بقلم جوانا تومبسون

تصوَّر أن تُجرِي فحصًا جينيًّا بمقدوره أن يخبرك باحتمالية إصابتك أنت تحديدًا بمضاعفات مرضٍ مُعيَّن ووفاتك منه، وليكن السرطان، أو النوبات القلبية، أو حتى مرض «كوفيد-19»، فلتعرف إذًا أنَّ هناك فحصًا كهذا بالفعل، لكنَّه ليس مثاليًّا.

يزداد حاليًّا استخدام دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS) لتقييم احتمالية الإصابة بمرض «كوفيد-19»، وقد تساعدنا هذه الدراسات في مكافحة المرض من خلال تحديد مناطق الجينوم البشري التي تزيد أو تقلل من احتمالية إصابة فردٍ بعينه بالحالة الحادة منه، ويأمل العلماء أن تتيح لنا تلك الدراسات في النهاية طرقًا جديدةً لعلاج المرض.

عن هذه الدراسات يقول أثاناسيوس كوساثاناس، كبير العلماء المتخصصين في البيانات الجينومية لدى شركة «جينومكس إنجلاند» Genomics England، التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرًّا لها: "إنَّ تعيين التسلسلات الجينومية بالكامل يُمكِّنُك من فحص كل زوجٍ من أزواج القواعد في الجينوم، وهو ما يسمح لك بتحديد الجينات التي قد تكون مسؤولةً عن الإصابة بالمرض بدقةٍ أكبر".

ومع ذلك، يُحذِّر بعض الخبراء من أنَّ تلك الدراسات وحدها غير كافية لتقييم احتمالية الإصابة بالمرض بدقة؛ إذ يرون أنَّه قد يصعب الفصل بين العوامل الجينومية والعوامل الاجتماعية التي تزيد احتمالية الإصابة بالمرض، وأنَّ تلك الدراسات قد تؤدي إلى التمييز في الخدمات التي تقدمها النظم الصحية.

من الباحثين الذين يستعينون بتلك الدراسات مانويل فيريرا، الباحث في شركة «ريجينيرون» Regeneron للأبحاث الجينية، والذي يعمل ضمن فريقٍ يستخدم تلك الدراسات لتحديد المناطق الجينومية المرتبطة بخطر الإصابة بمرض «كوفيد-19»، من خلال فحص آلافٍ من الجينومات المُخزَّنة في أربعٍ من قواعد البيانات التجميعية؛ ففي أحدث دراسةٍ أجراها فيريرا مع زملائه، وهي الدراسة التي نُشِرَت في دورية «نيتشر جينيتكس» Nature Genetics شهر مارس الماضي، حلَّل الفريق البيانات، ووجد أنَّ مَن لديهم إحدى النسخ المختلفة والنادرة من جين ACE2 تقل احتمالية إصابتهم بالحالة الحادة من مرض «كوفيد-19» بنسبة 40% تقريبًا مقارنةً ببقية الناس، ووفق فيريرا، فإنَّ هذه الملحوظة هي ما يسميه الباحثون "تأثيرًا قويًّا".

يُشفِّر جين ACE2 بروتينًا يحمل الاسم نفسه، وهذا البروتين يوجد على سطح الخلية، وله وظيفةٌ خاصة، فهو في الأساس يساعد في تنظيم أشياء مثل ضغط الدم والالتهابات، عن طريق السماح لأجزاء بروتيناتٍ معينة بالدخول إلى الخلية أو الخروج منها، لكنَّه أيضًا يوفر منفذًا لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، المسبب لمرض «كوفيد-19»، يدخل منه الفيروس إلى الخلية ليُسبِّب العدوى؛ فعندما يلمس الفيروس بروتين ACE2، يعلق به عن طريق بروتينه الشوكي الخارجي، كما تعلق بجواربنا الحبيبات الشائكة من النباتات، وبعد أن يعلق الفيروس بالبروتين، يدخل إلى الخلية التي يستهدفها.

لكنَّ فيريرا اكتشف أنَّ مَن يحملون نسخةً معينة من جين ACE2 تقل لديهم مستقبِلات ذلك البروتين الذي يغطي أسطح خلاياهم بنسبة 39% تقريبًا، ويفترض الباحثون أنَّ ذلك يقلل عدد فيروسات «سارس-كوف-2» التي تستطيع دخول أجسام هؤلاء الأشخاص، ما يحد كثيرًا من احتمالية إصابتهم بالحالة الحادة من مرض «كوفيد-19»، ويقول فيريرا عن ذلك: "نوعًا ما، هذا ليس اكتشافًا مفاجئًا تمامًا، فنحن نعلم أنَّ الفيروس يحتاج إلى هذه المستقبِلات كي يدخل الخلايا".

ويتبع هذا النهج أيضًا كينيث بايلي، الباحث الإكلينيكي بجامعة إدنبره، والذي تعاون مؤخرًا مع كوساثاناس، العالِم في شركة «جينومكس إنجلاند»، وأجريا معًا دراسةً حدَّدا فيها 16 منطقةً جينوميةً جديدة من المناطق التي ترتبط باحتمالية الإصابة بالحالة الحادة من مرض «كوفيد-19»، ويعتقد بايلي أنَّه يمكن تطوير علاجاتٍ دوائية جديدة لاستهداف بعض هذه المناطق، ويقول عن ذلك: "أنا متأكد من أنَّ هناك مناطق أكثر من هذه لم نفهم طبيعتها البيولوجية بعد، لكن قد يمكن استهدافها بالعلاجات".

إلَّا أنَّ هناك باحثين آخرين يحذرون من أنَّه حين يتعلق الأمر بتوقُّع احتمالية الإصابة بالحالة الحادة من مرض «كوفيد-19»، فمن المستحيل تقريبًا أن نفصل بين عوامل الخطر الجينية وعوامل الخطر الاجتماعية، مثل توافُر خدمات الرعاية الصحية وظروف العمل، حتى لو استخدمنا التحليلات التي تتناول الجينوم بالكامل.

يتجلَّى هذا في تجربة إلسي تافيراس، طبيبة الأطفال في مستشفى ماساتشوستس العام؛ فحين هاجمتنا الجائحة، نُقِلَت تافيراس -مثل كثير من الأطباء- إلى الطابق الخاص بوحدة الرعاية المركزة، كي تساعد في علاج المرضى المتدفقين على المستشفى، وعلى الفور، لاحظت نمطًا في المصابين بالحالة الحادة من المرض؛ إذ كان معظمهم من ذوي البشرة الملونة المنتمين إلى المجتمعات منخفضة الدخل، وكثيرٌ منهم لم يكن يتحدث الإنجليزية.

وتقول تافيراس عن تلك التجربة: "لم أكن لأفكر أبدًا أنَّ أهم شيءٍ يمكنني الإسهام به في فريق الرعاية المركزة ليس خبرتي الطبية، بل قدرتي على الحضور معهم لأنَّني أستطيع مساعدة الفريق بلغتي الإسبانية".

ولأسبابٍ تتنوع بين صعوبة اجتياز حواجز اللغة ومحدودية الموارد المالية، عزف كثيرٌ من مرضى تافيراس عن طلب العلاج، حتى تفاقمت حالاتهم المرضية، هذا بينما كان بعضهم يعيش في منازل فيها أجيالٌ مختلفة، أو يعملون في وظائف بقطاعات الخدمات الأساسية، حيث الانعزال عن الآخرين شبه مستحيل، وهذه الضغوط الاجتماعية تجعلهم أكثر تعرُّضًا للإصابة بالحالة الحادة من المرض، ليس بسبب العوامل الجينية، بل بسبب الظروف.

وعلماء الجينات يبذلون قصارى جهدهم لمراعاة هذه الفروق في تحليلاتهم، في هذا الصدد تقول تافيراس: "في مجال الوبائيات، أفضل طريقة لفهم مدى تأثير العوامل الجينية في حدة المرض مقارنةً بعوامل الخطر الاجتماعية هي أخذ بعض هذه المتغيرات في الاعتبار"؛ فمن خلال المقارنة بين أشخاصٍ يشتركون في العرق أو الحالة الاجتماعية الاقتصادية أو النوع الاجتماعي أو التاريخ الطبي، يمكن للعلماء وضع قيمةٍ مرجعية لاحتمالات الإصابة بالحالة الحادة من المرض، لكن وفق تافيراس، فحتى مع تثبيت هذه العوامل لا يمكن الخروج بنتائج مثالية.

على سبيل المثال، خلص تحليلٌ جيني سابق إلى أنَّ احتمالية الإصابة بالمرض ترتفع لدى ذوي فصيلة الدم A، وتقل لدى ذوي فصيلة الدم O، لكنَّ الأبحاث اللاحقة اكتشفت أنَّ الارتباط بين الفصيلة O واحتمالية الإصابة بالمرض لا يكاد يُذكَر، ولم تجد أي ارتباطٍ بين الفصيلة A والإصابة بالمرض على الإطلاق.

استمد بحث فيريرا بياناته من قاعدةٍ تحوي مئات الآلاف من الجينومات، وهذه البيانات وفَّرت للباحثين صورةً واضحةً عن أعراق أصحابها وسجلاتهم الطبية، لكنَّها لم توفر تقريبًا أي معلوماتٍ حول مستويات دخلهم أو أوضاعهم السكنية أو لغاتهم الأم.

ووجد فيريرا وزملاؤه أنَّ احتمالية وجود نسخة جين ACE2 التي تقلل من خطر الإصابة بالمرض كانت تبلغ 1 إلى 200 في حالة ذوي الأصول الأوروبية، أمَّا في حالة ذوي الأصول الإفريقية فكانت تلك الاحتمالية تبلغ واحدًا إلى 100، بينما بلغت واحدًا إلى 25 في حالة ذوي الأصول جنوب الآسيوية (إلَّا أنَّ هذه العينة الأخيرة كانت صغيرةً جدًّا، والنتيجة لم تكن ذات دلالة من الناحية الإحصائية)، لكن حتى هذه التقديرات يمكن أن تكون مثار شك.

تقول أزيتا تشيلابو، المتخصصة في فلسفة الطب بالجامعة المفتوحة في إنجلترا: "لدينا تاريخٌ طويل ومعقد مع العرق البيولوجي باعتباره طريقة تصنيف مُختَلَفًا عليها، لذا كان من المتوقع أن يتناوله علماء الجينات عند دراسة جائحة «كوفيد-19»"، هذا رغم أنَّ التصنيفات العرقية غالبًا ما ترسم صورًا غير دقيقة للتنوع في أي مجموعةٍ سكانية؛ فمثلًا، فحصت دراسة فيريرا جينومات ما يقرب من 45 ألف فردٍ من ذوي الأصول الأوروبية، بينما تناولت جينومات حوالي 2,500 فرد فقط من ذوي الأصول الإفريقية، و760 فردًا من ذوي الأصول جنوب الآسيوية.

وتضيف تشيلابو أنَّ التركيز على المناطق الجينومية يُغفِل الطريقة التي تتفاعل بها الجينات مع بيئتها ومع بعضها في الظروف المحيطة بها، وتابعت: "فجيناتي لا تحقق أي شيءٍ بمفردها".

ومع ذلك، يرى باحثون آخرون أنَّ هناك فائدةً كبيرة في البحث عن المناطق الجينومية المحددة المرتبطة بمرض «كوفيد-19»، وعن ذلك يقول بايلي، الباحث في جامعة إدنبره: "نحن نجرب في تحليلاتنا، ونظل نحصل على النتائج ذاتها مرارًا وتكرارًا، لذلك نحن على ثقةٍ تامة بأنَّ هذه التأثيرات حقيقية".

استُخدمت هذه الدراسات أيضًا لتحديد المناطق الجينومية المرتبطة بفقدان حاستَي التذوق والشم لدى مرضى «كوفيد-19»، فضلًا عن السمات الجينية المرتبطة بالإصابة بالالتهاب الرئوي بعده، وقد تفسر هذه الدراسات في المستقبل ألغاز الأعراض المُزمنة المعروفة باسم حالة «كوفيد طويل الأمد».

وفي النهاية، فإنَّ تشيلابو وبايلي وغيرهما من الباحثين يُجمعون على أنَّ التحليلات الجينية قادرة على مساعدتنا في تطوير الجيل التالي من علاجات «كوفيد-19»؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لأبحاث فيريرا على بروتين ACE2 أن تُسفر عن وسيلةٍ جديدة للوقاية من عدوى فيروس «سارس-كوف-2»، تتمثل في تثبيط المستقبلات عوضًا عن مهاجمة الفيروس ذاته، بيد أنَّ الأدوية التي تُستخدم حاليًّا لتثبيط بروتين ACE2، والتي توصف عادةً لضبط معدلات ضغط الدم، ليست فعالةً ضد مرض «كوفيد-19» حتى الآن، ورغم ذلك، يعتقد فيريرا أنَّه لو طُوِّرَ دواءٌ مُثبِّط للبروتين لمكافحة هذا المرض بالأخص، فقد يكون أكثر فاعلية، وعلَّق على هذا قائلًا: "سماتنا الجينية تشير إلى أنَّ تثبيط البروتين ACE2 سيكون إجراءً مُجديًا"، وعلاوةً على هذا، هناك حاجةٌ ماسة إلى تطوير علاجاتٍ جديدة، في ظل استمرار نقص الكميات المتاحة من اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات والأجسام المضادة أحادية النسيلة على مستوى العالم.

ولهذا كله، كي نُقيِّم احتمالية الإصابة بالحالة الحادة من مرض "كوفيد-19"، لا بد من الموازنة بين العوامل الداخلية والخارجية؛ فكما توضح تافيراس: "بطبيعة الحال، من المفيد أن نفهم تأثير العوامل الجينية"، طالما نضع في اعتبارنا "أنَّ حدة المرض تتأثر كذلك بعوامل الخطر الاجتماعية تلك، التي لا يمكننا قياسها بدقة قياس الطفرات الجينية".

اضف تعليق