السلطة حاجة بشرية يحتاجها الإنسان لتنظيم حياته، لهذا يُطلَق على السلطة أحيانا بالنظام، أي أن هناك سلطة يمثلها شخص أو مجموعة، تقوم بتطبيق نظام معين هدفه تنظيم شؤون ونشاطات المجموع المختلفة، لكن هناك مشكلة غالبا ما ترافق فعل السلطة، حيث تظهر شخصية المتسلط في أشكال غير مرغوب بها، وهذا ما يُسمى بالسلطة المريضة، أو الطاغية، أو الظالمة، أو الخارجة عن الشرعية.

السلطة أنواع لا حصر لها، وأسوأ هذه الأنواع حين تخرج السلطة على الشرعية، وتنكث بما يتم الاتفاق عليه وفق دستور أو عقد أو اتفاق بين صاحب السلطة وبين من يخضع لها، فالسُّلْطة هي قدرة شخص معين أو منظمة على فرض أنماط سلوكية لدى شخص ما، وتعتبر السلطة أحد أسس المجتمع البشري وهي مناقضة لمبدأ التعاون. إن تبني أنماط العمل نتيجة فرض السلطة يُسمى الانصياع، والسلطة كمصطلح يشمل غالبية حالات القيادة.

لكن هنالك فرق كبير بين السلطة و القيادة، فالسلطة غالبا ما تقوم بالإكراه والقوة المفرطة، أما القيادة فهي تُدار بالحكمة والذكاء والإقناع، وإذا رافقها الإكراه سوف تفشل، فالقيادة بالإكراه تتحول إلى سلطة، والسلطة بالإقناع والاتفاق تتحول إلى قيادة

متى تصبح السلطة مرضًا؟

قد تطبق السلطة بشكل مباشر استنادا إلى وجود قوة فعلية (كالتهديد بالحبس)، ما يسمى "الإكراه" أيضا، وقد تنبع من الشرعية التي يمنحها الخاضع للسلطة لأصحابها مثل: الاعتراف بمرجعيات النبلاء، وغالبا ما نجد هذين النوعين من المرجعيات متداخلين. وهناك مرجعيات قليلة فقط تعتمد على القوة الجسدية بينما يطبق الكثير من المرجعيات بفضل وجود جهاز تنظيمي يقوم على الصلاحيات. هكذا تكون قدرة تطبيق سلطة ما مرتبطة بكونها موجودة أصلا.

توجد في الجانب التكويني للإنسان خلل وضعف تجاه السلطة، فحين يشعر الإنسان (السلطان) أنه يستطيع أن يتحكم بمجموعة من البشر، عبر إصداره لقرارات تؤثر في حياة الناس، وتجعلهم منصاعين له، فإن الأنا لديه تتضخم وتكبر.

ومع مرور الوقت يصبح مريضا بالسلطة ومسحورا بها، لاسيما إذا لم يستطع تحييد رغباته وأهوائه المنفلتة، وينساق بقوة وراء السلطة ومغرياتها، وما تقدمه له من امتيازات مادية ونفسية تُشعرهُ بأنه أفضل من الآخرين.

السلطة المريضة واضحة، يستطيع الجميع معرفتها أو ملاحظة أعراضها بمجرد مراقبتها، لكن المشكلة التي ترافق السلطة هي أن الجميع يمكنهم ملاحظة أخطاءها وأمراضها، إلا صاحب السلطة نفسه (السلطان/ الحاكم)، فهو الوحيد الذي غالبا ما يكون عاجزا عن اكتشاف أمراض السلطة، أو أنه يكتشفها آخر الناس بعد فوات الأوان.

هناك من يخلط أو يمزج بين السلطة والطموح، فالإنسان المتسلّط يحاول أن يجد له أعذارا كي يطوّع السلطة لصالحه، وهو يظن بذلك أنه يحقق ما يطمح إليه من السلطة، وأن ما يقوم به لا يخرج عن دائرة المشروعية.

الطامحون العقلانيون ناجحون

ويصبح مرض السلطة أكثر خطورة حين يُحاط صاحبها بـ (بطانة) أو حاشية من المتملقين النفعيين الكاذبين الذين يزينون لصاحب السلطة أفعاله، ويجعلونها صحيحة وجيدة وخالية من الظلم والخطايا طمعا بالتكريم والعطايا.

هناك بون واسع بين السلطة والطموح من حيث المعنى، هذا لا يعني أن صاحب السلطة ممنوع من الطموح، لكن الشرط الذي يجب أن يرافق طموح السلطة خلوّها من التلوّث والمطامح الذاتية التي غالبا ما تحدث على حساب الناس.

صاحب السلطة قد لا يكون حاكما سياسيا، ولا قائدا عسكريا، قد يكون رب لأسرة صغيرة، وربما مديرا لمدرسة أو رئيسا لجامعة أو مؤسسة، هؤلاء (السلاطين) يمكنهم النجاح في سلطتهم وحمايتها من التلوّث والمرض، وفي نفس الوقت فإن الفشل يتربّص بهم وبسلطاتهم، فالنجاح والفشل لا يفترقان، إنهما موجودان في شخصية كل إنسان، وكل صاحب سلطة، وهو الذي يختار النجاح أو يسمح للفشل بالإطاحة به.

عندما تعمي أمراض السلطة بصيرة وبصر الإنسان، فإن الفشل سوف يكون لصيقا به، وعندما يسهو أو لا يعبأ بمراقبة نفسه وتعاملها مع السلطات الممنوحة له، فإنه يفشل، وعندما يأخذه طموحه إلى ما فوق الواقع بمسافات عالية، فإن سقوطه أو هبوطه السريع نحو الأرض هو نتيجة حتمية.

لذلك على كل رب أسرة، ومدير مدرسة ومؤسسة، أو جامعة ومنظمة، أو دائرة رسمية أن لا يركب خيال الطموح المريض، وأن لا يطلق العنان لأجنحته الكاذبة أو الضعيفة، فكما يُقال (ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع).

هل يعني هذا أن الفشل قرين السلطة دائما؟، الجواب كلا، هناك سلطة عقلانية ترتكز على الحكمة، وتحتمي من مرض السلطة، ولا تسمح بالتلوّث السلطوي أن يقترب منها، أو يغريها، أو يأخذ بها إلى دروب الخطيئة، هؤلاء هم الطامحون الواقعيون العلميون المتوازنون العقلانيون، وهم أصحاب سلطة يٌكتَب لهم الفوز والنجاح حتما.

اضف تعليق