طبيعة بشرية جُبِلَ عليها الإنسان منذ بدايات الخليقة.. تلك هي التأثَّر بمن هو أكبر عمرا أو أعلى مرتبا.. أو أهم في المركز الوظيفي أو الاجتماعي.. هذه الطبيعة رافقت الإنسان وساعدته على صقل قدراته.. فجيّر هذه الفائدة لصالحه.. وعلى هذا الأساس البالغ الأهمية.. طوّرت الإنسانية من كينونتها ووجودها.. وصارت تعلو من رتبة الى أخرى.

وفي ضوء ذلك تعددت العصور وكل عصر طُبِع بما يتميز به أناس ذلك العصر.. وكان للقادة التأثير المباشر على الملأ الأوسع.. أو ما تُسمّى بالشعوب.. فينظر الفرد البسيط على قائده نموذجا يأخذ منه الخبرات.. وتبعا لهذا تتطور حياة الفرد وينتقل من درجة أقلّ الى درجة أفضل وأعلى.. يحدث هذا حينما تكون شخصية القائد مؤثرة بصورة جيدة من خلال الفكر والفعل.

عمل القائد كثيرا ما يُصبح درسا للأجيال الحالية أو حتى التي يتم إعدادها لإدارة المستقبل.. فالأمم التي تُرزَق بقادة أذكياء رحماء أشدّاء حكماء تصير أمة متفوقة.. السبب معروف هنا.. فالناس تتعلم من قادتها.. ليس فقط القائد السياسي.. القائد في الأسرة.. وفي العمل.. وفي المدرسة.. وفي أي مجال آخر له التأثير المباشر على شخصية الأدنى ورسم خصاله وخبراته وصفاته.. فأما يكون الأفراد فاعلين متميزين وأما ينعكس نموذج القائد بالضد منهم.

يفسر لنا هذا الشيء سماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي في أحد كتبه فيقول: (القائد تكون أعمالُهُ درساً للشعب، ومنهاجاً للأجيال، ولذلك كان القائد متحملاً لما يمارسه الشعب نتيجة تعلمه منه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر) المصدر/ كتاب السياسية من واقع الإسلام.

الركن الأهم أو حجر الزاوية هو بناء شخصية القائد أولا.. فلا خير في قائد لا شخصية متميزة له.. ولا خير في قائد يسيء لأمته ورعيته بالفكر.. فمثال ذلك أن يكون متطرفا في مشاريعه وما يؤسس له ويقرره.. حينئذ يتأثر الناس.. وتذهب الأمة في مذاهب لا تخدمها ولا تختصر لها طريق الفوز بحياة النعيم.. فعلى شاكلة القائد تكون الأمة.. إن هو خير فهذا من حسن حظها، وإن شر فهذا من سوء الطالع.. أمير المؤمنين عليه السلام بنى شخصيته على الزهد.. فتأثر به من يحبه ومن ينظر إليه كشخصية فريدة.

فرأى المرجع الشيرازي أن (الحياة الشخصية للقائد أدق مدرسة للأجيال المتمسّكة بذلك القائد، ولهذا كان من سياسة أمير المؤمنين عليه السلام بناء حياته الشخصية على الإيمان والزهد).

المدرسة الدقيقة تعني توافر الدروس الفعالة.. فهناك قانون قيادي تمخّض عن التجريب الدائب في حيّز العمل القيادي.. مؤدّاه أن القائد يؤثر في الأمة.. فإن فسد النموذج فسد الناظرون إليه والمتأثرون به.. هذا يمثل جرس إنذار للقائد حتى يراقب نفسه.. أفعالة.. أفكاره.. قراراته.. عدله وظلمه.. فالجميع يتعلمون منه ذلك.. ويطبقونه في دوائر عملهم.. في عائلاتهم.. في كل مجال عمليّ يتصدّرون القيادة فيه.. فإن كان ورعا تعلم الناس منه الورع ولو كان تقيا نجيبا أخذ الناس عنه التقوى والثبات على الحق والعيش في بساطة وسلام.

وعن شخصية قائد الأمة الإمام علي بن ابي طالب (ع) يقول سماحة آية الله العظمى المرجع الشيرازي: (أربع سنوات أو أكثر قضاها أمير المؤمنين عليه السلام بين الكوفة والبصرة، وهو الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية الواسعة الأطراف. خلال هذه المدة الطويلة لم يشتر من مال المسلمين ثياباً لنفسه، ولم يأخذ من أموال البصرة والكوفة شيئاً لذلك. بل ظل على ثياب المدينة كل هذه المدّة الطويلة، إلا إذا اشترى من عطائه الخاصّ كأضعف مستضعف من مسلم آخر في طول البلاد الإسلامية وعرضها).

حرّي بالقادة الحرص في العمل والحركة والأقوال.. فكلها تؤثر في الناس.. إن هي جيدة فهذا ما هو مطلوب.. وإن هي ناقصة لأي سبب كان.. فهذا ليس مرغوبا به.. حيث يؤذي الأمة في زمنها المعيش الآني.. وفي زمنها القادم.

قادتنا اليوم في العراق هم نماذج لشعبهم.. فإذا صلحوا صلح العراقيون.. والعكس يعني أن القادة يصنعون شعبا غير مؤهّل لمجاراة الشعوب.. فتلفظه الأخطاء نحو حافة التخلف.. ويعاقر الجهل ويؤاخي الكل ذلك لأن نماذجه القيادية جاءت على هذه الشاكلة.. وإن كانوا بررة كبارا في أخلاقهم وشخصياتهم وقيادتهم للناس.. فكل الخير فيهم ومنهم ويبقون متميزين كبارا في ذاكرة الأمة.. أما لو كانوا نماذج قيادية رديئة فلا يحتاج الأمر الى تعليق.. فالنتائج معروفة بلا شرح او إشارة.

كن قائدا جيدا تصنع أمة متميزة متطورة متصدرة للأمم الأخرى.. وكن قائدا فاسدا فاشلا تصنع رعية تتقن الفساد وتدير ظهرها للتطور متأثرة بالنموذج القيادي الرديء.. القائد غير المسرف.. الزاهد المتبصّر الورع.. حامل النفس الأبية.. لن يسمح للنفس بالخطأ.. فيكون أبيا كبيرا.

هذا النموذج العظيم يتجسد في شخصية أمير المؤمنين (ع)، عندما توجّه الى شعب البصرة وخاطبهم في حجة هي قمة الإقناع.. يظهر ذلك في كتاب سماحة السيد صادق الشيرازي فنقرأ: (توجّه علي عليه السلام إلى أهل البصرة وقال: يا أهل البصرة ما تنقمون مني، إنّ هذا لمن غزل أهلي ــ وأشار إلى قميصه ـ. وقال عليه السلام :دخلت بلادكم بأشمالي هذه، ورحلتي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1