أولاً؛ مبروك للعراقييّن الانتصار الباهر الذي حققتهُ القوّات المسلّحة الباسلة على الارْهابِ في الرَّمادي.

وان شاء الله يَوْمُ النّصر النهائي على الاٍرهاب في كلِّ شبرٍ من ارضِنا الطّاهرة في عراقِنا الحبيب.

ثانياً؛ يُجانب الصّواب من يظنّ انّ الارهاب معارك عسكريّة فقط، يمكنهُ ان يحقّق فيها النّصر بالسّلاح والحشود فحسب، فالإرهاب مدرسة كأَيّة مدرسة أُخرى في هذا العالم، يعتمد السّياسة والسّلاح والبترول والحرب النّفسيّة والحرب الاستخباراتية والتّحالفات الدّولية والإقليميّة والدّبلوماسية والاعلام ويوظّف الدّين وفتاواه والتّاريخ ورموزهُ ويسخّر الفقهاء وكلّ شيء من أَجل إنجاز مهامّه.

ولذلك لا يمكن مواجهتهُ الا بمدرسةٍ متكاملةٍ تتبنّي كلّ شيء، فلا تهتمّ بجانبٍ وتغفل الجوانب الاخرى.

والعاقل في هذه الحرب هو الذي يقلّل الخسائر ويحقن الدّماء ويكتفي بغيرهِ ويحقّق اعظم الانجاز، امّا نظرية الحشود ففي مثل هذه الحرب فاشلة لا تحقّق النّتائج المطلوبة، بل هي تحوّلها الى حربِ استنزافٍ تقتل وتدمّر بلا أفُق.

ولو كان الارهابُ سلاحٌ فقط يمكن ان يتمّ القضاء عليه بالسّلاح فقط لأتى أمير المؤمنين (ع) على آخرهم في معركة النّهروان، وقد كان ذلك في متناول يدهِ، الا انّهُ لم يفعل ذلك ليس لعجزٍ في انجازهِ العسكري ابداً وانّما لانّ مثل هذا الامر يتناقض والحقيقة التي تقول انّ الارهابَ حَرْبٌ شاملةٌ تتعدّد أدواتها، ولهذا السّبب فعندما قيل للامام: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم، ويقصدون الخوارج، فقال: كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ.

ولأنّها حَرْبٌ شاملةٌ، وظّف امير المؤمنين (ع) الخطاب والسّياسة وكل أدوات الحوار للتّقليل من حجم جبهة الاٍرهابيّين، فكان ان نجحَ في إقناع أكثر من نصفهم لاعتزال القتال فيما نجح مع نصفِ النّصف المتبقّي في تغيير قناعاتهم لينقلبوا على زعمائهِم، ومع ذلك قال الامام ما قال.

ثالثاً؛ والحربُ على الاٍرهاب عبارةً عن سلسلةٍ من المعارك يتّصل بعضها بالبعضِ الآخر، ليس في ساحات المواجهة فقط وانّما في كلّ الساحات، بل اجزم القول بانّ الإنجازات العسكريّة هي ثمرة إنجازات سياسيّة واعلاميّة متعدّدة ومتنوّعة، من جانبٍ، وان لكلِّ معركةٍ من هذه المعارك خصوصيّاتها وأدواتها واتّفاقاتها، من جانبٍ آخر، ولذلك لا ينبغي ان نُكرّر مقوّمات ايّة معركة من المعارك ونصرُّ على تكرارها في كلّ معركة.

هذا يصدُق على هويّة ونوعية المقاتلين الذين يشتركون في كلّ معركةٍ على حدة، كما يصدق على نوعيّة التّحالفات والاتّفاقات وكذلك الجهات والاطراف، في خططٍ عسكريّة وأمنيّة ودبلوماسيّة دقيقة لا ينبغي الحديث عنها في الاعلام لانّ ذلك يُفقدها صفة السّريّة المطلوبة لتحقيق النّصر الذي يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على عنصر المباغتة والمبادأة والمفاجأة.

رابعاً؛ من يصرّ على مفهوم أُحاديّة البعد العسكري في الحرب على الاٍرهاب فسيظل يتجرّع من كأس السُّم الذي شرِبَ مِنْهُ الامام الخميني (قدس سره) في نهاية حربِ الخليج الاولى.

الا ينبغي لنا ان نتعلّم الدرس من انفسِنا على الأقل؟ ام نصرّ على التغافل والتجاهل فنركب رؤوسنا فنظلّ نضحّي بشبابنا في مختلف ساحات المواجهة، فيما ينأى المسؤولون والسياسيّون بأبنائهم عن ساحات العز والجهاد والتضحية؟!.

يجب ان نفهم بانّها حَرْبٌ سياسيّةٌ بأدوات اخرى، والارهاب الذي اجتاح العراق بقرارٍ سياسي وظّف الفشل السّياسي بين الفرقاء وساحات الاعتصام والفساد المالي والاداري في المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة، وانشغال القائد العام للقوات المسلحة السابق بالثّالثة! لن ينتهي الا بقرارٍ سياسي هو جزءٌ من قرارٍ سياسي أوسع وأشمل يتعلّق بالمنطقة، وتحديداً في سوريا والعراق، وبرأيي فلقد بدأت تلوح في الأفق بوادر مثل هذا الاتّفاق الذي بدأ بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير مروراً بالتّصفيات المتبادلة على السّاحة السّورية، وقريباً مثلها على السّاحة العراقيّة.

فالحرب على الاٍرهاب لا تُقاس بحجم الدّماء التي تُراق من نحور الشهداء ابدا، وانّما تُقاس بالخطط الشّاملة وعلى مختلف الاصعدة التي يعدّها القادة لخوض معاركها المتتالية.

خامساً؛ والاعلام هو أحد أهم أدوات الحرب على الاٍرهاب، والذي فشلنا فيه بشكلٍ مخجِل وللاسف الشّديد فيما نجح فيه الارهابيّون وذيولهم بامتياز، يساعدهم ويمكّنهم من ذلك المغفّلون والتّافهون والموتورون والجهلة من عبدةِ العجل، من الذين رأيناهم خلال اليومين الاخيرَين كيف تهجّموا على المرجعيّة الدّينية العليا التي اثبتت بخطابِها الحكيم والموزون والوسطي والعقلاني والوطني حكمةً بالغةً لولاها لكان العراق وعجلَهم في خبر كان.

كما رأيناهم كيف هبّوا هبّة رجلٍ واحدٍ يُثيرون الشّبهات والشّكوك والفُرقة من خلال نشر الأخبار الكاذبة والافلام المفبركة والتّحليلات المغلوطة والتقوّلات التي لا أساس لها من الصحّة، والتي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي كالنّار في الهشيم، من دون اي وازع ديني او اخلاقي او وطني او حتى مذهبي!.

سادساً؛ ولعلّ من أبرز معالم الحكمة والتعقّل والوطنيّة في الخطاب المرجعي على مستوى الحرب على الاٍرهاب شيئين:

الشّيء الاول؛ هو تأكيدهُ على ان يكون انخراط المتطوّعين الذين لبَّوا فتوى الجهاد الكفائي في إطار المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة الرّسمية حصراً، فهو لم يجوّز ايّ سلاحٍ خارج المؤسسة الرسميّة، لسدّ الباب امام محاولات الأحزاب الحاكمة وبعض السياسيّين الفاشلين والجهات الإقليميّة لاستغلال الوضع الاستثنائي لإعادة تشكيل ميليشياتهم المسلّحة خارج إطار الدّولة ومؤسساتها من الذين يحاولون الاتّجار بالدماء للإعلان عن انتصاراتهم الوهميّة والفضائية، لتوظيفها لاحقاً في معاركهِم الانتخابيّة القادمة!.

الشّيء الثاني؛ ان يتم الاستعانة في كلِّ معركةٍ ضد الاٍرهاب بأهالي ومتطوّعي المنطقة التي يُراد تحريرها من يد الاٍرهابيّين، وهي نظرةٌ ثاقبةٌ من قبل المرجعيّة للحيلولة دون حدوث الاحتكاكات غير المرجوّة في المناطق ذات اللّون الواحد على وجه الخصوص، وكذلك لسدّ باب الذّرائع التي يلج منها الاعلام الطّائفي لتشويه سمعة المتطوّعين، خاصّة من أبناء الحشد الشعبي الأغيار والابطال الذي أبلَوا لحدّ الان بلاءً حسناً في كلّ معركةٍ خاضوها ضدّ الارهاب.

ومن جانبٍ ثالثٍ، ليستشعر أهالي كلّ منطقة من المناطق المغتصَبة، بأهمية وقدسيّة الدّم المُراق من أجل التّحرير فلا تتكرّر السّيناريوهات يوماً تلو الآخر!.

تأسيساً على هذين الثّابتين، يمكن القول وبالفم المليان انّ هذا يعني انّ كلّ راية قتاليّة في جبهات الحرب على الاٍرهاب غير علم العراق هي راية ضلال وهي راية غير وطنيّة وغير شرعيّة، ينبغي ان تضع لها الدّولة حداً وبأسرع وقتٍ ممكن.

يجب تنفيذ توجّهات المرجعيّة الدّينية العليا بهذا الصّدد عندما أكّدت وكرّرت على وجوب ان تختفي كلّ الرّايات الحزبيّة والفئويّة والكتلويّة في جبهات الحرب على الاٍرهاب ليحلّ محلّها علم العراق فقط.

هذا على الصّعيد الأمني والعسكري.

نفس الشّيء على الصّعيد الاعلامي والسّياسي، فكل موقف وتصريح يصدر عن غير المؤسّسة الأمنية والعسكريّة الرّسمية فيما يخصّ معارك الحرب على الاٍرهاب فهي باطلة ولا تخدمنا ابداً، لانّها تُثير الشّكوك والفوضى وتُسقط مبدأ الخُدعة في الحرب الذي وصفهُ رسول الله (ص) بقولهِ لنعيم بن مسعود {خَذِّل عنّا مزاعمَ القومِ فانَّ الحربَ خُدْعَة}.

للاسف الشّديد فبعد مرور اكثر من عامٍ على الحرب على الاٍرهاب لازلنا نشهد الفوضى والتخبّط وتعدد الرّايات والأسماء والمسمّيات، من جانب، ولازلنا نشهد تدخلاً غير مبرراً من هذا الطّرف السّياسي او ذاك الطّرف (المسلّح) لفرض أجنداتهِ ونوعيّة مشاركاتهِ في هذه المعركة او تلك.

هل يحصل مثل هذا في سوريا؟ هل يجرؤ حزب الله مثلاً او ايّ فصيلٍ مسلَّح يقاتل الى جانب الجيش العربي السوري ضد الارهاب ان ينبس ببنت شفةٍ عن سير العمليّات العسكريّة مثلاً او يحدّد نوعيّة مشاركاته في ايّة معركة من المعارك؟!.

فلماذا يحصل هذا في العراق؟ الا يعني انّ للمسلّحين أجنداتهم السياسيّة؟!.

هذا شيءٌ لا يجوز بالمطلق، ولذلك ينبغي على المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة وعلى رأسها القائد العام للقوّات المسلّحة، ان تكون اكثر حزماً وحسماً وصرامةً في التّعامل مع مثل هذه المواقف غير المسؤولة، وان تضرب بيدٍ من حديدٍ كلّ راية تحاول العبث في جبهات المعارك، وبالتّالي هي تعبثُ بأرواح ودماءِ المقاتلين.

انّهُ فسادٌ من نوعٍ آخر، انّهم تجّار حروب ودماء لا يخدمون العراق بمقدار خدمتهم خلف الحدود!.

دعونا نبني دولة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق