إسلاميات - المرجع الشيرازي

بناء العراق على أسس العدل والتعدّدية

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(نأمل ببناء عراق موحَّد مستقل على أسس التعدّدية)

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)

تؤكّد سجلات التاريخ البعيد والمنظور، بأن دول وأمم العالم أجمع، جرِّبت كل أنواع الأنظمة السياسية التي تصدَّت لإدارة شؤون الناس، فمنها الأنظمة التي سعت إلى قهر إرادة مواطنيها، وتحطيم معنوياتهم، كي تتجاوز على حقوقهم وحرياتهم، ومنها الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية والحفاظ على الحرية لكنها تعمل بالضد من ذلك، كذلك هناك أنظمة فاسدة كل همّها التنعّم بالامتيازات والنفوذ.

العراق شعبا ودولة عانت من الأنظمة المستبدة، وتعرّض الشعب إلى شتى أنواع الاضطهاد والقمع، وقد مرت على العراقيين قرون وعقود متتالية، وهم تحت قبضة الحكومات المتجبرة والحكام المستبدين، فكان التعذيب بأشكاله القاسية يدمر شبابهم وحياتهم، وكان التشريد من حصة الكثير منهم، وصارت المنافي ملاذا لهم.

كل هذا بسبب الأنظمة السياسية القمعية التي لا تقبل بالتعددية، وترفض اللامركزية، وتسعى إلى جمع الصلاحيات والسلطات في شخص الحاكم الأوحد الذي يجد السبل كافة ممهدة أمامه لكي يبطش بالناس، ويصادر حرياتهم، ويسلب حقوقهم، فكان الظلم كبير عليهم، وتعرضوا له عبر سنوات طويلة، لاسيما في حقبة أو مرحلة الحكومات الانقلابية العسكرية.

وآخرها حكومة البعث الدكتاتورية التي حاصرت العراقيين بالتجويع والتجهيل والحروب والإهمال، ومن يعترض سيكون حصته التعذيب والتشريد والملاحقة والقمع، لهذا بعد الخلاص من حقبة القمع لابد أن يسعى العراقيون جميعا إلى الإفلات من معالم مرحلة الاستبداد والانتقال إلى أجواء التعددية واللامركزية في الحكم، للتخلص من الظلم الكبير الذي لحق بالعراقيين، وتعويضهم عمّا لحق بهم من خلال بناء عراق خال من الظلم والتعسّف.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يطالب في كتاب (من عبق المرجعية) قائلا:

(على جميع المؤمنين تعبئة كافة الطاقات وبذل الجهود واغتنام الفرص، والعمل الجاد طبقا للموازين الشرعية وفي شتى الاصعدة، لإنقاذ الشعب العراقي المؤمن المظلوم، من المظالم القائمة التي لم تزل ومنذ عقود يقاسيها ويعانيها أشد المعاناة).

العسف والظلم الذي طال العراقيين يستوجب تعويضا يستحقونه من الحكومات التي تأسست في عهد ما بعد نيسان 2003، وهو العهد الذي أخذ على عاتقه التصدي للتغيير السياسي في العراق، من الفردي القمعي الاستبدادي إلى الاستشاري اللامركزي التعددي، بما يضمن رفع الحيف والظلم عن العراقيين، فلقد عرف العالم أجمع ما هي المصاعب القصوى التي أثقلت كاهل الشعب العراقي، وكيف كان يعيش العراقيون في ظل نظام لا همَّ له سوى الحروب، وكز الأموال على حساب المواطنين البسطاء والفقراء.

استبدال القمع والاستبداد بالتعددية

هذا التغيير من نظام رديء عنيف تعسفي إلى نظام جيد تعددي حافظ للحقوق وحامي للحريات، لا يمكن أن يتم ويتحقق إلا بعد توافر شروط ومستلزمات مهمة تساعد على تحقيق الانتقال من الفردية إلى التعددية، التغيير يستوجب الثبات على الموقف والكلمة، ورص الصفوف وتوحيدها، والتعاطي بحكمة وتأنٍ مع المشكلات والأزمات التي تعصف بالعراقيين.

يجب عدم التفريط بالحقوق ولا بالحريات، والعمل المستمر على صيانة حقوق العراقيين، من خلال تعاونهم مع بعضهم على إنجاز هذه الأهداف، حتى لو كانت الظروف صعبة أو مانعة لتحقيق ما يهدفون إليه، فالحكمة والتعاون ووحدة الكلمة والموقف كفيلة بإنجاز ما يطمح إليه العراقيون الساعون إلى نظام سياسي تعدّي يبعد عنهم عودة الدكتاتورية مرة أخرى.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(أدعو المؤمنين الكرام في العراق العزيز الى جمع الكلمة، وتوحيد الصفوف، ومواصلة الاعمال بالحكمة والحنكة والمثابرة، ونبذ كل ما يمكن أن يؤدي إلى التهاون والتفريط).

لا أحد يستطيع أن ينكر الظروف القاسية التي لا تزال تهيمن على العراق والعراقيين، هناك مخاطر على التجربة التي تلت النظام الدكتاتوري الذي رأى العراقيون في ظله الويلات والعذابات، ففي ظل النظام التعددي الحالي في العراق هنالك اختراقات كثيرة في هذا النظام، مما انعكس ذلك على حياة العراقيين وجعلها صعبة ومحاطة بالأزمات والمشكلات الكبيرة.

هذا الوضع يجب أن لا يستمر طويلا، فما عاناه العراقيون في ظل الأنظمة الفردية كثير، ولابد أن تتنبه النخبة السياسية إلى الحقوق المهدورة لهذا الشعب، وأن تسن التشريعات التي تحمي حقوقهم وحرياتهم، وتحرص على تطبيقها بالشكل والطريقة التي تطوّر حياة العراقيين وتجعلهم في حال أكمل وأفضل مما كانوا عليه سابقا.

وحدة الصف والموقف والكلمة

هذه الأهداف الجوهرية لا يمكن تحقيقها ما لم يتم التآزر بين الجميع والتماسك والتعاون، والتقارب، والتوحدّ التام من خلال التمسك بحبل الله تعالى، لكي يكون العراقيون قلبا واحدا وكلمة واحدة وموقفا واحدا متماسكا، فالوحدة بين الناس والتكافل المتبادل كفيل بمنع حالة التشرذم بين أفراد الشعب، وتزيدهم قوة والتحاما.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) بوضوح شديد: (أدعو اخواني العراقيين من جميع الفصائل وفي جميع المراحل، الى الالتحام ورصّ الصفوف، والتمسك بحبل الله المتين).

جميع العراقيين تقع عليهم مسؤولية بناء العراق التعددي المتجانس، فحتى لو كان الشعب يتكون من عدة أعراق وهويات ومذاهب وأديان واثنيات، فهذا التنوّع يشكل ثراءً للعراقيين، ويمنحهم قوة أكثر وثباتا، وتنوعا في الثقافات والخبرات والتجارب، مما يجعلهم أكثر قدرة على التطور والتقدم والاستقرار، وبهذا يتحول الاختلاف والتنوع الاجتماعي إلى مصدر قوة للدولة والنظام التعددي، بدلا من أن يكون عامل إضعاف وخلخلة للنسيج المجتمعي.

لدينا مؤسسات علمية جامعية ذات تاريخ عريق، ولدينا مثقفون ومفكرون، ولدينا نخب مختلفة عليها جميعا أن تتصدى لدورها التنويري النهضوي بجدية عالية ومسؤولية، ولابد من نقل الواقع العراقي الاقتصادي والانتاجي إلى واقع أفضل بكثير مما كان عليه، ومما هو عليه الآن، المطلوب واقع عراقي جديد يحفل بالخبراء والعقول الكبيرة التي تقوده إلى أمام بخطوات مدروسة في ظل نظام تعددي يحمي الجميع من عودة الاستبداد مرة أخرى.

هناك آمال كبيرة يعقدها عامة العراقيين على النخب التي تقودهم، وهذه النخب مطالَبة اليوم بأخذ زمام المبادرة لبث روح العمل والنشاط والجدية والشعور بالمسؤولية عند العراقيين جميعا، فبهذه الاساليب الجادة سوف يُبنى العراق التعددي، ولن يحتاج العراقيون الأباة إلى غيرهم.

هذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في قوله:

(على طريق بناء العراق الجديد، تُعقد آمال كبيرة على الجامعات، بأساتذتها الاكارم وطلبتها الاماجد، أن يقوموا بمهمتهم الاساسية بإغناء الامة بخيرة الخبراء والمثقفين الملتزمين، في جميع التخصصات، لكي لا يحتاج هذا الشعب الأبي الى غيرهم، بل يصبح هو في مقام إسعاف الاخرين بالخبرة والتقنية والاختصاص، ويقدموا الأمة إلى أمام).

لهذا السبب هناك آمال كبيرة وتطلعات أكبر لدى العراقيين أنفسهم، وعند كل من يهمه حاضر ومستقبل العراق، بأن هذا البلد ذو التاريخ الناصع، يستحق حاضرا أفضل مما هو عليه الآن، ومستقبلا يليق بشعبه في ظل نظام لا مركزي تعددي عادل ومنصف وحافظ للحريات والحقوق.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) أشار إلى ذلك قائلا:

(نأمل ببناء عراق مستقل موحَّد، وعلى أسس التعددية، والمشورة، والعدل، والحرية المشروعة).

إذًا العراق يُبنى بإرادة أبنائه، وبإصرار شعبه على طمر معالم الاستبداد والدكتاتورية إلى الأبد، والتمسك بالنظام السياسي التعددي العادل والمنصف، مع الحرص الدائم على تشذيبه من حالات الخلل التي تصيبه هنا أو هناك، وذلك من خلال منهج استشاري لا يقصي أحدا ويحق الحق، ويعدل بين الجميع بلا استثناء

اضف تعليق