضهم استقبال نائب الرئيس الرائع" مايك بنس. واضاف "لقد اعطيناهم مئات ملايين" الدولارات و"لن يدفع لهم هذا المال الا اذا جلسوا وفاوضوا من اجل السلام" علما بان المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية متوقفة منذ 2014.

وجاء الرد الفلسطيني فوريا على ترامب اذ اكدت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي ان "عدم لقاء ظالمك ليس دليلا على عدم الاحترام، بل دليل على احترامك لذاتك". واضافت عشراوي أن "هؤلاء الذين لم يكتفوا بعدم احترام حقوق الفلسطينيين بل وخرقوا القانون الدولي (...) هم هؤلاء في الادارة الاميركية الذين قرروا الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل".

من جهته، قال نتانياهو "انا مستعد للسلام وقد اوضحت ذلك للرئيس ترامب .. اكدت له مجددا رغبتي ورغبة اسرائيل في القيام بجهد للتوصل الى السلام مع الفلسطينيين". وكانت الرئاسة الفلسطينية قررت مقاطعة بنس اثناء جولة قصيرة شملت اسرائيل والاردن ومصر بين 20 و23 كانون الثاني/يناير. وغادر نائب الرئيس الاميركي المنطقة بدون ان يجتمع بالمسؤولين الفلسطينيين. وقال ترامب "الموضوع الاصعب في المباحثات كان القدس. سحبنا القدس (من المباحثات) وبالتالي لم تعد موضع تباحث". واضاف "لدينا اقتراح سلام. انه اقتراح ممتاز للفلسطينيين (..) سنرى ما سيحدث". وتابع ترامب ان الاسرائيليين "يريدون السلام وآمل بان يكون الفلسطينيون يريدون السلام. واذا ارادوا فان الجميع سيكون راضيا في النهاية".

واجج ترامب الصراع حول القدس في 6 كانون الاول/ديسمبر 2017 باعلانه الاعتراف بها عاصمة لاسرائيل. وقطع بذلك مع عقود من الاجماع الدولي على وجوب اللجوء الى المفاوضات لحل النزاع حول المدينة المقدسة التي تشكل احدى اكثر قضايا التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين تعقيدا. وقتل منذ ذلك التاريخ 18 فلسطينيا واسرائيلي واحد في مواجهات واعمال عنف. واعتبرت الرئاسة الفلسطينية ان قرار ترامب قضى على مصداقية واشنطن كوسيط في جهود السلام. وجمد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الاتصالات مع المسؤولين الاميركيين، وهو يبذل مساعي لحشد الدعم لمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.

على صعيد متصل قالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي إن بلادها لن تسعى ”لاسترضاء قيادة فلسطينية تفتقر للإرادة المطلوبة لتحقيق السلام“. وخلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول الشرق الأوسط، انتقدت هيلي خطابا ألقاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني في رام الله حيث قال إنه لن يقبل إلا بلجنة موسعة مدعومة دوليا للتوسط في أي محادثات سلام مع إسرائيل.

وقال عباس في الخطاب وقتها ”لن نقبل بما تميله علينا أمريكا من صفقة ولن نقبل بها وسيط بعد الجريمة التي ارتكبتها بحق القدس لكننا نقبل برعاية أممية لأي عملية سياسية تهدف لإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام“. وقالت هيلي ”خطاب يغوص في نظريات المؤامرة الشائنة والتافهة ليس خطاب شخص يمتلك الشجاعة والرغبة في السلام“. وقالت هيلي ”الولايات المتحدة ما زالت ملتزمة بقوة بمساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين على التوصل لاتفاق سلام تاريخي... لكننا لن نسعى لاسترضاء قيادة فلسطينية تفتقر للإرادة المطلوبة لتحقيق السلام. لتحقيق نتائج تاريخية نحتاج لقادة شجعان“. بحسب رويترز.

ووصف رياض منصور مبعوث فلسطين للأمم المتحدة، الذي تحدث أمام مجلس الأمن قبل هيلي، اتهامات إسرائيلية مشابهة لعباس بأنه ليس الرجل المناسب للسلام بأنها أمر ”مشين“. وأضاف أن الإسرائيليين يحاولون مجددا صرف انتباه المجتمع الدولي والإفلات من تحمل مسؤولية الجمود السياسي والوضع المؤسف من خلال إطلاق ”مثل تلك المزاعم الكاذبة والمخزية“.

رد فلسطيني

الى جانب ذلك أكد أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات انه لن يكون هناك اي مباحثات او تواصل مع ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب لحين التراجع عن الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لاسرائيل. وقال عريقات ان القرار يأتي في اطار "حقبة أميركية جديدة تنتقل من المفاوضات الى الاملاءات".

وتأتي تصريحات عريقات مع ازدياد التوتر في العلاقات مع الادارة الاميركية منذ قرار الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل والتوجيه بنقل السفارة الأميركية إليها، ما أثار ادانات حازمة من العالمين العربي والاسلامي ومن المجتمع الدولي. وهدد ترامب بتجميد مئات ملايين الدولارات التي تقدمها الولايات المتحدة كمساعدات للفلسطينيين لحين عودتهم الى طاولة المفاوضات. وأثار ترامب غضبا فلسطينيا بتأكيده ان قراره حول القدس "أزال عن طاولة" المفاوضات قضية القدس.

وقامت واشنطن بتجميد 65 مليون دولار اميركي مخصصة لوكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا). وأكد عريقات انه في مواجهة ما يراه الفلسطينيون كادارة اميركية منحازة بوضوح للدولة العبرية، سيدعون الى مؤتمر دولي في جهود لحشد الدعم الدولي لحل الدولتين. وردا على سؤال حول اجراء اي اتصالات مع ادارة ترامب في حال عدم تراجعها عن قرار القدس، أجاب عريقات "كيف يمكن ذلك؟" واضاف "سمعتم ما قاله الرئيس ترامب في دافوس. قال أزلنا القدس عن طاولة" المفاوضات.

واعتبر عريقات انه "في اللحظة التي يقوم بها اي فلسطيني بلقاء مسؤولين أميركيين، فانه قبول بقرارهم. والآن يهددونا بالمال، والمساعدات وغيره". وتابع "تعهدوا بعدم فرض اي حل، والآن يرغبون في عقد اجتماع من اجل الاجتماع". واعتبر عريقات ان الادارة الاميركية تقول للفلسطينيين "تعالوا هنا يا اولاد، نحن نعلم ما هو جيد بالنسبة لكم". بحسب فرانس برس.

ورفض عريقات تصريحات السفيرة الاميركية لدى الامم المتحدة نيكي هايلي عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتي قالت فيها انه يفتقد للشجاعة التي يحتاجها التوصل الى اتفاق سلام. واتهم عريقات هايلي بأنها تدعو الى "انقلاب" في تصريحاتها هذه. ورفض عباس خطة ترامب للسلام واصفا اياها بأنها "صفعة العصر".

انتقادات متواصلة

في السياق ذاته بعث رؤساء 21 وكالة إغاثة إنسانية رسالة إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاعتراض ”بأشد العبارات“ على قرار بتعليق 65 مليون دولار من المساهمات الأمريكية المقررة لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). وجاء في الرسالة أن رؤساء وكالات الإغاثة حذروا من ”عواقب وخيمة“ إذا تم الإبقاء على خفض المعونة. وقالت الرسالة ”نشعر بقلق عميق إزاء العواقب الإنسانية لهذا القرار بخصوص المساعدات الضرورية للحياة بالنسبة للأطفال والنساء والرجال في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة“.

وقال إيريك شوارتز، رئيس وكالة (ريفيوجيز إنترناشيونال)، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق لشؤون السكان واللاجئين والهجرة، إن التعليقات التي أدلت بها السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هيلي الغرض منها هو معاقبة الزعماء السياسيين الفلسطينيين وإجبارهم على تقديم تنازلات سياسية. وأضاف شوارتز في الرسالة ”لكن من الخطأ معاقبة الزعماء السياسيين بحرمان المدنيين من المساعدات الضرورية للحياة. هذه مخالفة خطيرة وصارخة للسياسة الأمريكية بشأن المساعدات الدولية الإنسانية وهو ما يتناقض بشدة مع القيم التي تتبناها الإدارات الأمريكية والشعب الأمريكي“.

كما قالت الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة لن تقدم مساعدات غذائية منفصلة قيمتها 45 مليون دولار تعهدت بتقديمها للفلسطينيين في إطار برنامج (النداء الطارئ للأراضي الفلسطينية المحتلة) الذي تقوده (أونروا). ومن المرجح أن يؤدي قرار حجب بعض الأموال إلى زيادة صعوبة استئناف محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية ويلحق مزيدا من الضرر بثقة العرب في قدرة الولايات المتحدة على أداء دور الوسيط النزيه.

من جنب اخر أغلقت مدارس ومستشفيات ومراكز لتوزيع الغذاء في قطاع غزة بسبب إضراب ليوم واحد نظمه الآلاف من موظفي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي تقدم مساعدات للفلسطينيين. وشعر الموظفون الفلسطينيون بالغضب بسبب قرار الولايات المتحدة خفض مساهمتها السنوية في تمويل أونروا، قائلين إن ذلك سيزيد المصاعب التي تواجهها غزة. ويعتمد أكثر من نصف سكان قطاع غزة البالغ عددهم مليونا نسمة على دعم أونروا ومنظمات إنسانية أخرى. بحسب رويترز.

وناشدت أونروا، التي تدير 278 مدرسة في قطاع غزة تضم نحو 300 ألف تلميذ، المجتمع الدولي تقديم تمويل لها. وقال ماتياس شمالي مدير أونروا في غزة والذي رافق المحتجين ”لا نعرف كيف ندفع ثمن الغذاء الذي نوزعه حاليا... مبعث قلقي الأكبر في الوقت الحالي هو كيف سأتمكن من توزيع الغذاء في أبريل في الأساس“. وتمول أونروا بالأساس عن طريق مساهمات طوعية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والولايات المتحدة هي أكبر مساهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0