جبل طارق: الازمة المتجددة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي


قضية جبل طارق ستكون وبحسب بعض المراقبين أول مشاكل أوروبا بعد خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، والذي لن يمر بشكل سلس كما يتوقع كثيرون، فهذه المشكلة ستكون بداية لازمات ومشكلات أخرى ستطفو على السطح في الفترة القادمة، حيث تتصاعد كما نقلت بعض المصادر، حدّة الخلافات السياسية والدبلوماسية بين بريطانيا وإسبانيا بشأن السيطرة على شبه جزيرة جبل طارق، والخاضع لحكم لندن منذ العام 1713، فبريطانيا تعتبرها أراضي تابعة لها، وتصر على سيادة المضيق، في حين تؤكد إسبانيا السيطرة على الجبل كونها تقع على حدود الأندلس، وطالبت بعقد اتفاق منفصل مع بريطانيا لحل الأزمة.

هذا الملف المثير للجدل الذي حضر في مفاوضات مغادرة لندن للاتحاد الأوروبي أشعل الأزمة بين الدولتين المتنازعتين لتصل القضية إلى أوجها في الآونة الأخيرة، علما بأن القضية شكلّت صراعاً سيادياً بين الدولتين منذ عشرات السنين. رئيس حكومة جبل طارق فابيان بيكاردو صرح بشكل قاطع بأن أراضيه ستبقى بريطانية على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في حين قدم الاتحاد الأوروبي اقتراحاً لإعطاء اسبانيا الكلمة في تقرير مصير المنطقة بمجرد مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد. مايكل هوارد السياسي البريطاني و زعيم حزب المحافظين البريطاني السابق، وعضو مجلس الوزراء في عهد رئيسي وزراء المحافظين مارغريت تاتشر وجون ماجور، بدا متحمساً جداً في الدفاع عن جبل طارق ، حيث شبه قضية جبل طارق بقضية جزر فوكلاند، وقال إنه عندما رفضت الأرجنتين إعادة الجزر شنت بريطانيا حرباً في ذلك الوقت واسترجعتها خلال ثلاثة أيام من يد الإسبان، وكانت رئيسة الوزراء في وقتها سيدة، واليوم رئيسة وزراء بريطانيا سيدة وقادرة على مواجهة الإسبان لفرض الديمقراطية التي أرادها سكان الصخرة البريطانيون الآمنون.

ورفض سكان جبل طارق السيادة المشتركة بين بريطانيا وإسبانيا على الجزيرة عام 2002 بنسبة تصويت 99% وأكدوا على البقاء داخل التاج البريطاني. كما صوتوا أخيرا بأغلبية ساحقة على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي بنسبة تصويت 96% لرغبتهم في بقاء بريطانيا داخل الاتحاد، وأثارت النتيجة النهائية بخروج بريطانيا جدلا واستنكارا واسعا داخل الجزيرة. يتراوح عدد سكان الجبل ما بين ثلاثين وأربعين ألف نسمة معظمهم من أُصول بريطانية وإيطالية ومالطية وبرتغالية ومغربية وإسبانية، وتعمل غالبيتهم في الجيش البريطاني، ويعتنق معظمهم الديانة المسيحية فيما تقطنه أقلية مسلمة.

ويتمتع السكان بحرية التنقل والعمل داخلها من دون قيود سواء بالتأشيرات أو السكن أو حتى العمل. وتوجد بمضيق جبل طارق معالم سياحية جعلته يجذب السواح أولا لجمال طبيعته وتاريخه العريق، وثانيا نظام اقتصادي خال من الضرائب، ومن بين هذه المعالم نذكر برج القلعة الحرة والحمامات المرينية، بالإضافة إلى المنارة التي تطل على القارتين الأوروبية والأفريقية، وحصن الملك وعدد من الأنفاق القديمة التي حُفرت تحت الأرض لغايات أمنية وعسكرية.

جدل في بريطانيا

وفي هذا الشأن تعرض مايكل هوارد، العضو البارز في حزب المحافظين البريطاني، لانتقادات بسبب تصريحات تتعلق بموقف بريطانيا إزاء التعامل مع منطقة جبل طارق في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي. وقال هوارد إن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قد تتعامل مع منطقة جبل طارق في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي بنفس أسلوب رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر في التعامل مع أزمة جزر فوكلاند عام 1982.

وانتقد حزب الديمقراطيين الأحرار هوارد، بينما تساءل حزب العمال عن ما قاله وإلى أي مدى تساعد مثل هذه "الدبلوماسية" في محادثات الخروج. وقالت ماي إن بريطانيا "متمكسة بقوة" بجبل طارق، بعد أن أثار الاتحاد الأوروبي هذه القضية قبل محادثات الخروج. وفي مسودة لقواعد التفاوض، قال الاتحاد الأوروبي إن القرارات الخاصة بجبل طارق، وهي أرض بريطانية، قد تُعرض على الحكومة الإسبانية. ومن جانبه رحب وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس بدعم الاتحاد الأوروبي لحق مدريد في الموافقة على أي اتفاق يتعلق بجبل طارق خلال المفاوضات بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد.

لكن داستيس لم يجزم - خلال مقابلة مع صحيفة "إلبايس" الإسبانية - بأن حكومته قد تستخدم حق النقض ضد أي اتفاق في المستقبل بشأن جبل طارق. وقال إن النهج التفاوضي الذي سيعتمده الاتحاد الأوروبي لم يتم إقراره بالكامل. لكن هوارد قال إنه قبل 35 عاما أرسلت سيدة أخرى (ثاتشر) قوة عسكرية لحماية مجموعة أخرى صغيرة من البريطانيين ضد بلد آخر يتحدث الأسبانية أيضا (الأرجنتين)". وأكد أنه من الواضح تماما أن ماي ستتعامل مع قضية جبل طارق بنفس سياسة ثاتشر إزاء فوكلاند.

وفي عام 1982، هاجمت الأرجنتين القوات البريطانية في جزر فوكلاند، ولذا أرسلت مارغريت ثاتشر قوة عسكرية لاستعادة الجزر، وقتل في هذه الحرب 655 أرجنتينيا مقابل 255 بريطانيا. وقال زعيم الديمقراطيين الأحرار تيم فارون "في أيام قليلة حول اليمين المحافظ حلفاءنا القدامى إلى أعداء محتملين، وأتمنى ألا يكون هذا نهج الحكومة في المفاوضات الطويلة المقبلة".

وجاء إصدار الاتحاد الأوروبي مسودة قواعد التفاوض ردا على رسالة من رئيسة وزارء بريطانيا طلبت فيها رسميا إطلاق محادثات الخروج دون أن تتطرق مباشرة إلى جبل طارق. وقال وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون ستحمي جبل طارق "بكل السبل" لأن مواطنيه "أعلنوا بوضوح أنهم لا يريدون العيش تحت الحكم الأسباني".

ودافع فالون عن عدم ذكر جبل طارق في رسالة ماي التي أشارت فيها إلى تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، قائلا "إنها أشارت إلى وثيقة منفصلة عن جبل طارق". وقال مصدر في حكومة جبل طارق لبي بي سي، إنهم طلبوا من الحكومة البريطانية في أكثر من مناسبة الإشارة إلى منطقتهم في رسالة المادة 50"، وكان سكان المنطقة قد صوتوا في استفتاء يونيو/ حزيران الماضي برغبتهم في البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.

وذكرت رئاسة الوزراء البريطانية عقب حديث تريزا ماي مع رئيس وزراء جبل طارق فابيان بيكاردو، تأكيد ماي على أن "بريطانيا لن تبدأ أية ترتيبات تقضي بوضع شعب جبل طارق تحت سيادة دولة أخرى دون رغبتهم، التي عبروا عنها بحرية وديمقراطية، ولن تخوض أبدا مفاوضات تتعلق بالسيادة لا يرضى عنها جبل طارق". بحسب بي بي سي.

ومن جانبه قال بيكاردو إنه يدعم بقوة وحماس مفاوضات بريطانيا من أجل الخروج. وكان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون قد صرح بأن جبل طارق ليس للبيع، مؤكدا على أنه لن يكون ورقة مساومة في أي مفاوضات. وترغب إسبانيا في استعادة السيادة على المنطقة، التي تنازلت عنها لصالح بريطانيا قبل 300 عام. وقد صوت غالبية سكان جبل طارق في 2002 ضد أي سيادة إسبانية. ورغم ذلك استمرت مدريد في مطالبتها بالإقليم.

القواعد الإرشادية

من جانب اخر قال المتحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن بريطانيا ستنتظر حتى نهاية الشهر لمعرفة القواعد الإرشادية التي وافق عليها باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي بشأن مواضيع مثل جبل طارق. وتحول مستقبل منطقة جبل طارق إلى أول نقطة نزاع في محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منذ أن أخطرت ماي التكتل رسميا بعد صدور مسودة موقف موحد للاتحاد الأوروبي تشير إلى أن أي اتفاق بشأن هذه المنطقة الواقعة جنوب إسبانيا يجب أن يكون بين لندن ومدريد.

وقال المتحدث للصحفيين "صدرت مسودة قواعد إرشادية.. سننتظر ونرى ما الذي اتفقت عليه الدول السبع والعشرين (أعضاء الاتحاد)." وأضاف المتحدث أن ديفيد ديفيز وزير شؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي عقد "اجتماعا وديا وبناء" مع وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس في مدريد، في إطار زيارة معدة سلفا، أثار خلاله مسألة جبل طارق. بحسب رويترز.

ويوجد جبل طارق في صلب مباحثات شاقة بين لندن ومدريد منذ نشرت "توجهات المفاوضات" حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. وتبدو مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي حول خروجها معقدة وشائكة، وتثير الوثيقة قلق المسؤولين السياسيين في جبل طارق خشية أن تستبعد مدريد المنطقة من أي اتفاق تجاري في المستقبل..

من جهته، أكد وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن "جبل طارق ليس للبيع". وقال داستيس "لا نريد وضع معوقات في العلاقات مع بريطانيا ولا مع سكان جبل طارق"، مؤكدا خلال مؤتمر في مدريد أن هذا الأمر ليس من مصلحة إسبانيا، التي تسهر أيضا على حماية سكان المنطقة الحدودية مع جبل طارق والذين يعمل عشرة آلاف منهم هناك. إلى ذلك، أسف الوزير الإسباني لمقارنة رئيس سابق للحزب البريطاني المحافظ بين الخلاف الإسباني البريطاني حول جبل طارق وحرب جزر فوكلاند (الملوين) ضد الأرجنتين. وأحجمت لندن عن انتقاد تصريحات هاورد وقال المتحدث باسم رئاسة الوزراء أن "اللورد هاورد حاول ببساطة إظهار التصميم على حماية حقوق جبل طارق وسيادته".

اسبانيا وحق الاعتراض

الى جانب ذلك وبخ زعيم منطقة جبل طارق دونالد توسك رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي لإعطائه اسبانيا حق الاعتراض على العلاقات المستقبلية بين الجيب البريطاني والاتحاد الأوروبي بعد أن تخرج بريطانيا من الاتحاد. وأصبح مستقبل منطقة جبل طارق وهي جيب بريطاني على الطرف الجنوبي من إسبانيا أول خلاف كبير في مفاوضات الخروج منذ أن قدمت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي طلبا رسميا للانفصال عن الاتحاد يوم 29 مارس آذار.

وجاء في مسودة الموقف المشترك للاتحاد الأوروبي بشأن محادثات الخروج أنه "بعد انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي لن يسري أي اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا على منطقة جبل طارق دون الاتفاق بين المملكة الإسبانية وبريطانيا." وقال فابيان بيكاردو رئيس وزراء جبل طارق "السيد توسك، الذي اعتاد على تشبيه خروج (بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) بالطلاق، يتصرف مثل زوج مغدور به يصب غضبه على الأطفال."

وقال بيكاردو إن إسبانيا تحاول الاستئساد على جبل طارق وإن الاتحاد الأوروبي يسمح لها بذلك. وقال إن الإقليم البريطاني لن يسمح لنفسه بأن يصبح ورقة تفاوض في مفاوضات الخروج. وتابع "لن نصبح بطاقة تفاوض ولن نصبح ضحية للخروج من الاتحاد الأوروبي إذ أننا لسنا من تسبب فيه. بحسب رويترز.

صوتنا على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي لذلك فإن السماح لاسبانيا بالاستئساد علينا سيكون بمثابة صب الغضب علينا." وقال بيكاردو إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يحذف الإشارة إلى جبل طارق الذي صوت بأغلبية ساحقة على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي من مسودة الخطوط الإرشادية للمفاوضات. وقال "حذف الإشارة لجبل طارق سيكون بادرة على حسن النوايا."


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك