منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد منصبه في 20 يناير 2017، وكما يرى بعض المراقبين دخلت العلاقات الأمريكية الصينية مرحلة جديدة بسبب سياسة وتوجهات ترامب، الذي رفع شعار (امريكا اولاً). حيث تسببت المواقف المعلنة بين ترامب والصينيين خلال الشهور الأخيرة بحسب بعض المصادر، في إحداث شكوك كبيرة حول قدرة الجانبين على إدارة هذه العلاقات، التي تجمع بين اكبر اقتصادين في العالم، الأمر الذي ينذر بإمكانية نشوب حرب باردة جديدة بين القوة العظمي الوحيدة التي سيطرت على مقاليد الشؤون العالمية منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وبين العملاق الصيني الذي شهدت قوته تناميا عسكريا واقتصاديا وسياسيا ملحوظا في العقد الماضي.

وشهدت العلاقات بين بكين وواشنطن تحسنا ملموسا وزيادة متواصلة في العمق والاتساع خلال فترة حكم أوباما، حيث يرى العديد من الخبراء ان الجانبين لعبا دورا أساسيا في تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، وفي التوصل إلى اتفاق ايجابي في القضية النووية الإيرانية عن طريق الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف، والاكثر اهمية، في تعزيز استجابة المجتمع الدولي للتغير المناخي العالمي. كما حققت الدولتان أيضا تقدما في إقامة معاهدة استثمار ثنائية، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الجيشين، وتحقيق بعض الاختراقات في التعاون بمجال الأمن الالكتروني.

وألقت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال الصين بهذه العلاقات في مهب الريح، وأثارت تساؤلات ملحة عما يخبئ المستقبل لها. فقد وضع ترامب الصين وكما جاء في مقال خاص لـ(د. أحمد قنديل) في صدارة قائمة الدول المستهدفة بتصريحاته المتعلقة بالتجارة وحماية الوظائف الأميركية. وبما أن إدارة ترمب لم تفصح بعد عن سياسة رسمية حيال بكين، يختلف المراقبون في واشنطن على تفسير هذه المواقف بين من يرى أنها تهدف إلى تعزيز موقف الولايات المتحدة التفاوضي لتحصيل مكاسب تجارية، وبين من يخشى من تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة بين البلدين.

ووصف مرشح الرئيس الأميركي لمنصب وزير التجارة ويلبور روس الصين بأنها الدولة التي تنتهج السياسة الحمائية الأكثر تشددا بين الدول الكبرى، بينما شككت الإدارة الأميركية الجديدة في مبدأ "الصين الواحدة" الذي كان حجر الزاوية في العلاقات بين البلدين. والتقى الرئيسان الصيني شي جينبنغ والأميركي دونالد ترامب في منتجع ترامب الفخم في فلوريدا في نيسان/أبريل وبدا أن العلاقات بين البلدين تحسنت بعدها إذ وصف ترامب العلاقات مع شي بأنها "متميزة". لكن بدأت تظهر مؤشرات على انتهاء "شهر العسل" بينهما مع توجيه ترامب انتقادات للصين التي اتهمها بأنها لا تفعل ما يكفي لدفع كوريا الشمالية على التخلي عن برنامجها النوي ومع فرض عقوبات أميركية على بنك صيني اتهم بالتعامل مع كوريا الشمالية وتبييض أموال لصالحها..

الخلافات التجارية

وفي هذا الشأن فشلت الولايات المتحدة والصين في الاتفاق على خطوات جديدة مهمة لخفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين مما يلقي بظلال من الشك على العلاقات الاقتصادية والأمنية للرئيس دونالد ترامب مع بكين. وانتهت جلسة الحوار الاقتصادي السنوي في واشنطن بإلغاء مؤتمرات صحفية ولم يصدر أي بيان مشترك أو إعلانات جديدة بشأن فتح السوق الصينية أمام الولايات المتحدة.

وقال مسؤول أمريكي رفيع اشترط عدم كشف هويته إن الجانبين عقدا "محادثات صريحة" لكنهما فشلا في التوصل إلى اتفاق في معظم القضايا التجارية والاقتصادية المشتركة التي تهم الولايات المتحدة. وتشمل هذه القضايا مطالب أمريكية بدخول أسواق الخدمات المالية الصينية وخفض الطاقة الإنتاجية المفرطة للصلب الصيني وتخفيض رسوم استيراد السيارات وتقليص دعم الشركات المملوكة للدولة ورفع قيود الملكية للشركات الأجنبية في الصين.

غير أن السفارة الصينية في واشنطن نظرت للمحادثات من جانب إيجابي وقالت في بيان إن الجانبين أقرا بتحقيق "تقدم ملحوظ" في محادثات المئة يوم وسيعملان معا من أجل خفض العجز التجاري. وقال بيان السفارة "سيوسع الجانبان مجالات التعاون في الخدمات وزيادة التبادل التجاري في الخدمات وتوسيع الاستثمارات المشتركة وخلق بيئة استثمارية أكثر انفتاحا ومساواة وشفافية وملاءمة".

وكان الرئيسان الصيني والأمريكي اتفقا على خطة اقتصادية مدتها 100 يوم أسفرت عن بعض الإعلانات التي تناولت قطاعات بعينها مثل استئناف مبيعات لحوم الأبقار الأمريكية في الصين وتعهد بضمان دخول أمريكي محدود لبعض قطاعات الخدمات المالية. لكن لم تصدر أي مبادرات جديدة منذ ذلك الحين وزاد استياء ترامب من عدم ممارسة الصين ضغوطا على كوريا الشمالية وهددت إدارته بفرض عقوبات جديدة على البنوك الصينية الصغيرة وشركات أخرى تعمل مع بيونجيانج.

ورأى المستثمرون أن المؤشرات السلبية الناتجة عن المحادثات وغياب أي إعلانات تجارية جديدة قد يعني على الأرجح أن ترامب سيمضي قدما في فرض رسوم واسعة النطاق على الصلب أو فرض حصص استيراد محددة بناء على نتائج مراجعة للأمن القومي وهو ما أدى لصعود أسهم شركات صناعة الصلب. لكن حتى إذا فشلت الحكومتان الصينية والأمريكية في الاتفاق على بنود تجارة دائمة فقد تعهد رؤساء شركات من البلدين بتعميق التعاون وجهود الاستثمار المشترك. بحسب رويترز.

وقالت مجموعة تضم 20 من رؤساء الشركات بقيادة ستيفن شوارزمان رئيس بلاكستون وجاك ما رئيس مجموعة علي بابا إنهم ملتزمون بزيادة التجارة المتبادلة بما في ذلك صادرات السلع الزراعية الأمريكية والغاز الطبيعي المسال والسلع الاستهلاكية إلى الصين. وقال شوارزمان في بيان "العلاقات الاقتصادية المستقرة والمتنامية بين الولايات المتحدة والصين تحقق المنفعة المتبادلة لشعبي البلدين والعالم".

عقوبات اميركية

الى جانب ذلك شجبت الصين العقوبات الأميركية غير المسبوقة على بنك أوف داندونغ الصيني لاتهامه بالتعامل مع كوريا الشمالية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية لو كانغ للصحافيين "ندعو الجانب الأميركي إلى وضع حد لتحركاته الخاطئة حول هذه المسألة بهدف تفادي تأثيرها على مجالات تعاون أخرى". وتابع "لقد شددنا مرات عدة اننا نعارض العقوبات الأحادية الجانب"، مضيفا ان بكين "طبقت بشكل شامل" كل قرارات مجلس الأمن الدولي حول بيونغ يانغ.

وأعلن وزير الخزانة الاميركي ستيفن منوتشين فرض عقوبات على مصرف بنك اوف داندونغ بتهمة تبييض أموال لحساب كوريا الشمالية، في خطوة غير مسبوقة ترمي الى "الضغط" على نظام بيونغ يانغ. واوضح الوزير الأميركي ان الصين ليست مستهدفة "بتاتا" بهذه العقوبات التي تشمل أيضا شخصين صينيين وشركة نقليات. وشدد منوتشين على ان هذه العقوبات "لا تستهدف الصين بأي طريقة من الطرق. سنواصل العمل معهم (الصينيين)"، مؤكدا ان الولايات المتحدة "عازمة على قطع مصادر تمويل كوريا الشمالية الى ان تحسن التصرف". بحسب فرانس برس.

وبحسب وزارة الخزانة فان هذه العقوبات "اتخذت ردا على الالتفاف المتواصل من جانب كوريا الشمالية على العقوبات الدولية إضافة الى تطويرها أسلحة دمار شامل". وتتهم الوزارة البنك الصيني بأنه يعمل وسيطا "لنشاط مالي غير قانوني من جانب كوريا الشمالية" عبر تسهيل تحويل ملايين الدولارات لحساب شركات تعمل في تطوير صواريخ بالستية. وبموجب العقوبات لم يعد يحق للمصرف الصيني التعامل مع المنظومة المالية الأميركية.

الصفقات الخارجية

على صعيد متصل قالت مصادر مطلعة إن لجنة حكومية أمريكية اعترضت سرا على تسعة استحواذات على الأقل من مشترين أجانب لشركات أمريكية منذ بداية العام وهو رقم مرتفع بالمعايير التاريخية وينبئ بمصاعب لفورة الشراء الخارجي الصينية. وتشير الاعتراضات إلى أن لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة التي تقوم بمراجعة الاستحواذات التي تقوم بها كيانات أجنبية تحسبا لمخاطر محتملة تهدد الأمن القومي، أصبحت أكثر ميلا لرفض الصفقات التي تكتنفها المخاطر في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب.

وترى شركات ومستثمرون صينيون أن الأصول الأمريكية قد تواجه المزيد من العقبات نتيجة لذلك في الوقت الذي تقيد فيه الحكومة الصينية تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج بعد زيادة كبيرة في الصفقات الخارجية الصينية. وأُعلن عن 87 استحواذا على شركات أمريكية من قبل شركات صينية منذ بداية 2017، والرقم هو الأعلى على الإطلاق ويزيد على عدد الصفقات البالغ 77 في الفترة المناظرة لعام 2016.

ويتزامن الموقف الأكثر تحفظا الذي تتبناه لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة مع تنامي التوترات السياسة والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. وعجز البلدان عن الاتفاق على خطوات رئيسية جديدة لخفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين. وقالت المصادر المطلعة إنه منذ بداية العام أرسلت اللجنة الأمريكية خطابات إلى شركات منخرطة في تسع اتفاقات على الأقل لتقول إن الاتفاقات قد يجرى منعها استنادا إلى معايير اقترحتها لمعالجة مخاطر محتملة تمس الأمن القومي.

وقالت المصادر إن العديد من تلك الصفقات في قطاع التكنولوجيا. وقال محامون يمثلون الشركات أمام لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة إن تزايد تهديدات الأمن الالكتروني والتطورات السريعة في التكنولوجيا تجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت أي صفقة تنطوي على تهديد. ولا تنهي المعارضة الأولية من قبل اللجنة الأمريكية بالضرورة الاتفاق على الفور.

وقالت المصادر إن بعض الشركات اختارت هذا العام أن تُبقي على حظوظ طلباتها لدى لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة عبر اقتراح تدابير مخففة جديدة بينما سحب آخرون طلباتهم وألغوا صفقاتهم. وطلبت المصادر عدم نشر أسمائها لأن الاتصالات بين لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة والشركات سرية. وقالت متحدثة باسم البيت الأبيض "قرارات لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة شديدة الحساسية ولن نعلق على شائعات بشأن نتائجها". بحسب رويترز.

وامتنع متحدث باسم وزارة الخزانة عن التعقيب. وتشرف وزارة الخزانة على لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة ويترأس وزير الخزانة ستيفن منوتشين مجلس إدارة اللجنة. ومعظم الصفقات التي سعت لجنة الاستثمار الأجنبي إلى وقفها لم يُعلن عنها. ومن بين الشركات التي أعلنت عن سحب طلباتها المقدمة إلى لجنة الاستثمار الأجنبي وإلغاء صفقاتها شركة انسيجو لصناعة الالكترونيات الأمريكية التي سعت إلى بيع ماي فاي، وحدتها العاملة في تكنولوجيا اتصالات المحمول، إلى تي.سي.إل اندستريز هولدنج الصينية لصناعة الهواتف الذكية، وكذلك إي.إكس.إل بتروليوم مانجمنت التي تعمل في إنتاج النفط بتكساس وسعت إلى بيع أصولها إلى شركة إل1 انرجي المملوكة للملياردير الروسي ميخائيل فريدمان.

تحديات اخرى

من جانب اخر دانت الصين ما أعلنه مسؤول أميركي عن الموافقة على بيع أسلحة أميركية إلى تايوان بقيمة 1,3 مليار دولار، وطلبت من واشنطن وقف أي صفقة أسلحة مع الجزيرة التي تعتبرها جزءا منها. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لو كانغ للصحافيين إن الصين أرسلت احتجاجا رسميا إلى واشنطن وحثت الحكومة الأميركية على "احترام التزامها المعلن بمبدأ الصين الواحدة". وقال المتحدث إن تايوان "جزء لا يتجزأ من أراضي الصين ونحن نعارض بشدة صفقة الأسلحة هذه إلى تايوان".

واحتجت سفارة الصين في واشنطن على الصفقة ووصفتها بأنها "خطوة خاطئة" من شأنها الحاق الضرر بالعلاقات بين البلدين. وقالت السفارة إن "الخطوة الخاطئة التي قام بها الجانب الأميركي مخالفة للتفاهم الذي تم التوصل إليه بين الرئيسين في مارالاغو والزخم الإيجابي الذي شهدته العلاقات الصينية الأميركية". وأضافت أن من شانها "الحاق الضرر بالثقة المتبادلة والتعاون بين الصين والولايات المتحدة الأميركية".

على صعيد متصل قال مسؤولون أمريكيون إن مدمرة تابعة للبحرية الأمريكية نفذت عملية لضمان حرية الملاحة في نطاق 12 ميلا بحريا من جزيرة صناعية بنتها الصين في بحر الصين الجنوبي في أول تحد من نوعه لبكين في الممر المائي الاستراتيجي منذ تنصيب الرئيس دونالد ترامب. وقال المسؤولون بشرط عدم الكشف عن أسمائهم إن المدمرة ديوي كانت تبحر قرب جزيرة ميستشيف في جزر سبراتلي بين مجموعة من الجزر الصغيرة تتنازع بكين السيادة عليها مع جيرانها.

وقالت الصين إن سفنها الحربية حذرت السفينة الأمريكية وقدمت احتجاجا شديد اللهجة للولايات المتحدة. وقالت بكين إنها مازالت تعارض بشدة ما يطلق عليه عمليات ضمان حرية الملاحة. وتمثل الدورية الأمريكية، وهي الأولى أحدث محاولة للتصدي لما تصفه واشنطن بجهود بكين لتقييد حرية الملاحة في المياه الاستراتيجية. ويعرف ميثاق الأمم المتحدة المياه الإقليمية عموما بأنها تمتد على الأكثر لمسافة 12 ميلا بحريا من ساحل الدولة.

وقال مسؤول أمريكي إن هذه كانت أول عملية قرب منطقة شملها حكم أصدرته محكمة تحكيم دولية في لاهاي العام الماضي ضد الصين. وأبطلت المحكمة مزاعم الصين بالسيادة على مساحات كبيرة من بحر الصين الجنوبي. وكان حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها في المنطقة قد شعروا بالقلق من إحجام إدارة ترامب عن تنفيذ عمليات في بحر الصين الجنوبي خلال الأشهر الأولى من توليها السلطة.

ويتبنى الجيش الأمريكي موقفا ثابتا منذ فترة طويلة بأن مثل تلك العمليات يتم تنفيذها في أنحاء العالم بما في ذلك في مناطق يزعم حلفاء بالسيادة عليها وأن تلك العمليات لا علاقة لها بالاعتبارات السياسية. وقال رين قو تشيانغ المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية إن سفينتين حربيتين صينيتين تحملان صواريخ موجهة حذرتا المدمرة الأمريكية وطلبتا منها المغادرة. وأضاف "سلوكيات الجانب الأمريكي المزعجة أضرت بفرص تحسين الوضع في بحر الصين الجنوبي ولا تخدم السلام والاستقرار". بحسب رويترز.

وتتعارض مطالب الصين في بحر الصين الجنوبي الذي تمر منه تجارة تقدر قيمتها بنحو خمسة تريليونات دولار سنويا مع مزاعم بروناي وماليزيا والفلبين وفيتنام وتايوان بالسيادة على أجزاء منه. وقال لو كانغ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن مثل هذه الدوريات "من المرجح جدا أن تتسبب في حوادث بحرية وجوية غير متوقعة". وخلال عهد الإدارة السابقة نفذت البحرية الأمريكية عددا من تلك الدوريات في بحر الصين الجنوبي وكان آخرها في أكتوبر تشرين الأول بتفويض من الرئيس السابق باراك أوباما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1