ماتزال قضية خروج بريطانيا من الاتحاد من اهم القضايا الاوروبية، خصوصا بعد اتفاق قادة دول الاتحاد الأوروبي على الانتقال إلى المرحلة الثانية، من مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست)، وذلك وفق ما أعلن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك وما تبعها من تطورات جديدة، حيث أكدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي تواجه اليوم تحديات ومشكلات داخلية وخارجية كبيرة، تمسكها بخروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، رافضة بذلك عرضاً من ساسة بارزين من الاتحاد ببقاء بريطانيا فيه. وقالت ماي، في مقابلة مع صحيفة "بيلد" الألمانية "لن يكون هناك استفتاء ثان حول خروج بريطانيا من الاتحاد". وذكرت ماي أن البرلمان أعطى للرأي العام البريطاني الخيار، والرأي العام اتخذ قراره، وقالت: "أرى أنه من المهم أن يحقق الساسة هذا القرار"، وأردفت باللغة الألمانية قائلة: "سنترك الاتحاد الأوروبي وليس أوروبا".

وقالت ماي إن بريطانيا تعتزم الاستمرار في شراكة جيدة مع الاتحاد، مؤكدة أنه لا يمكن لبريطانيا أن تكسر كافة الجسور، موضحة أنه من المهم للغاية بالنسبة لها أن "يعلم الألمان المقيمون في بريطانيا والبريطانيون المقيمون في ألمانيا أن وضعهم آمن وأن بإمكانهم البقاء". وأضافت ماي أنه من مصلحة البلدين أيضا الإبقاء على ترابط اقتصادي وثيق بأهداف طموحة من أجل الازدهار والحفاظ على فرص العمل. وتابعت: "نعتزم التفاوض على اتفاقية تحرير تجارة شاملة وشراكة أمنية"، معربة عن اعتقادها بأن بريطانيا ستتمكن من التوصل إلى نتائج نهائية مع الاتحاد الأوروبي تصب في مصلحة الجميع، وقالت: "الأمر لا يدور هنا حول انتقاء الامتيازات فقط".

يذكر أن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر، ونائبه فرانس تيمرمانس، عرضوا على بريطانيا البقاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك بالتزامن مع الجدل الدائر في بريطانيا حالياً حول إجراء استفتاء ثان بشأن الخروج من الاتحاد. من جانب اخر قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون إن بريطانيا سيكون لديها "حلها الخاص"، للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بعد انسحابها من التكتل. وحذر من أن بريطانيا لن تكون قادرة على اختيار أي جانب من جوانب السوق الأوروبيية الموحدة، تريد الوصول إليه، بدون المساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي وقبول ما تسمى بـ"الحريات الأربع" من بينها حرية حركة العمال وقبول الاختصاص القضائي لمحكمة العدل الأوروبية، حسب ماكرون.

الخروج من الاتحاد

وفي هذا الشأن وافق النواب البريطانيون على مشروع قانون أساسي لتنفيذ بريكسيت بعد نقاشات مسار طويل واجهت خلالها الحكومة صعوبات عدة، وبذلك تم تحويل مشروع القانون إلى مجلس اللوردات حيث يتوقع أن تنتظر حكومة ماي معركة جديدة لإقراره. وأيد 324 عضوا في مجلس العموم مشروع قانون الخروج من الاتحاد الأوروبي وعارضه 295. ويهدف المشروع إلى تمكين المملكة المتحدة من أن تسير أمورها بشكل طبيعي بعد بريكسيت في 29 آذار/مارس 2019، وذلك عبر إنهاء سيادة التشريع الأوروبي على القوانين المحلية.

وقبيل التصويت قال الوزير المكلف بملف بريكسيت ديفيد ديفيس "هذا القانون أساسي لإعداد البلاد للمرحلة التاريخية المتمثلة في الانسحاب من الاتحاد الأوروبي". وأضاف أن القانون "يضمن أنه في اليوم الأول (بعد بريكسيت) سيكون لنا تشريع يعمل، يتيح انسحابا ناعما ومنظما يريده الشعب والشركات في المملكة المتحدة". لا شك أن تبني المشروع يشكل انتصارا للحكومة. لكن مناقشته ستتواصل اعتبارا من 30 كانون الثاني/يناير أمام مجلس اللوردات الذي يؤيد معظم أعضائه الاتحاد الأوروبي وحيث لن يخلو الأمر من عوائق ومفاجآت.

ونبه مصدر في حزب العمال في مجلس اللوردات لوكالة الأنباء الفرنسية إلى أن "معارك كبرى" ستندلع في الأشهر المقبلة حول قضايا دستورية. وتعرضت الحكومة المحافظة لانتقادات من داخل معسكرها خلال اليوم ما قبل الأخير من المحادثات في مجلس العموم. وكان المدعي العام السابق دومينيك غريف من بين أبرز المنتقدين إذ اعتبر أن قرار الحكومة عدم إدراج الشرعة الأوروبية للحقوق الأساسية في القانون هو موقف "متضارب" مع رغبة رئيسة الحكومة تيريزا ماي في "تحديث الحزب المحافظ".

وقال غريف المنتمي إلى المحافظين "نوجه رسالة غريبة حول موقفنا إزاء مواضيع تتعلق بالحقوق الأساسية للعديد من المواطنين خصوصا في ما يتعلق بالمثليين والمتحولين جنسيا". وتابع أن مجلس اللوردات لن يقر مشروع القانون بدون "النظر في هذه المسألة". واعتبر النائب المحافظ برنارد جينكن أنه "من المؤسف" عدم وجود تعديل يتيح تغيير إجراء اقترحته الحكومة حول مسائل من صلاحية المناطق عادة وتريد لندن توليها، إلا أنه أعرب عن الثقة بمجلس اللوردات للنظر في المسألة. وعلق النائب كينيث كلارك "إنهم يتوهمون إذا اعتقدوا أن القانون سيتم إقراره بدون عقبات في مجلس اللوردات".

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، منيت ماي بهزيمة كبيرة عندما صوت 11 من نوابها بقيادة غريف إلى جانب المعارضة العمالية على تعديل يسمح للبرلمان بالتصويت على شروط بريكسيت. ولتفادي انتكاسة جديدة، اضطرت ماي إلى القبول بتعديل قدمه ثلاثة نواب محافظين يتيح إرجاء محتملا لموعد بريكسيت في حال كانت هناك ضرورة لمواصلة المحادثات مع التكتل إلى ما بعد مهلة 29 آذار/مارس 2019.

وعلاوة على النقاش في مجلس اللوردات سيتعين على ماي أن تقود المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول المرحلة الانتقالية قبل تناول العلاقة التجارية بين المملكة المتحدة والتكتل اعتبارا من نيسان/أبريل المقبل. ولن تكون هذه المهمة سهلة بالنسبة إلى ماي، إذ إن عليها التوفيق بين الآراء المنقسمة في حكومتها بين مؤيد لعلاقة تجارية خاصة ومؤيد للقطيعة. بحسب فرانس برس.

وأكد القادة الأوروبيون أن التكتل لا "يزال منفتحا" على عودة بريطانيا عن موقفها بشأن بريكسيت رغم أن ماي استبعدت خيار إجراء استفتاء جديد، وهو ما تطرق إليه النائب البريطاني في البرلمان الأوروبي نايجل فاراج الذي يعد من أشد المدافعين عن بريكسيت قبل أن يتراجع عنه. وأعرب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عن ترحيبه بأي محاولة بريطانية للانضمام مجددا إلى الاتحاد الأوروبي. وقال "حتى لو خرج البريطانيون بموجب البند 50 (من معاهدات الاتحاد الأوروبي)، فهناك كذلك البند 49 الذي يسمح بانضمامهم مجددا وهذا ما أرغب فيه". أما فاراج فاتهم قادة التكتل بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ونائب رئيس الوزراء السابق نيك كليغ "لتتأكدوا من حصولنا على أسوأ اتفاق". إلا أن رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار نفى أن تكون أوروبا تتآمر ضد بريكسيت.

عودة بريطانيا

الى جانب ذلك أعرب رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر عن ترحيبه بأي محاولة بريطانية للانضمام مجددا إلى الاتحاد الأوروبي اثر تلميحات حول فكرة اجراء استفتاء ثان بشأن خروج لندن من التكتل. وياتي تصريح يونكر عن إمكانية عودة لندن إلى الاتحاد بعدما خاطبها رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك قائلا ان "قلوبنا لا تزال مفتوحة لكم" في حال تراجعت عن الانسحاب. وتوالت التصريحات الصادرة عن كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي بشأن عودة بريطانيا عن قرارها منذ تطرق النائب البريطاني في البرلمان الأوروبي نايجل فاراج الذي يعد من اشد المدافعين عن بريكست الى فكرة اجراء استفتاء ثان بشأن الخروج من التكتل بعد استفتاء حزيران/يونيو 2016.

ووصف يونكر، الذي يقود الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، بريكست بـ"الكارثة" معتبرا أن "لا رابح منه سواء بالنسبة لبريطانيا أو الاتحاد الأوروبي".

وقال امام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ "يقول السيد توسك إن أيدينا لا زالت ممدودة. ففي حال رغب البريطانيون بايجاد طريق بديل لبريكست، فنحن على استعداد للحديث". وأضاف "لاحظت وجود رد متململ من لندن حيال هذا الاقتراح. ومع ذلك، فإنه حتى لو خرج البريطانيون بموجب البند 50 (من معاهدات الاتحاد الأوروبي)، فهناك كذلك البند 49 الذي يسمح بانضمامهم مجددا وهذا ما أرغب فيه". وأضاف "كما انني ارغب بأن نتعامل معا بطريقة منطقية دون محاولة التغلب في المناورات على بعضنا البعض".

وردا على الانتقادات بأن الاتحاد الأوروبي لا يزال غير متفهم للمشاعر المشككة بالاتحاد التي ادت الى بريكست، أقر بونكر أن "العديد يتحملون مسؤولية (...) عدم شعور (بريطانيا) بالارتياح بشكل كامل" في التكتل. من جهته، استبعد الناطق باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي اجراء استفتاء ثان. وايد البريطانيون بريكست بنسبة 52 بالمئة مقابل 48 في استفتاء عام 2016 الذي اثار صدمة في العالم وزاد من قلق الاتحاد الاوروبي الذي يواجه عدة أزمات أخرى. بحسب فرانس برس.

وتراجع فاراج عن تصريحاته السابقة المتعلقة بالاستفتاء موضحا أمام البرلمان الأوروبي "سأقول لكم انني لا أريد استفتاء ثانيا بشأن بريكست بكل تأكيد". وأضاف "لكنني أخشى بأنكم تتعاونون جميعا مع (رئيس الوزراء البريطاني السابق) توني بلير و(نائب رئيس الوزراء السابق) نيك كليغ لتتأكدوا من حصولنا على أسوأ اتفاق ممكن". وتوصلت بريطانيا إلى اتفاق مبدئي مع الاتحاد الأوروبي بشأن المسائل المتعلقة بالانفصال في كانون الأول/ديسمبر فيما يتوقع أن يبدأ الطرفان جولة محادثات جديدة تتعلق تحديدا بفترة انتقالية قصيرة بعد انسحاب بريطانيا في آذار/مارس 2019.

جواز السفر الازرق

على صعيد متصل أعلنت الحكومة البريطانية عودة العمل بجواز السفر الازرق بعد الخروج من الاتحاد الاوروبي في عام 2019 وذلك "بغرض استعادة الهوية الوطنية". وستستغني بريطانيا عن الجواز الأحمر الداكن والذي تعتمده بشكل مشترك الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، وذلك بعد انفصالها عن التكتل في اذار/مارس 2019. وقالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي إن "جواز السفر البريطاني يعبر عن استقلالنا وسيادتنا ويمثل مواطنتنا في أمة عظيمة". وتابعت "لذا أعلنا أن جواز السفر الأزرق سيعاد العمل به بعد خروجنا من الاتحاد الاوروبي في 2019".

ودعم السياسيون المؤيدون لبريكست بحماسة التغيير الرمزي بشكل كبير، فيما سخر الداعمون لبقاء بريطانيا في التكتل من هذه الحماسة. وقال وزير الهجرة البريطاني براندون لويس إن "الخروج من الاتحاد الاوروبي يمنحنا فرصة فريدة لاستعادة هويتنا الوطنية وتأسيس مسار جديد لنا في العالم". وأضاف أن جواز السفر الجديد سيكون "أحد أكثر وثائق السفر أمانا في العالم" وسيتضمن مزيجا من الاجراءات الامنية لحمايته من الاحتيال والتزوير.

وسيتم تغيير صفحة صورة حامل جواز السفر بحيث تصبح مصنوعة من مادة بلاستيكية قوية، يصعب تعديل بيانلتها. وامتاز جواز السفر البريطاني بغطاء أزرق داكن منذ العام 1921، لكن البريطانيين غيروا هذا اللون المميز إلى الأحمر الداكن بدءا من العام 1988 ليتماشى مع اللون المستخدم بشكل مشترك لدى باقي دول المجموعة الأوروبية آنذاك. ومن المقرر أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي في آذار/مارس 2019.

وسيستمر إصدار الجواز الأحمر الداكن، لكن من دون الإشارة للاتحاد الاوروبي، حتى تشرين الأول/أكتوبر 2019، حين سيبدأ سريان العقد الجديد بخصوص جوازات السفر، ما سيسمح بالعودة إلى جواز السفر الأزرق التقليدي. وأشادت صحيفة "ذي صن" البريطانية المؤيدة لبريكست بالقرار "لإلغاء الجواز المفروض على الأمة" والعودة إلى جواز السفر الأزرق الداكن "الأيقوني". بحسب فرانس برس.

وقال نايجل فاراج الزعيم السابق لحزب استقلال بريطانيا والذي قاد حملة بريكست "في استفتاء 2016، اردنا استعادة جوازات سفرنا. الآن استعدناها". لكن القرار له أيضا معارضون. وقال النائب عن حزب العمال نيل كويل ان "جواز سفر جديدا سيجعل الاجازات أغلى ويحد من الأماكن التي يمكن للناس العمل أو الدراسة فيها ويكلف مليارات".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1