ترامب وامريكا اللاتينية: عندما تتصادم الشعبوية الوحشية مع الاستبداد الوحشي


القرارات التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخصوص إلغاء بعض الفقرات التي اعتمدها سلفه باراك أوباما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، ما تزال محط اهتمام خصوصا وان البعض يرى ان ترامب الذي يواجه تحديات وانتقادات كبيرة، اثبت للجميع انه يفتقر للكثير من مؤهلات القيادة وهو ما سيسهم بتفاقم الازمات الداخلية والخارجية، خصوصا وان مثل هذه الاجراءات قد تجبر العديد من الدول، على بناء تحالفات جديدة مع خصوم الولايات المتحدة الامر الذي سيضر بمصالحها الاقتصادية والسياسية.

وأمر ترامب بتشديد القيود على سفر الأمريكيين إلى كوبا وعلى تعاملات الشركات الأمريكية مع الجيش الكوبي وقال إنه يلغي اتفاقا "فظيعا ومضللا" عقده الرئيس السابق باراك أوباما. وفي عرض لسياسته الجديدة حيال كوبا في خطاب في ميامي ووقع ترامب أمرا رئاسيا لإلغاء أجزاء من انفتاح تاريخي نفذه أوباما مع الدولة الشيوعية بعد انفراجة دبلوماسية في 2014 بين الدولتين اللتين كانتا عدوين في الحرب الباردة.

واتهم ترامب كوبا في ايار/مايو الماضي بـ"الاستبداد الوحشي" ووعد بدعم تطلعات شعبها من أجل الديموقراطية، مثيرا سخرية نشطاء حقوقيين معتادين على تودده إلى السعودية وتركيا ودول اخرى متسلطة. غير ان مجموعات مدافعة مثل منظمة "هيومن رايتس ووتش" تبدي شكوكا إزاء العودة الى أجواء حرب باردة استمرت نصف عقد من الزمن، مع حظر تجاري شامل وقطع للعلاقات الدبلوماسية.

وقال دانيال ويلكنسون مدير المنظمة للاميركيتين إن "الادارة السابقة كانت على صواب في رفضها سياسة تؤذي الكوبيين العاديين ولم تفعل شيئا للدفع بحقوق الانسان". واضاف أن "عدم نجاح نهج أوباما في تحقيق إصلاح سياسي في كوبا بعد فقط بضع سنوات ليس سببا للعودة الى سياسة أثبتت فشلا مكلفا على مدى عشرات السنين". وخففت الادارة الاميركية السابقة الكثير من القيود على سفر الاميركيين الى كوبا وهو ما أدى الى ازدهار السياحة. زار نحو 285 ألف شخص الدولة الكاريبية في 2016 بارتفاع بنسبة 74 بالمئة عن 2015، وشكل الاميركيون ثالث اكبر فئة منهم بعد الكنديين والمغتربين الكوبيين.

وقال بن رودز مهندس سياسة أوباما لكوبا "إن قيودا جديدا على التعامل مع الاقتصاد الكوبي من شأنه فقط دفع كوبا الى الصين وروسيا اللتين ستعوضان الفرق بسرور". واضاف "أي قيود على السفر تؤذي أصحاب المصالح الكوبيين الصغار -- مطاعم، محلات، سيارات أجرة -- التي تعتمد في مداخيلها على المسافرين. وتفيد مجموعة الضغط "انغيج كوبا" التي تسعى لالغاء الحظر، أن 10 آلاف وظيفة أميركية في قطاع الطيران والرحلات البحرية تعتمد على كوبا. وحتى مع تلك الاستثناءات، فإن السياسة الجديدة يمكن أن تمثل مشكلات بالنسبة لبعض المصالح الاميركية ومنها الفنادق وشركات الطيران التي وضعت جدول رحلات منتظمة بين الولايات المتحدة والعاصمة الكوبية.

القيود اميركية

وفي هذا الشأن يستهدف حظر التبادلات الذي أعلنه الرئيس الاميركي دونالد ترامب مع كيانات يسيطر عليها الجيش الكوبي قلب نظام راوول كاسترو الذي أوكل قطاعات كاملة من اقتصاد البلاد الى قادة عسكريين. وأعلن ترامب منع التبادلات التجارية بين الشركات الأميركية ومجموعة غايسا التابعة للجيش لادارة الشركات والتي تسيطر خصوصا على قسم من القطاع السياحي الذي يشهد نموا قويا في كوبا.

وتجسد المجموعة الحاضرة في عدة قطاعات النفوذ الكبير للجيش في الاقتصاد الكوبي والذي بدأ في تسعينات القرن الماضي. آنذاك، برزت الحاجة الملحة إلى العملات مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الدعم الذي كانت تحصل عليه البلاد. واستفاد الشقيقان فيدل وراوول كاسترو من ولاء الجيش فأوكلا إليه الإشراف على قطاعات اقتصادية رئيسية. وبدأت هذه السيطرة من خلال تشكيل إتحاد المؤسسات العسكرية لدعم التسليح وصناعته محليا ثم مجموعة غافيوتا السياحية التي تتولى تنسيق وإدارة انفتاح البلاد على السياحة قبل تأسيس مجموعات سياحية مدنية أخرى مثل كوباناكان وغران كاريبي.

قبل ذلك، أسست وزارة الداخلية مجموعة سيميكس التي تضم عدة شركات متخصصة في تشكيل شركات واجهة للالتفاف حول القيود التي يفرضها الحظر الاقتصادي الأميركي على الجزيرة منذ العام 1962. وبعد أن كان الهدف من اتحاد المؤسسات العسكرية هو زيادة الانتاجية، تحول مع الوقت الى مجموعة غايسا. وضمت المجموعة بعد ذلك غافيوتا وأيضا مجموعة التوزيع "تي ار دي" وإدارة محطة الحاويات في مرفأ ماريال الضخم، غرب هافانا، ومجموعة رافين المالية أحد مالكي شركة ايتيكسا التي تحتكر قطاع الاتصالات.

وتملك غافيوتا أكثر من 50 فندقا (40% من البنية التحتية للفنادق التي تملكها الحكومة في الجزيرة) وخمسة أحواض سفن وأكثر من 25 مطعما وشركة جوية تحمل الاسم نفسه وعدة شركات لسيارات الأجرة وإيجار السيارات. في ظل حكم راوول كاسترو، باتت غايسا تسيطر على شركة سيميكس القابضة والبنك المالي الدولي وشركة هافاغوانيكس التي تملك عدة مطاعم وفنادق في هافانا القديمة.

تظل غايسا غير شفافة ولا يتوفر أي سجل رسمي يحصي الكيانات التي تشرف عليها في كوبا. كما ان المقر الرئيسي لغايسا في غرب العاصمة لا يتضمن حتى لافتة على مدخله. ويتولى إدارة غايسا الجنرال لويس رودريغز لوبيز كايخاس عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي وصهر راوول كاسترو. وهذا الجنرال الذي يتفادى الظهور علنا غير معروف فعلا من الشعب الكوبي.

وعلق مسؤول في صحيفة غرانما الرسمية ساخرا في تغريدة "بدون لافتات تحدد الشركات المرتبطة بالمجموعات الكبرى سيكون من الصعب (على الشركات الأميركية) عدم انتهاك إجراءات" ترامب. وأشار خورخي دواني مدير معهد الأبحاث الكوبية في جامعة فلوريدا "بالنظر الى الوجود البارز للعسكريين في عدة نشاطات منتجة في الاقتصاد الكوبي، من الصعب تخيل ان العلاقات التجارية بين البلدين ستكون على نطاق واسع".

وتابع دواني "لقد سمعنا ان الحكومة الاميركية ستعد قائمة بالشركات الكوبية المرتبطة بشكل خاص بالقوات المسلحة"، قبل تطبيق الاجراءات التي ستدخل حيز التنفيذ في الاشهر المقبلة. الا ان خبير الاقتصاد الكوبي بافيل فيدال من جامعة خافيريانا دي كالي شدد على صعوبة المهمة وحجمها وقال انه لا بد من الانتظار "لمعرفة كيف ستطبق الاجراءات الجديدة من أجل تقييم مدى فعاليتها". بحسب فرانس برس.

ويضيف فيدال ان القيود التي سيفرضها ترامب من المفترض ان تحمل السلطات الكوبية على "معالجة براغماتية فورية" لمسألة الحضور الطاغي للجيش في الاقتصاد والذي "يجب ان يتم تصحيحه في وقت أو في آخر". وهناك احتمالان أساسيان بحسب الخبراء: حل غايسا ونقل الكيانات التابعة لها الى إدارة مدنية أو تحويلها الى مجموعة شركات مدنية. لكن الخيار الأخير سيرغمها على اعتماد مزيد من الشفافية، بحسب فيدال.

كوبا تندد

من جانب اخر وبعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض قيود جديدة على كوبا، وإعادة النظر في ما اتخذته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بشأن تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع هافانا، صدر بيان عن الحكومة في كوبا للتنديد بهذه القرارات، وللتأكيد على التزامها بمواصلة الحوار المبني على الاحترام بين البلدين.

وجاء في بيان تمت تلاوته على التلفزيون الرسمي أن "حكومة كوبا تندد بالإجراءات الجديدة لتشديد الحظر" المفروض على الجزيرة منذ العام 1962، لكنها "تجدد رغبتها في مواصلة الحوار المبني على الاحترام" الذي بدأته مع الولايات المتحدة منذ 2015. وتحدثت الحكومة الكوبية عن "خطاب عدائي يذكر بأيام المواجهة المفتوحة" وعن "لجوء إلى الوسائل القسرية الماضية"، مبدية أسفها "للعودة إلى الوراء في العلاقات بين البلدين". بحسب فرانس برس.

وأكدت حكومة راول كاسترو أن "أي إستراتيجية تهدف إلى تغيير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كوبا، من خلال الضغوط (...) أو اعتماد الأساليب الأكثر دهاء، ستكون محكومة بالفشل". ويذكر أن دونالد ترامب تعهد أن يعيد النظر بشكل كبير في التقارب مع كوبا الذي أطلقه سلفه باراك أوباما نهاية 2014 بعد أكثر من نصف قرن من التوتر، منددا بـ"وحشية" النظام في هافانا. ووعد من حي ليتل هافانا في ميامي بـ"اتفاق أفضل للكوبيين والولايات المتحدة" وأعلن الرئيس الأمريكي الحد من التعامل مع الكيانات التي يسيطر عليها الجيش الكوبي والحاضرة بقوة في قطاع السياحة وتطبيقا أكثر تشددا للقيود على الرحلات إلى الجزيرة الشيوعية.

السياح يتحسرون

على صعيد متصل تحطمت آمال السياح الأمريكيين الذين يشتاقون لتجرع شراب في حانة سلوبي جو الأسطورية في هافانا أو الغطس في حوض السباحة فوق سطح أحدث فنادقها الفاخرة وذلك عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسته الجديدة في كوبا. ففي انتكاسة لسياسة الوفاق الأمريكي الكوبي التي تفاوض عليها سلفه باراك أوباما أمر ترامب بتشديد القيود على سفر الأمريكيين إلى كوبا الواقعة في البحر الكاريبي كما فرض قيودا على التعامل مع قواتها المسلحة التي تملك الكثير من المؤسسات الكبرى في العاصمة.

وزار راسل فرانسيس (35 عاما) المدرس من هيوستون حانة سلوبي جو التي حازت شهرة واسعة في عصر الحظر الأمريكي على المشروبات الروحية خلال عشرينيات القرن العشرين عندما كان الأمريكيون يتوافدون على هافانا بحرية لتناول المشروبات ولعب القمار. وقال فرانسيس بعد الزيارة "بوسعك أن تقول ‘بالإمكان شراء شراب في أي مكان‘. لكنك تريد الذهاب إلى مكان مشهور وفي غاية الأناقة".

وكان عمالقة السينما من أمثال جون وين وسبنسر تريسي وكلارك جيبل يترددون على الحانة الشهيرة التي كان البار يمتد فيها 18 مترا وخلدها فيلم "أور مان إن هافانا" (رجلنا في هافانا) عام 1959. ورغم وجود عدد متزايد من الأماكن السياحية المملوكة للقطاع الخاص في هافانا القديمة التي تعتبر جوهرة من جواهر الفنون المعمارية من العصر الاستعماري في الكاريبي فإن كل الفنادق والمطاعم التابعة للدولة مملوكة للجيش.

وقال مات فلين (30 عاما) المحاسب من نيو أورليانز "جزء من جمال الوجود في المدينة هو الجانب التاريخي". وكان فلين يتجول في شارع كاي أوبيسبو حيث تنساب موسيقى السالسا من آلات عازفين في المطاعم والحانات. وأضاف أنه يشعر بخيبة الأمل بسبب قرار ترامب رغم أنه يتفهم المبدأ.

أما لورين سيفان (39 عاما) من لوس أنجليس فقالت إنها سعيدة بسفرها إلى كوبا قبل تغير السياسة وإنها استطاعت الإقامة في فندق مانزانا كيمبنسكي المملوك لمؤسسة جافيوتا التي تتولى المشروعات السياحية التابعة للجيش. وافتتح هذا الفندق المذهل في مركز بيل إيبوك، الذي أعيد تجديده، متباهيا بأنه أول فندق فاخر في كوبا به منتجع صحي فسيح وشرفة فوق السطح وقاعة لتدخين السيجار. وقالت سيفان التي تزور كوبا في عطلة أسبوعية طويلة مع مجموعة من أصدقائها "نحن في غاية السرور لأننا جئنا الآن".

في أعقاب الوفاق بين البلدين عام 2014 ارتفع عدد السياح الأمريكيين لثلاثة أمثاله إذ شجعهم قرار أوباما تخفيف حظر السفر. وسافر كثيرون منهم إلى كوبا تحت فئة "التواصل بين الشعبين" التي ألغاها ترامب. وقال أمريكيون مثل فلين وسيفان إنهم ما كانوا ليقوموا بهذه الرحلة في ظل تطبيق القواعد الجديدة التي تجعل من كوبا ذات الحكم الشيوعي "جزيرة محظورة" تبعد 145 كيلومترا فقط عن فلوريدا.

ومازال الغموض يكتنف ما سيتم السماح به وما إذا كان بوسع السياح الأفراد السفر إلى كوبا بموجب فئة "دعم الشعب الكوبي". وقال خبراء إن المهم هو تفاصيل اللائحة التنفيذية التي ستوضع في الأشهر المقبلة. وبالمثل لم تتضح بعد كيفية تنفيذ الحظر على التعاملات مع الشركات المرتبطة بالجيش. ولمجموعة المشروعات التجارية للقوات المسلحة نشاط في جميع قطاعات الاقتصاد. وهذا معناه أن مجرد شراء زجاجة ماء أو صودا قد يكون فيه دعم للجيش.

وقال فلين "ليس عليها علامات ولذلك فعليك أن تتحرى الأمر بنفسك. ومن الصعب التحكم في ذلك لأنك إذا أتيت دول دليل سياحي فكل شيء يباع نقدا ولا توجد إيصالات." وسيسهم في حل تلك المشكلة فرض الزيارات الجماعية وإصدار قوائم المؤسسات التي لا يمكن زيارتها. لكن هذا سيتيح للحكومة الكوبية المزيد من التحكم فيما يراه السياح ومن المرجح أن يقلل تواصل الأمريكيين مع أفراد الشعب الكوبي.

وقال كريستيان والتر (27 عاما) من باتون روج في لويزيانا "قد تضطر للذهاب ضمن فوج سياحي وهو أمر له مزاياه لكنه سيكون أكثر تكلفة بكثير وفيه مغالاة في التنظيم". وقال بعض السياح إنهم يتفهمون لماذا لا يريد ترامب إنفاق دولارات أمريكية على الجيش الكوبي لكن آخرين قالوا إن ذلك يضر بالكوبيين الذين يستفيدون من الطفرة الأخيرة في حركة السياحة ومن الإكراميات التي يجزل فيها الأمريكيون العطاء في إعالة أسرهم. بحسب رويترز.

ووصفت برونوين هينيسي (44 عاما) التي تدير نزلا لصيد الأسماك في مونتانا الأمر بالسخف. وقالت إنها تختتم رحلة لصيد الأسماك في الجزيرة بقضاء ليلة واحدة في هافانا. وأضافت أنها لن تدع القيود الجديدة تؤثر في رغبتها في استكشاف الجزيرة. ولمن يتمتع بروح المغامرة كانت هناك على الدوام وسائل أخرى للتسلل إلى الجزيرة. فقد سبق أن دخلت هينيسي كوبا عن طريق كانكون في المكسيك وطلبت من المسؤولين الكوبيين عدم ختم جواز سفرها. وقالت "إذا جئنا مرة أخرى فسنتسلل على الأرجح".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك