أصبحت قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومع استمرار المفاوضات الحالية اكثر تعقيداً في ظل ضعف موقف رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، بعد خسارة حزبها الأغلبية في انتخابات يونيو حزيران الامر الذي سيجبرها على تقديم تنازلات كبيرة من اجل إرضاء الاتحاد الأوروبي، وإمكانية التوصل لاتفاق حول قضايا الخلاف قبل الحديث عن العلاقات المستقبلية. يضاف الى ذلك خلافات بين المعارضة والحكومة في بريطانيا حول هذا الملف، و قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إنه لا يتوقع أي انفراجة في محادثات بشأن شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكنه أضاف أن من الممكن الانتهاء من المرحلة الأولى من المحادثات بشأن تسوية مالية وحقوق المواطنين وأيرلندا الشمالية بحلول ديسمبر كانون الأول إذا قدمت بريطانيا بعض الاقتراحات الملموسة.

وتحرص بريطانيا على الشروع في المباحثات بشأن فترة انتقال لمدة عامين بعدما تغادر الاتحاد الأوروبي في نهاية مارس آذار 2019 وعلاقة تجارية بعد ذلك من أجل توفير رؤية واضحة للشركات التي عليها أن تقرر ما إذا كانت ستبقى في بريطانيا أو ستغادر إلى الاتحاد الأوروبي. ويريد الاتحاد قبل ان ينتقل الى اي مفاوضات معمقة، تحقيق "تقدم كاف" في ثلاثة ملفات اساسية هي التسوية المالية للانفصال، ومصير المواطنين الاوروبيين، وانعكاسات بريكست على ايرلندا. وضاعف القادة الاوروبيون في الاسابيع الاخيرة التصريحات التي توحي بان البرنامج الزمني الذي وضع لن ينفذ في الوقت المحدد.

كما أعلن كبير مفاوضي الاتحاد الاوروبي ميشال بارنييه ان المفاوضات حول بريكست تواجه "مأزقا مثيرا للقلق" لكنه رأى ان تحقيق "تقدم حاسم" ممكن في الشهرين المقبلين. وقال بارنييه في مؤتمر صحافي عقده مع نظيره البريطاني ديفيد ديفيس في بروكسل "انني مقتنع (...) انه بإرادة سياسية، يمكن تحقيق تقدم حاسم بات في متناول اليد في الشهرين المقبلين". وصرح بارنييه ان قضية التسوية المالية، اي تسديد بريطانيا لالتزاماتها كعضو في الاتحاد الاوروبي قبل خروجها في نهاية آذار/مارس 2019، هي مشكلة بحد ذاتها في الجولة الخامسة من المفاوضات.

وقال "بشأن هذه القضية نحن في طريق مسدود يثير قلقا كبيرا (...) للآلاف من اصحاب المشاريع" في اوروبا "ولدافعي الضرائب". واضاف انه "ليس هناك تنازل من اي طرف حول هذه المسألة". واكد في الوقت نفسه انه لا يوصي بالانتقال الى المرحلة التالية من المفاوضات حول العلاقات المستقبلية بين لندن والاتحاد الاوروبي على عكس نظيره البريطاني.

تنازلات غير كافية

وفي هذا الشأن رحب قادة الاتحاد الأوروبي باقتراح قدمته رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي لكسر الجمود الذي يعتري محادثات انسحاب بريطانيا من التكتل لكنهم قالوا إن التنازلات التي تستهدف تهدئة مخاوف مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في بريطانيا غير كافية. وسعت ماي إلى عدم قصر المحادثات على مناقشة التسوية المالية للانسحاب لتشمل التجارة فيما لم يتبق سوى 17 شهرا على الموعد المقرر لرحيل بريطانيا. وبدلا من ذلك شددت رئيسة الوزراء، التي ضعف موقفها بعد أن خسر حزبها المحافظ أغلبيته البرلمانية في انتخابات يونيو حزيران، على ضرورة تحديد حقوق المواطنين وهي واحدة من ثلاث قضايا ينبغي حسمها لكسر الجمود في المحادثات.

لكن قادة الاتحاد الأوروبي قالوا إن هناك حاجة لمزيد من العمل ووصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعض المؤشرات بأنها ”مشجعة“ وقد تساعد في تمهيد الطريق لمناقشات بشأن العلاقات التجارية في المستقبل خلال قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة في ديسمبر كانون الأول.

وقالت ماي إن الزعماء يقيمون التقدم الذي تحقق حتى الآن في محادثات الانسحاب وحددوا ”خططا طموحة“ للأسابيع المقبلة. وقالت ماي للصحفيين ”أنا تحديدا على سبيل المثال أريد أن أرى سرعة في التوصل لاتفاق بشأن حقوق المواطنين“. لكنها تفادت الأسئلة بشأن زيادة المبلغ الذي ستكون بريطانيا على استعداد لدفعه عندما تغادر وأشارت بدلا من ذلك إلى خطاب ألقته الشهر الماضي في إيطاليا عرضت خلاله دفع نحو 20 مليار يورو (24 مليار دولار). بحسب رويترز.

ولا تريد ألمانيا وحلفاؤها أن يرثوا فاتورة كبيرة عندما تغادر بريطانيا التكتل في مارس آذار 2019. وقالت ميركل إن زعماء الاتحاد الأوروبي سيستمعون إلى تقرير من كبير مفاوضيهم ميشيل بارنييه لكن لم يتم إحراز تقدم كبير حتى الآن. وأضافت ”سنواصل المحادثات بمنظور الوصول إلى المرحلة الثانية في ديسمبر“. وحاولت ماي تحويل الانتباه عن المبلغ الذي يجب أن تدفعه بريطانيا. وكتبت على صفحتها على فيسبوك ”نحن بصدد التوصل إلى اتفاق“ لحماية حقوق نحو ثلاثة ملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي يعيشون في بريطانيا وتعهدت بجعل بقائهم يسيرا لأبعد حد.

ضغوط اخرى

الى جانب ذلك أبلغ الاتحاد الأوروبي بريطانيا أنه يتعين عليها تقديم مزيد من التنازلات في المحادثات بشأن انفصالها عن التكتل مما يضعف آمال رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي في حدوث انفراجة خلال قمة تعقد في وقت لاحق. وقال وزراء من دول الاتحاد، منها بلدان مثل هولندا تخشى خسائر كبيرة إذا لم يتم التوصل لاتفاق للخروج، إن ماي بحاجة للكشف بدرجة أكبر عن تفاصيل ما ستدفعه بريطانيا عندما تغادر التكتل.

وبعدما خسر حزب المحافظين الحاكم الذي تتزعمه ماي الأغلبية في انتخابات يونيو حزيران ومعاناتها في المؤتمر السنوي للحزب لم يعد لدى رئيسة الوزراء مجالا كبيرا للمناورة وباتت عاجزة عن زيادة عرضها بشأن فاتورة الخروج خشية إثارة غضب الحزب. وكانت ماي ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر اتفقا على ضرورة تسريع وتيرة المفاوضات بعد جمودها بسبب حجم فاتورة الانفصال. وقال كبير مفاوضي الاتحاد بشأن خروج بريطانيا ميشيل بارنييه ”نحتاج أمرين لتسريع (المفاوضات). خطوة تلو الأخرى... لم ننته من الخطوة الأولى بعد“.

ومع بقاء 17 شهرا فقط على مغادرة بريطانيا في مارس آذار 2019، دفع الجمود في المحادثات الشركات ليس فقط للإعداد لخروج بريطانيا دون اتفاق ولكن أيضا للاستعداد لانعدام يقين طويل الأجل يجعل القرارات الاستثمارية صعبة. وقال كبير المفاوضين البريطانيين في محادثات الخروج ديفيد ديفيز في تصريحات منفصلة إن بلاده لا تعتزم الانسحاب من المفاوضات وإنه يأمل من القمة الأوروبية المقبلة ”أن تبني على الزخم وروح التعاون التي نتحلى بها الآن“.

وقال مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي إن ماي ستعرض على نظرائها في الاتحاد استراتيجيها بشأن خروج بريطانيا من التكتل. وأوضح المسؤول المشارك في الإعداد للقمة الأوروبية إن خطاب ماي في فلورنسا في وقت سابق الشهر الماضي ساهم في تحريك المفاوضات المتوقفة ويتيح الفرصة لتحقيق تقدم ”طيب“. وذكرت مسودة للنتائج المتوقعة للقمة أن من غير المرجح أن يتفق الاتحاد مع ماي على أن الوقت حان لدفع المحادثات للأمام لكن سيقترح بدلا من ذلك بدء نقاش داخلي بين دول الاتحاد بشأن مرحلة انتقالية. بحسب رويترز.

ويأتي ذلك بعد اتصالين هاتفيين لماي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأيام الأخيرة حيث تقول مصادر إن باريس وبرلين رفضتا مبادرة ماي وتمسكتا بنهج الاتحاد الأوروبي. وفي لندن، قالت وزيرة الداخلية أمبر رود إن من ”غير الوارد“ أن تفشل بريطانيا والاتحاد الأوروبي في التوصل لاتفاق للخروج لتنأى بنفسها عن وزراء آخرين يقولون إنه ينبغي للندن الاستعداد للانسحاب دون اتفاق. وقالت أمبر في كلمة أمام لجنة بالبرلمان إن التوصل إلى اتفاق ينبغي أن يكون سهلا لأنه يصب في مصلحة الطرفين.

تداعيات القرار

الى جانب ذلك اعلن وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير ان على البريطانيين تحمل تداعيات خيارهم بالخروج من الاتحاد الاوروبي، معتبرا انه لا يمكنهم المراهنة على مواصلة الاستفادة من المزايا التي تعطى للدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي. وقال الوزير الفرنسي "لا يمكن ان تتم المطالبة بالحصول على المزايا الخاصة بالدول الاعضاء من دون ان تكون دولة عضوا" مضيفا "من الان فصاعدا بات على البريطانيين والحكومة البريطانية ان يتحملوا تداعيات قرارهم".

واضاف لومير في نقاش ادارته شبكة "سي ان ان" الاميركية حول الاقتصاد العالمي "أسف جدا لقرار الشعب البريطاني، اعتقد بانه كان خطأ تاريخيا". وتابع "ان التداعيات السلبية للبريكست ستكون تداعيات سلبية للشعب البريطاني" مشددا انه لم يعد بامكان البريطانيين الاستفادة من مزايا الاتحاد الاوروبي بعد ان اختاروا الانسحاب منه. وكان كبير مفاوضي الاتحاد الاوروبي ميشال بارنييه اعلن في وقت سابق الخميس في ختام الجولة الخامسة من المفاوضات مع بريطانيا حول البريكست، ان هذه المفاوضات تواجه "مأزقا مثيرا للقلق"، لكنه رأى ان تحقيق "تقدم حاسم" ممكن في الشهرين المقبلين.

وهناك مشكلات كثيرة داخل الكتلة الأوروبية مثل خطر التطرف والإرهاب، وقضية استفتاء كاتالونيا، ومشكلة أوكرانيا، معضلة المهاجرين واللاجئين وغيرها. ومن هنا يرى بعض المختصين في شؤون القارة الأوروبية ضرورة إحراز تقدم في المفاوضات بين الجانبين الأوروبي والبريطاني حتى تكون عملية الخروج سلسة وتبقى العلاقة بين الجانبين قوية ومبنية على أسس جديدة، لأن ذلك يصب في صالح القارة الأوروبية. يضاف إلى ذلك وجود مصالح اقتصادية مشتركة بين الجانبين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0