تعيش ايران في الفترة الاخيرة حالة من عدم الاستقرار بسبب المظاهرات الشعبية المستمرة، حيث شهدت الايام الماضية خروج مظاهرات كبيرة مؤيدة للحكومة، ردا على المظاهرات السابقة المناهضة للنظام التي شهدتها البلاد وسقط فيها 22 قتيلا. المظاهرات المؤيدة وكما نقلت بعض المصادر، دعت الى دعم الاستقرار في البلاد ضد مثيري الشغب، ودعم المؤسسات الرسمية والقادة والفاعليين الأساسيين في النظام. جاء هذا التأييد بعد ساعات من اتهام القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بإدخال عناصر من تنظيم داعش إلى إيران بهدف القيام بتفجيرات وأعمال إرهابية. وأعلن في تصريحات نقلتها وكالة أنباء فارس أن الفتنة في إيران قد انتهت.

وقال اللواء محمد علي جعفري إن أغلب الذين ألقي القبض عليهم في الاحتجاجات، تلقوا تدريباتهم على يد المنافقين، في إشارة إلى منظمة مجاهدي خلق المعارضة. وأكد جعفري أن الجاهزية الأمنية حالت دون انتشار وتوسع رقعة ما سماها الفتنة. وذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن عشرات الآلاف من أنصار الحكومة شاركوا في مسيرات في أنحاء البلاد لتأكيد الولاء للمؤسسة الدينية متهمين الولايات المتحدة، الخصم اللدود لطهران، بالتحريض على أكبر احتجاجات مناوئة للحكومة منذ نحو عشرة أعوام. وطالب خطيب الجمعة في طهران السلطات بالتعامل ”بصرامة“ مع المسؤولين عن تأجيج الاحتجاجات والتي قتل فيها 22 شخصا فضلا عن اعتقال أكثر من ألف شخص وفقا لمسؤولين إيرانيين.

وأفاد التلفزيون الرسمي أن رجل الدين أحمد خاتمي قال للمصلين في جامعة طهران ”لكن الإيرانيين العاديين الذين خدعهم مثيرو الشغب المدعومون من أمريكا يجب التعامل معهم بروح التسامح الإسلامي“. كما طالب خاتمي الحكومة ”بأن تولي اهتماما أكبر للمشاكل الاقتصادية للناس“. وتفجرت المظاهرات المناوئة للحكومة يوم 28 ديسمبر كانون الأول في مدينة مشهد المقدسة بعد إعلان الحكومة خططا لرفع أسعار الوقود وخفض أموال تقدم شهريا لمحدودي الدخل.

واتسع نطاق المظاهرات لتصل إلى أكثر من 80 مدينة وبلدة في الريف وشارك فيها آلاف من الشبان والطبقة العاملة الغاضبين من فساد المسؤولين والبطالة والفجوة الآخذة في الاتساع بين الفقراء والأغنياء. ولم تقدم السلطات أي دليل يدعم تأكيدات قيام الولايات المتحدة بدور في الاحتجاجات التي لا يبدو لها قائد حتى الآن.

تحريض خارجي

وفي هذا الشأن قال مسؤولون إيرانيون إن الاحتجاجات نتيجة لتحريض خارجي وسخروا من دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمحتجين في مواجهة مؤسسة وصفها بأنها ”وحشية وفاسدة“. وفي المظاهرات المؤيدة ردد المتظاهرون هتافات ”الموت لأمريكا“ و”الموت لإسرائيل“ وحملوا صور علي خامنئي ولوحوا بالأعلام الإيرانية.

وأظهرت تسجيلات مصورة للمظاهرات في عدة مدن المشاركين وهم يهتفون ”ندعم الإمام خامنئي... لن نتركه وحيدا في حربه على الأعداء“. وقال التلفزيون الرسمي ”طالب المتظاهرون بمعاقبة من يقفون وراء المحرضين الذين لهم صلات بجهات أجنبية والذين أهانوا الدين وسلطاتنا“ في إشارة إلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي أظهرت لقطات على مواقع للتواصل الاجتماعي متظاهرين فيها وهم يمزقون صورا لخامنئي.

وعلقت الحكومة خطط خفض الأموال التي تمنحها لمحدودي الدخل ورفع أسعار الوقود بهدف تهدئة التوتر. ونقل التلفزيون الرسمي عن خاتمي قوله ”هناك عمال يقولون إنهم لم يتلقوا رواتبهم منذ أشهر... يتعين حل هذه المشاكل“. وفضلت النخبة السياسية في إيران، رغم تعدد فصائلها، الظهور في جبهة موحدة خشية أن يؤدي تفاقم الاضطراب إلى تقويض أركان الجمهورية الإسلامية بالكامل. بحسب رويترز.

لكن خامنئي وحلفاءه المحافظين انتقدوا الرئيس حسن روحاني لعدم تمكنه من إنعاش الاقتصاد بعد رفع معظم العقوبات التي كانت مفروضة على إيران في 2016 بموجب الاتفاق النووي الذي توصلت إليه طهران وقوى كبرى لكبح برنامجها النووي. وأبرم روحاني الاتفاق في 2015 مما زاد آمال الكثيرين في تحسن الاقتصاد، لكن الاستياء تفاقم منذ ذلك الحين بسبب عدم تحقيق تحسن كبير في مستويات المعيشة.

تحركات أمريكية

وأعربت الإدارة الأمريكية التي تعارض الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 2015 عن تأييدها للحركة الاحتجاجية منذ بداياتها. وعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا طارئا بطلب من واشنطن لمناقشة موجة التظاهرات في إيران. وانتقدت روسيا الضغوط التي تمارسها واشنطن للحض على مناقشة موضوع إيران في مجلس الأمن،. وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات على خمس شركات إيرانية اتهمتها بالارتباط ببرنامج الصواريخ البالستية الإيراني. وصرح وزير الخزانة ستيفن منوتشين "هذه العقوبات تستهدف هيئات أساسية متورطة في برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية الذي يعطيه النظام أولوية على حساب رفاه الشعب الإيراني".

كما أعلنت الخارجية الأمريكية أنه يجب "محاسبة" المسؤولين الإيرانيين عن أعمال القمع مؤكدة أنها "لن تنسى" ضحايا الاحتجاجات. وقبلها، تقدمت السلطات الإيرانية بشكوى لدى الأمم المتحدة ضد "التدخل" الأمريكي. وحذرت روسيا الولايات المتحدة من أي تدخل في "الشؤون الداخلية "الإيرانية، وندد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ"بعض الجهات الأجنبية التي تثير" الاضطرابات.

وقال مسؤول أميركي طلب عدم ذكر اسمه "ننظر في كل الاحتمالات" بشان منظمات وافراد يمكن استهدافهم بعقوبات بداعي انتهاك حقوق الانسان وعمليات رقابة او اعاقة لحرية التجمع في إيران. واضاف ان ذلك "يتطلب معلومات، وهناك الكثير من المعلومات، لذا نعتزم البدء في تجميعها وسنرى ما يمكننا القيام به". وذهب الرئيس دونالد ترامب الذي أكد في تأكيداته دعمه للمحتجين ان الولايات المتحدة ستقدم لهم الدعم في الوقت المناسب.

وأعلنت ايران انها قدمت الى كل من مجلس الامن الدولي والامين العام للامم المتحدة أنطونيو غوتيريش شكوى ضد تدخّل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية. ونشرت البعثة الايرانية لدى المنظمة الدولية رسالة أرسلها المندوب الايراني في الامم المتحدة غلام علي خوشرو الى مجلس الامن وغوتيريش جاء فيها "يشرفني ان الفت انتباهكم الى المحاولات الواسعة التي قامت بها الولايات المتحدة مؤخرا للتدخل في الشؤون الداخلية لايران".

وأضافت الرسالة ان "الادارة الاميركية الراهنة تتخطى كل الحدود بانتهاكها قواعد القانون الدولي ومبادئه التي ترعى السلوك المتحضّر في العلاقات الدولية". وتابع المندوب الايراني في رسالته انه "خلال الايام الاخيرة زادت الادارة الاميركية بقيادة الرئيس الاميركي من تدخلاتها الفاضحة في الشؤون الداخلية لايران بذريعة تقديم دعم لتظاهرات متفرقة"، واضافت الرسالة الايرانية ان "حق التظاهر ينص عليه ويكفله الدستور الايراني".

واعتبرت فرنسا وروسيا والصين ودول أخرى أن هذه الاحتجاجات لا تشكل تهديدا للسلم والأمن والدوليين وأنه لا مبرر لطرحها على المجلس. وقد حذرت السفيرة الأميركية لدى الامم المتحدة نكي هيلي السلطات الإيرانية من أن العالم يراقب ردها على المظاهرات المناهضة للحكومة. وقالت خلال كلمتها في الاجتماع الطارئ إن ما يحدث في إيران تعبير عفوي للمطالبة بالحقوق الأساسية "وهو نتيجة هضم حق الشعب لسنوات طويلة". وَأضافت هيلي أن الحكومة الإيرانية تقدم الأموال "للنظام السوري المستبد" والمليشيات في العراق واليمن على حساب الإنفاق الداخلي لصالح الشعب.

وبدروه، اعتبر المندوب الفرنسي أن المظاهرات الإيرانية لا تهدد الأمن والسلم الدوليين، في إشارة إلى أن هذا الملف لا يجب أن يُبحث في مجلس الأمن في جلسة طارئة. وشدد عل التغيير في إيران لا يأتي من خارجها بل من شعبها. وتابع "علينا أن نحترس من أي محاولات لاستغلال هذه الأزمة لمصالح شخصية لأنه ستكون لذلك نتائج معاكسة تماما لما هو مرجو". وقال المندوب الروسي "نأسف للخسائر في الأرواح نتيجة للتظاهرات التي لم تكن سلمية جدا". وأضاف "مع ذلك، دعوا إيران تتعامل مع مشاكلها الخاصة".

كما اعتبر السفير الروسي أن عقد الاجتماع محاولة بائسة لتعطيل الاتفاق النووي بين القوى الدولية وإيران، واستغرب النقاش حول احتجاجات في إيران بينما تحدث مظاهرات في الغرب لا يتناولها مجلس الأمن. وقال "نشكر واشنطن لأن رسائلها وتهديداتها وحدت مشاعر الشعب الإيراني ضد الولايات المتحدة". وشدد ممثل الصين على ضرورة احترام سيادة واستقلال الدول، واعتبر أن الاحتجاجات في إيران شأن داخلي لا يتعلق بصلاحيات مجلس الأمن. وطالب المجتمع الدولي بعلاج القضية الفلسطينية وفق حل الدولتين وتسوية الصراع في سوريا.

وفي حين انتقدت بوليفيا بشدة التدخل في الشأن الإيراني ورأت أن الاجتماع يناقش قضايا لا تدخل في صلاحيات مجلس الأمن، شككت إثيوبيا في أن يكون المجلس هو المنبر المناسب لتناول الموضوع. وحثت كل من السويد وهولندا وبريطانيا على احترام حق التظاهر في إيران، وأكدت محورية حقوق الإنسان وارتباطها بقضايا السلم والأمن.

إخماد الاحتجاجات

الى جانب ذلك أعلن قائد الجيش الإيراني أن الشرطة تمكنت بالفعل من إخماد اضطرابات مناهضة للحكومة أسفرت عن مقتل 21 شخصا لكنه قال إن قواته مستعدة للتدخل إذا لزم الأمر. ونقلت وسائل إعلام رسمية عن قائد الجيش الميجر جنرال عبد الرحيم موسوي قوله ”رغم أن هذه الفتنة العمياء كانت من الصغر بحيث تمكن جزء من قوات الشرطة من وأدها في المهد.. فإننا نطمئنكم بأن رفاقكم في جيش الجمهورية الإسلامية سيكونون على استعداد لمواجهة من غرر بهم الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة)“.

ومساحة إيران الشاسعة والقيود التي تفرضها على وسائل الإعلام المستقلة جعلت من الصعب تحديد حجم ومدى انتشار الاضطرابات. وقالت وكالة العمال الإيرانية شبه الرسمية إن السلطات رفعت قيودا كانت فرضتها على استخدام تطبيق انستجرام وهو أحد الوسائل التي استخدمت لحشد المحتجين. لكن استخدام تلجرام، وهو تطبيق الرسائل الأوسع انتشارا، ظل مقيدا في إشارة إلى أن السلطات لا تزال تشعر بالقلق من التهديد الذي تشكله الاحتجاجات.

وأظهرت لقطات فيديو على مواقع للتواصل الاجتماعي متظاهرين في خرم آباد في جنوب غرب إيران وهم يرشقون الشرطة بالحجارة مما أجبرها على التقهقر. وفي لقطات أخرى خرج مئات إلى الشوارع في مدينة اروميه التي تقع شمال غرب البلاد قرب الحدود التركية وهم يهتفون بشعارات مناهضة للحكومة. وأظهرت لقطات متظاهرين في الأهواز عاصمة إقليم خوزستان الغني بالنفط وهم يضرمون النار في بنك.

ونقلت وكالة الطلبة للأنباء عن وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي قوله إن ”هناك 42 ألف شخص على الأكثر شاركوا في الاحتجاجات وهو ليس بالعدد الكثير“ في دولة يقطنها 80 مليون نسمة. وقدر قائد الحرس الثوري الإيراني الميجر جنرال محمد علي جعفري عدد ”مثيري الشغب“ بأنه لا يتعدى 15 ألفا في أنحاء البلاد. ومع انتشار الاضطرابات في أنحاء البلاد، وخاصة في المدن الأصغر، يقول المحتجون إنهم سئموا الشعارات الرسمية المناهضة للغرب وإنه آن أوان رحيل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي وحكومة الرئيس حسن روحاني.

ويشارك في المظاهرات أفراد من أبناء الطبقة العاملة ولكنها بدأت كذلك في اجتذاب أبناء الطبقة الوسطى التي كانت عماد احتجاجات مطالبة بالإصلاح عام 2009. وبعد ستة أيام شهدت مظاهرات متواصلة، قال الحرس الثوري الإيراني إنه نشر قوات في ثلاثة أقاليم لإخماد الاضطرابات في المناطق التي شهدت أكبر احتجاجات. وكانت هذه أوضح علامة على أن السلطات تأخذ أمر الاحتجاجات بجدية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0