اقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيس الوزراء عبد المجيد تبون الذي شغل هذا المنصب منذ أقل من ثلاثة أشهر، اصبحت محط اهتمام اعلامي واسع داخل وخارج الجزائر، التي تعيش صراع سياسي كبير، خصوصا وان قرار الاقالة الذي لم يُعلن عن أسباب والتي تأتي وبحسب بعض المصادر، بعد أيام من خطاب شديد اللهجة وجهه الرئيس بوتفليقة لرئيس الحكومة داعيا إياه لتغيير السياسات. اثار اكثير من الاسئلة والتكهنات بشأن السبب وراء هذه الخطوة. فقد عين بوتفليقة مدير ديوان رئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، خلفا لتبون الذي لم يمكث في منصبه أكثر من 84 يوما، وهي أسرع إقالة طالت رؤساء الحكومات بالجزائر منذ استقلال البلاد العام عام 1962. وفي الفترة التي سبقت قرار إعفاء تبون من منصبه أثيرت تكهنات في وسائل الإعلام حول عدم الرضا عنه بسبب خلافاته مع بعض الشخصيات المهمة والمقربة من الرئيس بو تفليقة.

ويجمع أغلب المراقبين في الجزائر على أن اقتراب رئيس الوزراء المقال عبد المجيد تبون من "المنطقة الحمراء" ومساسه بمصالح أصحاب المال والأعمال هو ما تسبب في إقالته سريعا رغم أنه لم يقض أكثر من ثمانين يوما في منصبه. ولم يشفع للرجل قربه الشديد من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولا صداقتهما الممتدة على مدى ربع قرن ولا نيله قبل أشهر أعلى وسام استحقاق من رئاسة الجمهورية، كل هذا لم يشفع له في الاستمرار بمنصبه بعد دخوله في صراع علني مع رجال أعمال نافذين، من بينهم علي حداد المقرب من سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس.

ويرى بعض الخبراء إن إقالة تبون هي فصل من فصول الرداءة في تسيير أمور البلاد والعبث بمؤسسات الدولة سواء الحكومة أو الأحزاب أو البرلمان. فتعيين رئيس حكومة وإقالته في هذه المدة القصيرة لا يعني أنه ارتكب جريمة مثل الخيانة العظمى وأشار إلى أنه كان يمكن أن يقال بطرق أخرى. وعادة ما يتسم النظام السياسي في الجزائر بالغموض حيث لم تقدم الرئاسة سببا في هذا التغيير. وأصبح الظهور العلني للرئيس بوتفليقة (80 عاما) نادرا منذ تعرضه لجلطة عام 2013. وبموجب الدستور يعين الرئيس رئيس الوزراء. وزادت حدة التنافس السياسي بشأن بوتفليقة مع تراجع صحته وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية انتقال السلطة إذا تنحى عن منصبه قبل أن تنتهي ولايته في 2019.

ويتزعم أويحيى التجمع الوطني الديموقراطي، ثاني أكبر حزب في الجزائر وحليف جبهة التحرير الوطني. يذكر أن تبون قد تولى منصب رئاسة الوزراء أواخر مايو/ أيار الماضي خلفا لعبد الملك سلال. واحتل عبد المجيد تبون (71 سنة) المشهد الإعلامي منذ عدة سنوات لارتباطه بقطاع السكن، أهم قطاع بالنسبة للجزائريين الذي أداره لأكثر من سبع سنوات في حكومات مختلفة. كما شغل تبون المتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة أيضا منصب وزير الاتصال لفترة وجيزة في سنة 2000. وشكل تكليف تبون تأليف حكومة جديدة مفاجأة في ذلك الوقت، إذ لم تكن إزاحة رئيس الوزراء عبد المالك سلال متوقعة.

صراع القوى

وفي هذا الشأن أقال الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة رئيس الحكومة عبد المجيد تبون بعد ثلاثة أشهر على تعيينه وسط خلافات شديدة بين مراكز القوى المقربة من الرئاسة. وأفاد بيان نقلته وكالة الانباء الرسمية أن رئيس الجمهورية "أنهى مهام رئيس الوزراء عبد المجيد تبون وعين أحمد أويحيى" مكانه. وتم تعيين تبون رئيسا للوزراء في 24 أيار/مايو في أعقاب الانتخابات التشريعية في الرابع من الشهر نفسه التي فاز بها حزب "جبهة التحرير الوطني" الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال عام 1962.

وشكّل تكليف تبون تأليف حكومة جديدة مفاجأة ىنذاك، إذ لم تكن إزاحة رئيس الوزراء عبد المالك سلال "الرجل الوفي" لبوتفليقة متوقعة. ويترك تبون (71 عاما) رئاسة الوزراء لأويحيى الذي كان برتبة وزير دولة ويعتبر احدى الشخصيات القوية في النظام الجزائري. ويتزعم أويحيى التجمع الوطني الديموقراطي، ثاني أكبر حزب في الجزائر وحليف جبهة التحرير الوطني. وقد شغل أويحيى منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات بين عامي 1995 و1998 (إبان رئاسة الأمين زروال)، ثم 2003-2006 والفترة من 2008 إلى 2012.

وقال مصدر حكومي طلب عدم كشف هويته إن "رؤية رئيس الوزراء لم تكن متوافقة مع رؤية الرئيس"، مشيرا أيضا إلى مشاكل في "التواصل" بين الرجلين. وتحدثت وسائل الإعلام الخاصة الجزائرية في الأيام الأخيرة عن رسالة "شديدة" اللهجة وجهها بوتفليقة لرئيس وزرائه، منتقدا فيها خصوصا الإجراءات الأخيرة للحد من استيراد العديد من المنتجات. واغضبت هذه التدابير، وفقا للصحافة، رجال الأعمال الذين يحظى بعضهم بصلات مع السلطة.

وقال مراقبون إن تبون يدفع ثمن نيته المعلنة بمهاجمة هذا الارتباط بين بعض رجال الأعمال وكبار السياسيين. وكان وعد اثناء تقديم برنامجه ب "الفصل بين المال والسلطة" قائلا ان "الدولة هي الدولة والمال هو المال". وفي تموز/يوليو، أصدرت الحكومة سلسلة إشعارات رسمية لعدد من الشركات الجزائرية والأجنبية الكبرى التي تعمل في البنى التحتية العامة المهمة، معتبرة ان مشاريعها متأخرة وهددت بإنهاء عقودها. وبين هذه الشركات خصوصا مؤسسة إشغال الطرق الهيدروليكية والمباني التي يملكها علي حداد، الرئيس القوي لمنتدى أرباب العمل في الجزائر، وصديق سعيد بوتفليقة الذي يحظى بنفوذ واسع كونه شقيق الرئيس. وفي منتصف تموز/يوليو، وجه تبون علنا إهانة لحداد طالبا مغادرته حفلا كانا من ضيوفه. وقد تناقلت الصحافة هذه الواقعة على نطاق واسع استمر أسابيع عدة.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجزائر رشيد تلمساني إن تبون "حاول المساس بمصالح" بعض المنتمين إلى "الطبقة الاوليغارشية المحيطة بالرئيس مثل علي حداد" رئيس أرباب العمل. وتابع "في سياق الصراع بين مراكز القوى، فان المجموعة الرئاسية التي تضم سعيد بوتفليقة ورئيس الاتحاد العام للعمال عبد المجيد سيدي سعيد، أظهرت تضامنها مع حداد متحدية رئيس الوزراء". وقال تلسماني "لقد كسبوا للتو معركة أخرى". أما تبون فقال في أول تعليق له بعد إقالته "وفائي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيبقى كاملا". بحسب فرانس برس.

أما خليفته أويحيى (65 عاما)، فإنه شخصية بارزة في السياسة الجزائرية خلال السنوات العشرين الماضية. وخدم بإخلاص بوتفليقة، رغم العلاقات المعقدة بينهما أحيانا. ويعرف أويحيى في الجزائر باسم "رجل الأعمال القذرة" منذ أن عرف نفسه على هذا النحو بعد أن قاد إصلاحات التقشف التي طالب بها صندوق النقد الدولي إبان تسعينات القرن الماضي خلال الحرب الأهلية. من جهته، تسائل الأكاديمي رشيد جريم عن وجود "واحد أو أكثر من محركي الخيوط وراء" رئيس الدولة، المريض منذ إصابته بجلطة عام 2013، الأمر الذي من شأنه أن يزيد التكهنات المستمرة في الجزائر منذ أربع سنوات حول قدرة بوتفليقة على ممارسة الحكم.

اعادة أويحيى

في السياق ذاته أعاد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة السياسي المخضرم والخبير في إدارة الأزمات أحمد أويحيى إلى رئاسة الوزراء، وهو المنصب الذي شغله لأول مرة في التسعينات عندما كانت الجزائر تواجه تمردا إسلاميا. وقال مكتب بوتفليقة إن أويحيى (65 عاما) سيحل محل عبد المجيد تبون الذي شغل المنصب لثلاثة أشهر فقط.

وسينظر إلى أويحيى على الأرجح على أنه عامل مؤثر لتحقيق الاستقرار في وقت تحاول فيه الجزائر إجراء تعديلات اقتصادية لمواجهة الانخفاض في أسعار النفط والتي تسببت بالتبعية في خفض إيرادات الدولة. ولم يذكر بيان الرئاسة سببا لهذا التغيير. وتولى أويحيى رئاسة الوزراء ثلاث مرات من قبل وكان أحدث منصب تولاه هو منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية. وهو أيضا زعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو حزب مقرب من الرئاسة زاد عدد مقاعده في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو أيار.

وقال المحلل الجزائري أرسلان شيخاوي إن أويحيى أحد رجال الدولة المعروفين ولديه الخبرة لإدارة الأزمات. وعادة ما يتسم النظام السياسي في الجزائر بالغموض. وأصبح الظهور العلني للرئيس بوتفليقة (80 عاما) نادرا منذ تعرضه لجلطة عام 2013. وبموجب الدستور يعين الرئيس رئيس الوزراء.

وزادت حدة التنافس السياسي حول بوتفليقة مع تراجع صحته وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية انتقال السلطة إذا تنحى عن منصبه قبل أن تنتهي ولايته في 2019. وأدت التحركات الرامية إلى خفض الدعم والواردات وتنويع اقتصاد الجزائر المعتمد على النفط إلى انقسامات سياسية حول إلي مدى يمكن أن تصل الإصلاحات.

وفي الفترة التي سبقت قرار إعفاء تبون من منصبه أثيرت تكهنات في وسائل الإعلام حول عدم الرضا عنه بسبب خلافاته مع علي حداد، وهو رجل أعمال بارز قريب من الرئاسة. وقال مصدر كبير طالبا عدم نشر اسمه إن تبون اعتبر أيضا مخالفا للسياسة الخارجية التي تعد حكرا على الرئاسة بعد أن عقد اجتماعا مع رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب في وقت سابق هذا الشهر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1