مع استمرار الصراع في سوريا الذي دخل اليوم صفحة جديدة وخطيرة، بعد التدخل العسكري التركي في عفرين لمقاتله وحدات حماية الشعب الكردية، واقتراب المعارك ضد تنظيم داعش الارهابي من نهايتها بعد ان مني بخسائر كبيرة في الفترة الاخيرة، تفاقم الصراع والتنافس وكما نقلت بعض المصادر، من جديد بين الولايات المتحدة وروسيا في محاولة كل منهما لتأمين مصالحه على المدى البعيد، مع تقديمهما الدعم اللازم للحفاء سواء أكان عبر الغطاء السياسي أو العسكري مستخدمين ما استطاعوا من نفوذ لتحقيق مصالح سياسية وغايات بعيدة المدى على مستوى التواجد العسكري أو المصالح الاقتصادية في سوريا التي اصبحت اقرب الى التقسم.

ويرى بعض المراقبين ان الولايات المتحدة الامريكية الداعم الاول لوحدات حماية الشعب الكردية، والتي تحاول ان تجعلها الركيزة الأساسية لمصالحها ربما ستواجه تحديات كبيرة، خصوصا بعد ان اعلنت عن تشكيل قوى عسكرية كبيرة لحماية الحدود الامر الذي اثار غضب واستياء تركيا، التي سعت الى تغير خططها وتحركاتها السابقة والدخول في تحالف جديد مع الروس، وهو ما قد يغير موازين القوى ويدفع واشنطن الى تقديم تنازلات مهمة في سبيل تامين بعض مصالحها. وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف فقد استبعد رئيس مجلس النواب الاميركي بول راين التوصل الى "تحالف استراتيجي" بين واشنطن وموسكو في سوريا، لكنه أشار الى ان البلدين قد يعملان سويا في حالات معينة.

وقال راين "لا ارى تحالفا استراتيجيا، بل ربما تقارب تكتيكي في أوقات مناسبة"، مضيفا "لا اظن ان روسيا بدورها تتطلع الى ذلك" التحالف الاستراتيجي. وتابع "الأهم بالنسبة لنا في سوريا هو هزيمة تنظيم داعش ومنع ايران من بناء جسور لها في سوريا ومنع حزب الله من ترسيخ موطئ قدم له". وسأل راين "هل هذا امر يمكن ان تتقبله روسيا؟ هل يمكن ان تعيد هيكلة علاقتها بايران حتى يكون لنا التحالف التكتيكي؟ شخصيا لا ارى تحالف استراتيجيا". وتشن موسكو عمليات عسكرية في سوريا منذ ايلول/سبتمبر 2015 دعما لقوات النظام، بينما تدعم الولايات المتحدة فصائل معارضة، الا ان القوتين عملتا على استهداف تنظيم داعش لمنع تمدده في هذا البلد. وروسيا حليفة لايران التي تواجه حملة سياسية ودبلوماسية من قبل ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب المتحفظ على الاتفاق النووي الموقع معها في عهد الرئيس السابق باراك اوباما.

استراتيجية أمريكا

من جانب اخر قال دبلوماسيون عرب وغربيون إن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون سيقدم تصورا لاستراتيجية الولايات المتحدة الخاصة بإحلال الاستقرار في سوريا والدفع قدما بحل سياسي. وقال دبلوماسي من الشرق الأوسط ”سنعرف المزيد في وقت لاحق لكن تيلرسون سيقدم ورقة بشأن سوريا“.

وأشار تيلرسون إلى وجود عسكري أمريكي لأجل غير مسمى في سوريا في إطار استراتيجية أوسع للحيلولة دون عودة تنظيم داعش وتمهيد الطريق أمام مغادرة الرئيس السوري بشار الأسد السلطة في نهاية المطاف. ودعا الوزير الأمريكي في كلمته إلى ”الصبر“ فيما يتعلق برحيل الأسد وذلك في أوضح إشارة حتى الآن على أن الولايات المتحدة قبلت بأن روسيا وإيران عززتا موقف الأسد وبأنه من المرجح ألا يغادر السلطة على الفور. وذكر تيلرسون أن الاستراتيجية الأمريكية ستركز على الجهود الدبلوماسية.

ولم يتضح إلى أي حد سيقدم تيلرسون تصورا مفصلا أو ما إذا كان هذا التصور أساسا للتعامل مع روسيا أحد الداعمين الرئيسيين للأسد. وتستضيف روسيا مؤتمرا للسلام بشأن سوريا في سوتشي يومي 29 و30 يناير كانون الثاني. وسيحضر وزير خارجية تركيا، التي بدأت هجوما عسكريا كبيرا يستهدف وحدات حماية الشعب الكردية في شمال غرب سوريا، اجتماع الأسلحة الكيماوية لكن من غير المقرر أن ينضم إلى المناقشات بشأن استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا.

وتأزمت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة كثيرا بسبب عدد من القضايا من بينها دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا تهديدا أمنيا. ومن المتوقع أن تتفق 29 دولة خلال الاجتماع بشأن الأسلحة الكيماوية على العمل على نحو أوثق لاستهداف مرتكبي الهجمات الكيماوية وفرض العقوبات اللازمة عليهم. وفي خطوة أولى فرضت فرنسا عقوبات أحادية الجانب على 25 شخصا وكيانا من دول منها من الصين ولبنان وفرنسا وبينهم موردون وموزعون للمعادن والإلكترونيات وأنظمة الإضاءة. وقالت فرنسا إن الشركات تساعد في إمداد برنامج الأسلحة الكيماوية السوري. بحسب رويترز.

وكان تحقيق مشترك للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلص إلى أن الحكومة السورية استخدمت غاز الأعصاب (السارين) في هجوم يوم الرابع من أبريل نيسان 2017 كما استخدمت الكلور كسلاح عدة مرات. ووافقت سوريا على تدمير أسلحتها الكيماوية في 2013 بموجب اتفاق توسطت فيه روسيا والولايات المتحدة. وتنفي الحكومة السورية استخدام الأسلحة الكيماوية.

الى جانب ذلك قال الكاتب بي جوش روجين، إن الاستراتيجية الأمريكية في شمال سوريا مثال صارخ على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تزال تفتقر إلى الإرادة والضغط لحل الأزمة السورية، أو حتى الدفاع عن مصالح واشنطن هناك. وأوضح الكاتب، في مقالٍ له نُشر في صحيفة "الواشنطن بوست"، أن وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، حدّد بشكل صحيح التحدّيات التي تواجه أمريكا في سوريا بعد انهيار تنظيم داعش، وقال إن أبرزها هو مواجهة التهديد الإرهابي المستمرّ والنفوذ الإيراني. وبإعلانه بقاء القوات الأمريكية في شمال سوريا فإنه يعترف بأن النفوذ الأمريكي الميداني ضروري لتحقيق هذه الأهداف.

كيانات بديلة

على صعيد قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن الولايات المتحدة، رغم نفيها تشكيل قوات محلية في شمال سوريا، تحاول تشكيل ”كيانات بديلة للسلطة“ بما يتناقض مع الالتزام بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية.زوقال لافروف عبر مترجم في مؤتمر صحفي في الأمم المتحدة ”الولايات المتحدة تحاول تشكيل... كيانات بديلة للسلطة في مناطق واسعة من الأراضي السورية“. وأضاف ”هذه حقيقة وهذا يتناقض مع التزاماتهم ... (بالحفاظ) على سيادة سوريا ووحدة أراضيها“.

وقال التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إنه يعمل مع قوات سوريا الديمقراطية لإنشاء قوة قوامها 30 ألف فرد تعمل على الحدود مع تركيا والعراق وداخل سوريا أيضا. ورد الأسد بالتعهد بسحق القوة الجديدة وطرد القوات الأمريكية من سوريا. ووصفت روسيا الخطط بأنها مؤامرة لتفكيك سوريا ووضع جزء منها تحت سيطرة الولايات المتحدة.

ونفى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن تكون لدى الولايات المتحدة أي نية لإنشاء قوة تنتشر على الحدود بين سوريا وتركيا قائلا إن المسألة التي أغضبت أنقرة لم تطرح بالطريقة الملائمة. وعبرت تركيا عن غضبها وحذرت من توغل وشيك في منطقة عفرين السورية بعد أن قالت واشنطن إنها ستساعد قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية في إنشاء قوة حدودية جديدة.

من جانب اخر أنهى 500 مقاتل تدريباً عسكرياً للانضمام الى قوات الأمن الحدودية التي أعلن التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وتجمع المتدربون وهم يرتدون زيهم العسكري مع أسلحتهم في صفوف متراصة خلال حفل تخرج أقامته قوات سوريا الديموقراطية والتحالف الدولي بحضور قادة من الجانبين. وقال قائد الدورة الثانية لقوات حرس الحدود كاني أحمد "هذه الدورة الثانية لقوات حرس الحدود التي تضم عناصر من كافة مكونات المنطقة" موضحاً أن التحالف "يقدم لهم الأسلحة واللوازم العسكرية والتدريب".

ومن المقرر أن تنتشر هذه القوات بحسب التحالف، على طول الحدود من شمال شرق سوريا مروراً بحدود مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية وصولاً الى ادلب. وتتعلق مهامها بإحباط أي هجوم معاكس قد يبادر اليه تنظيم داعش بعد سلسلة الخسائر التي مني بها في الاشهر الأخيرة في سوريا، بحسب التحالف. وقالت دمشق ان تشكيل "ميليشيا مسلحة" في شمال شرق سوريا "يمثل اعتداء صارخاً على سيادة" سوريا، محذرة من أن كل مواطن سيشارك فيها سيعد "خائناً".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0