بقلم: كاميليا حسين

مع تصاعد التوجُّه العالمي للحفاظ على البيئة، وتزايد الوعي بالقضايا البيئية وقضايا تغير المناخ والاستدامة، ينمو طلب المستهلكين على المنتجات الصديقة للبيئة، وتندفع الكثير من العلامات التجارية للترويج نحو تبني مبادرات بيئية للحد من التلوث واستخدام الطاقة النظيفة. لكن المفارقة أن العديد من هذه العلامات لا تلتزم فعليا بما تَعِدُ به، مما يؤدي إلى تشكُّك المستهلكين وتلاشي ثقتهم في المبادرات المشابهة، وهو ما ينعكس أيضا على استخفاف بعضهم بقضايا البيئة كلها والنظر بعين الريبة لكل ما يتعلق بها.

احذر من الغسيل الأخضر

وفقا لمؤشر الاستدامة لعام 2022 الصادر عن "جرين برينت" (Green Print)، يشعر 75% من المستهلكين الأميركيين بالقلق إزاء الأثر البيئي للمنتجات التي يشترونها. وقد أقرَّ أكثر من 68% من الأفراد الذين شملهم الاستطلاع بمطالعتهم النشرة الموجودة على المنتج كي يتمكَّنوا من تحديد ما إذا كان صديقا للبيئة أم لا، وهو الرقم الذي يقفز إلى 78% في حالة الجيل زد وجيل الألفية. الأهم من ذلك أن نحو ثلثي المشاركين أعربوا عن استعدادهم لدفع المزيد من الأموال مقابل الحصول على منتجات صديقة للبيئة، فيما أشار 38% من الأفراد الذين شملهم الاستطلاع إلى أن أحداث التغيرات المناخية في الأعوام القليلة الماضية دفعتهم إلى تغيير عادات الشراء.

وهكذا مع تزايد هذا الوعي البيئي انطلقت العديد من العلامات التجارية للحاق بالركب، سواء عن طريق الشروع في مبادرات بيئية حقيقية أو حتى عبر الاكتفاء بالشعارات الطنانة وتضليل المستهلك، وهو ما يُطلَق عليه اليوم مصطلح "الغسيل الأخضر" (Greenwashing). صيغ هذا المصطلح لأول مرة في مقال نقدي للعالِم البيئي "جاي ويسترفيلد" نشره عام 1986، وانتقد فيه ممارسات الفنادق التي شجعت نزلاءها على إعادة استخدام المناشف متذرعة بالحفاظ على البيئة.

يعني الغسيل الأخضر ممارسات "الالتفاف التسويقي" التي تدَّعيها بعض العلامات التجارية، عبر نشر ادعاءات مضللة أو غامضة حول ممارساتها الصديقة للبيئة. على سبيل المثال، قد تدَّعي العلامة التجارية أنها تُقدِّم منتجات مصنوعة من مواد معاد تدويرها، أو أن إنتاجها يساعد على توفير الطاقة، أو أن منتجاتها أقل إهدارا للموارد الطبيعية. أحيانا تكون هذه الادعاءات صحيحة نسبيا، لكن بعض الشركات تبالغ في مزاعمها أو في الفوائد العائدة من ممارساتها، في محاولة لتضليل المستهلكين ودفعهم إلى الإقبال على منتجاتها. (1)

فضائح خضراء

خلال عقدين مضيا أو أكثر قليلا، سعت كبرى الشركات المُسبِّبة لانبعاثات الكربون في العالم إلى إعادة تقديم ذاتها وتلميع صورتها باعتبارها شركات صديقة للبيئة، وذلك عبر إعلانات أو مبادرات تُروِّج للحد من التلوث واستخدام الطاقة النظيفة، بينما ظل الواقع أكثر قتامة مما تتخيل.

في الحقيقة، شهدت الأسواق العالمية الكثير من الفضائح في هذا النطاق، من بين أشهرها لجوء شركة "فولكس فاجن" إلى الغش في اختبارات الانبعاثات في سياراتها. ففي الوقت الذي روَّجت فيه الشركة لمزايا سياراتها الصديقة للبيئة ومنخفضة الانبعاثات، كانت محركات هذه السيارات في الواقع تُطلق ما يصل إلى 40 ضعف الحد المسموح به من ملوثات أكسيد النيتروجين.

ومن الأمثلة الأخرى الشهيرة ما عُرف بتسرُّب إكسون فالديز، حين انسكبت شاحنة نفط عملاقة تابعة لشركة "إكسون موبيل" في عام 1989 مُتسبِّبة في تسرُّب 11 مليون جالون من النفط الخام في ألاسكا غطت مساحة 1300 ميل من الساحل، فيما عُدَّ واحدا من أسوأ التسربات النفطية في تاريخ الولايات المتحدة. وحتى بعد مرور ما يزيد على 30 عاما، لا يزال تأثيرها باقيا في بعض المواقع، وهو ما أدى إلى تعرُّض "إكسون موبيل" لانتقادات حادة بسبب إعلاناتها التي أشارت فيها إلى أن الوقود الحيوي التجريبي من الطحالب يمكن أن يُقلِّل من انبعاثات النقل، في حين أن أهدافها المعلنة لخفض الانبعاثات لعام 2021 لم تشمل الغالبية العظمى من الانبعاثات الناتجة عن منتجاتها.

ومن الشركات الغذائية التي تورَّطت في الغسيل الأخضر أيضا شركة "نستله"، بعد إصدارها بيانا في عام 2018 ذكرت فيه طموحاتها حول أن تكون عبواتها قابلة لإعادة التدوير بنسبة 100% بحلول عام 2025، وهو البيان الذي تعرَّض لانتقادات حادة نظرا لعدم وجود أهداف أو جدول زمني واضح لمواكبة مثل هذه الطموحات، ما يجعلها مجرد وعود براقة خالية من المعنى، خاصة بالنظر إلى احتلال الشركة مركزا مُتقدِّما في تقرير منظمة "بريك فري فروم بلاستيك" (break free from plastic) الصادر عام 2020 بصفتها رابع أكثر العلامات التجارية إنتاجا لمخلفات البلاستيك بعد "كوكاكولا" و"بيبسي" و"يونيليفر". (2)

حتى أنتِ يا إيكيا!

أما شركة "كوكاكولا" المصنَّفة بأنها أكثر العلامات التجارية تلويثا بالبلاستيك في العالم، فقد تعرَّضت لانتقادات قوية عقب إعلانها عام 2020 عن عدم استعدادها للتخلي عن العبوات البلاستيكية، التي تذرَّعت بأنها عبوات تحظى بشعبية لدى العملاء. (3) لكن في الوقت ذاته أعلن متحدث باسم الشركة أن لديها التزاما باستعادة كل زجاجة تبيعها بحلول عام 2030، بحيث لا ينتهي أيٌّ منها في القمامة أو في المحيطات، وبحيث يمكن إعادة تدوير البلاستيك في زجاجات جديدة بنسبة 100%، وهو التصريح الذي دفع منظمة "إيرث آيلاند إنستيتيوت" (Earth Island Institute) إلى رفع دعوى قضائية ضد "كوكاكولا" بسبب أكاذيبها حول الاستدامة. (4)

حتى "إيكيا" التي تُعَدُّ واحدة من أهم العلامات التجارية المرتبطة بالاستدامة وقضايا البيئة وقعت في الفخ، ففي عام 2020 واجهت الشركة اتهامات في تقرير صادر عن المنظمة البيئية البريطانية "إيرث سايت" (Earthsight) ربطت بينها وبين شركة أوكرانية تقوم بقطع الغابات بشكل غير قانوني، ووصفت المنظمة مخطط الأخشاب الذي تستخدمه إيكيا بأنه "منظمة لغسيل صناعة الأخشاب". (5)

أما العلامات التجارية الخاصة بالملابس، فقد تورط الكثير منها في ممارسات التضليل البيئي والغسيل الأخضر لسنوات طويلة، خاصة بعد ازدياد وعي المستهلكين بمخاطر صناعة الموضة السريعة على البيئة. على سبيل المثال أطلقت شركة "إتش آند إم" (H&M) في عام 2019 خطها الخاص بالملابس "الخضراء" الذي يحمل اسم "Conscious"، مُدَّعية أنه يستخدم القطن "العضوي" والبوليستر المعاد تدويره.

لكن سرعان ما تبيَّن أن الخط الجديد ليس سوى أسلوب تسويقي مُضلل، حيث واجهت "إتش آند إم" الانتقادات لأن المعلومات المقدَّمة بشأن الاستدامة لم تكن واضحة. كما وجد تقرير مؤسسة "تشينجينج ماركتس" (Changing Markets) أن ما يقرب من 60% من المعلومات المقدَّمة كانت ادعاءات مضللة أو غير مؤكدة، ووجد أن هناك واحدا من كل خمسة عناصر مستخدمة في هذا الخط مصنوعة من مواد تركيبية مشتقة من الوقود الأحفوري بنسبة 100%. وطبقا للناشطة البيئية تولميا غريغوري: "لن تصبح العلامة التجارية مستدامة ما دام نموذج الأعمال في الأساس يعتمد على الموضة السريعة والأرباح، أيًّا كان عدد القمصان العضوية التي تصنعها". (6) (7)

بلاك ميرور

قد نتساءل عن عدم مبالاة المستهلكين في بعض الأحيان بقضايا البيئة، واستخفافهم بكل ما يتعلق بالاستدامة والتغير المناخي وغيرها من القضايا رغم مساسها بحياتهم اليومية بشكل مباشر، لكن ربما يمكننا فهم أسباب ذلك عند مراقبة تعرُّضهم المتواتر والمتكرر للتضليل والخداع التسويقي للعلامات التجارية، الذي يجعل المستهلكين يتشكَّكون في مثل هذه الادعاءات، خاصة مع تزايد الفضائح والدعاوى القضائية التي ارتبطت بأسماء شركات كبرى.

بمرور الوقت، يتكوَّن لدى المستهلكين تصوُّر راسخ عن نفاق الشركات يجعلهم ينظرون إلى المبادرات والالتزامات البيئية بعين التشكُّك، ويجدون صعوبة في الوثوق بها، وهو ما حذَّر منه توماس بي ليون، أستاذ إدارة الأعمال بجامعة ميتشيغان، الذي أشار إلى أن أغلب الدعايات الصديقة للبيئة صارت تتعرَّض للانتقاد والسخرية أو التجاهل في أفضل الأحوال نظرا لعدم قدرة المستهلكين على التفرقة بين الحقيقي منها والزائف.

يُحذِّر ليون من أن تنامي استخفاف المستهلكين بهذه الأنواع من الحملات والدعاية المتعلقة بالبيئة يجعلها مشاريع محفوفة بالمخاطر بالنسبة للشركات التي تشارك فيها. كما تؤدي مثل هذه الادعاءات إلى آثار بيئية ضارة غير مقصودة، وذلك عندما يختار المستهلكون منتجات أقل استدامة بصورة أوسع بسبب فقدان الثقة في دعاية الشركات.

وعلى الرغم من وجود ظاهرة الغسيل الأخضر منذ سنوات طويلة، فإنها تزايدت في السنوات الأخيرة نظرا لسعي الشركات لتلبية طلبات المستهلكين المرتفعة على المنتجات والخدمات الأكثر مراعاة للبيئة، لكن هناك العديد من الأسباب تؤدي إلى فشل الشركات في تنفيذ أهدافها، مما يؤدي إلى تصنيف ممارساتها بأنها "غسيل أخضر".

في كثير من الأحيان، لا تكون النية مُبيَّتة للتضليل من قِبَل الشركات، لكنها ببساطة تفتقر إلى الكفاءة أو الموارد اللازمة لتنفيذ تلك المبادرات، أو لعلها تبالغ في تقدير مؤهلاتها البيئية. (8) وفي أحيان أخرى تُطلق الشركات ادعاءات صحيحة نسبيا لكنها مضللة لتشتيت المستهلك عن المخاطر البيئية والصحية الحقيقية لمنتجها، وأحد أوضح الأمثلة على ذلك السجائر العضوية.(9)

يُعَدُّ سوق مستحضرات التجميل كذلك من النطاقات التي يُستخدم فيها هذا الأسلوب بكثافة، حيث تداعب هدفا مزدوجا لدى المستهلكين ما بين الرغبة في الحفاظ على البيئة، والخوف من الآثار السلبية للمواد الكيميائية على صحتهم. وهكذا أصبحنا نرى مئات المستحضرات التجميلية التي تروج باعتبارها مصنوعة من منتجات طبيعية بالكامل أو خالية من المواد الكيميائية، دون توضيح البدائل المستخدمة التي تكون في بعض الأحيان مواد أكثر سُمِّية.

في الحلقة الأولى من الموسم الأول من مسلسل "بلاك ميرور" يقوم البطل بفعل ثوري ما يلفت انتباه الجمهور، هنا تقوم إدارة المكان الذي يعيش فيه هذا الشاب بإنتاج برنامج تلفزيوني يقوم فيه بالحركات نفسها ويتحدث باللهجة الغاضبة نفسها مقابل كمٍّ هائل من المال، ومن ثم تحوَّلت تلك الثورة على المشكلات الحقيقية إلى شيء عادي ومكرر وبلا براثن يمكن أن تضر المنظومة. بشكل أو بآخر، تحاول بعض الشركات الكبرى أداء الحيلة نفسها، ستَعِدُك بأنها تحافظ على البيئة، فقط لأن هذا يجذب اهتمام الجمهور، لكنها لا تفعل شيئا سوى نيل المكاسب كما اعتادت.

* المصدر: الجزيرة

.................................
المصادر
1- What Is Greenwashing?
2- Brand Audit 2021
3- This article is more than 1 year old Coca-Cola, Pepsi and Nestlé named top plastic polluters for third year in a row
4-Earth Island Institute Files Lawsuit Against Coca-Cola for False Advertising :: Earth Island Institute
5- إيكيا تستورد أخشاب من غابات طبيعية دُمرت بشكل غير قانوني
6- H&M greenwashing is ‘disguising the reality’ of fast fashion
7- 10 Companies Called Out For Greenwashing
8- How Greenwashing Affects the Bottom Line
9-.Do You Know What You’re Buying?

اضف تعليق