إسلاميات - المرجع الشيرازي

كرامة أهل الله

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(مَنْ لم يقصّر في المقدمات يوفَّق في النتائج) سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

شهرٌ لا تشبهه كل الشهور، مشهود له بالخيرات والرحمات، يطرّزه النور، وتملأه البركات، ينتظره خلق الله على أحرّ من الجمر، يأتيهم مرة في العام، محمّلا بالمعاني الرحبة، وبسلَّة الإيمان، وبالفرص الكبيرة التي إن استثمرها الإنسان، يحصد منها خيرا وفيرا، وجمالا روحيا كبيرا، وتغييرا نحو الأفضل والأحسن والأرقى.

إنه شهر رمضان الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى، ساعات أو أيام قلائل تفصلنا عنه، كي نتلقَّفه بكل الاشتياق واللهفة، ولننعم بخيراته وسعاداته وبركاته، هذا الشهر الذي سيجعل الناس في ظل (كرامة الله)، فكل من يؤمن ويُخلص لله ويستثمر فرادة شهر رمضان، يحصد الثمار العظيمة له، ومن يُصبح من أهل كرامة الله له العاقبة الحُسنى.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (نحو بناء النفس والمجتمع):

(إذا كان بعض الناس قد بلغوا هذه المرتبة، أي صاروا أهل كرامة الله، فإن كل مؤمن في شهر رمضان المبارك، قد جُعل من أهل كرامة الله تعالى).

نعم إنه شهر العناية الشاملة، وهو شهر الله، الجميع فيه يضمنون ما يأملون، ويحصلون على ما يتمنون، وأعظم المراد ذلك الذي يتجسد في حسن العاقبة، وهذه النتيجة التي تهفو إليها القلوب، والذي يؤمنها ويجعلها أقرب وأقرب هو شهر رمضان، وبناء النفس فيه، وترصين القيم والأخلاقيات، وتطوير التعاملات المجتمعية، وتحسينها.

بلوغ كرامة الله لن تتم بالتمني، نعم الجميع مشمولون بالرحمة والعناية الإلهية في شهر رمضان الكريم، ولكن هذا لن يتحقق بالأمنيات الغالية من الكدح والكدّ والسعي والعمل، وليس القاعد كالساعي والفاعل والعامل، فكلما كان الإنسان عمليا، فاعليا، كان أقرب إلى نوال مراده في هذا الشهر المبارك، والأمنيات وحدها سوف تعجز عن بلوغ الهدف.

الشقيّ هو من يخسر الغفران

التوفيق الإلهي شامل في هذا الشهر، وكل المؤمنين يصبحون من أهل (كرامة الله) التي وردت في صيغة لغوية بحق الرسول الأكرم (ص)، وبحق الإمام علي بن أبي طالب (ه)، وبحق الإمام الحسين (ع) في زيارته المخصوصة، وميزة شهر رمضان أن المؤمنين فيه يكونوا جميعا في (كرامة الله)، وبسبب الحكمة الإلهية فإن الفائز بهذه الكرامة هو من جدَّ وكدَّ وسعى، ولم يكن تحت رحمة الأماني الفارغة.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(إن هذه الكرامة هي لهذا الشهر الكريم، للياليه وأيامه، وكل ساعاته. فالعناية الإلهية تشمل الجميع، ولكن بما أن إحدى صفات الله تعالى المهمة ومن أسمائه الحسنى «الحكيم» أي الذي يضع الشيء في موضعه، فهذا معناه أن التوفيق الإلهي وإن كان شاملاً في شهر رمضان لكلّ العباد، إلا أنّ قدراً منه يرتبط بمقدار همّتنا وتوجهنا وجهدنا).

إنه شهر الغفران الإلهي، ففي هذا الشهر تُغفَر ذنوب الصائمين، تحت قاعدة التوبة النصوح، ولهذا فإن من يضيّع فرصة المغفرة في هذا الشهر، لا يدرك أية فرصة عظيمة أضاعها، فالشقي هو الذي يخسر رحمة الله وغفرانه في شهر رمضان الكريم، ليس هذا وحده، إنما يخسر التنمية الروحانية الكبيرة لشخصيته ومزاياه وخصاله.

في هذا الشهر يتغير الإنسان من حالة سلبية إلى أخرى إيجابية، وتظهر عليه نفحات الإنسانية المغلّفة بالأريج الرباني، تلك النفحات الإيمانية التي تملأ قلبه، وتنتشر في روحه، ويتحول جسده إلى واحة من واحات الخير والسلام والطمأنينة، لذا لا ينبغي للإنسان أن يهمل بناء نفسه في هذا الشهر الكريم، ومن الخطأ أن تفوته هذه الفرصة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة في السنة، وهو شهر رمضان الذي تنفتح فيه أبواب الرحمة والكرامة والغفران.

لا تجعل من نفسك (الشقيّ) الذي فاته هذا الشهر المحمّل بالبركات والخيرات والرحمات، هذا الشهر الممتلئ بالعفو والغفران، فما أن تسعى بجدية إلى أداء صيامك الصحيح، صيام الطعام والشراب والجوارح، حتى تدخل في (كرامة الله)، وتفوز بهذه الدرجة العظمى من المكاسب الروحية والدينية والمعنوية.

لذا من الأفضل للإنسان أن لا يخسر المزايا الإلهية العظيمة لهذا الشهر المبارك، متمثلة بالمغفرة الإلهية الأوسع والأعظم عن جميع الشهور.

هذا ما أكده سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في كتابه بناء النفس والمجتمع:

(يقول النبي صلّى الله عليه وآله: فإن الشقيّ من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. وهذا معناه لو أن أحداً أهمل بناء نفسه في هذا الشهر المبارك وقصّر حتى مرّ عليه ولم ينل تلك المغفرة الإلهية التي هي أوسع وأسرع وأعظم فيه منها في سائر الشهور، فإنه هو الشقي حقاً).

كيف نفوز بكرامة الله؟

كل فرد منا له ذكرياته الخاصة في هذا الشهر المبارك، منها ما يتعلق بمرحلة الطفولة والشباب، وما تختزنه الذاكرة من أيام الكهولة، حتى الشيخوخة لها أحداثها ومواقفها في شهر رمضان الكريم، هذه الأمور والمواقف والصور المختلفة، يجب أن تغذي إيماننا، وتدفعنا نحو التزام روحي وديني وشرعي منتظم وتام، حتى تكون النتائج مشابهة للمقدمات.

هناك من يطمع أكثر بالرحمة الإلهية في هذا الشهر الكريم، لكنه لا يلتزم كما يجب بثوابت هذا الشهر، وكل ظنه أن الأمنيات توصله إلى مبتغاه، وهو ظن غير سليم، فما يوصل الإنسان إلى رضوان الله، هو الإنسان نفسه، بعمله، وكدحه، وسعيه، وانضباطه، واستثماره الصحيح لمزايا شهر رمضان الفضيل.

لذا لابد أن نتجنب الهدر المتكرر للفرص، ونستثمر العمر أحسن استثمار، وأن نتعلم من أخطاء الأمس ولا نضاعفها اليوم، إنه شهر كريم يغيب طويلا ويطل قليلا محمّلا بعطايا ربانية لا حدود لها، و (شقي) ذلك الذي يترك هذه العطايا (الرحمة، العفو، الغفران، الرزق، الخيرات، البركات) تفوته، وهي وفيرة وكبيرة ومضاعفة في شهر الله.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(لا شك أن كل إنسان يتمنى لنفسه التغيير نحو الأفضل، ولكن المسألة ليست بالأماني، فبالأماني وحدها لا يتحقق التغيير).

الطاعة والالتزام تقرّب الجميع من رحمة الله، وتجعلهم من أهل كرامة الله، ومن طبيعة الإنسان أن يختلف مع غيره من الناس، ومنهم من كان على حق، وآخرون قد يكونوا على باطل، وهذا هو ديدن الحياة والدنيا والبشر، فيبادر الله تعالى إلى العفو والرحمة، لأنه سبحانه خلقنا كي يرحمنا، ولكن علينا أن نكون أهلا لهذه الرحمة والعفو والمغفرة، وأن نتمسك بهذا الشهر المبارك وبالفرص التي يقدمها لنا كي نكون من الناجين الفائزين.

وحين يلتزم الإنسان سوف يجد رحمة الله بين يديه، وعفوه وغفرانه يطوّق روحه ويتغلغل في قلبه على شكل نفحات من الإيمان والرحمة والشعور بالسلام والاطمئنان النفسي التام.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إن الهدف الأصلي لخلق الإنسان، هو ما جاء في صريح القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ أي ليرحمهم. فهل يُعقَل أن يضع الإنسان نفسه موضع الرحمة بأن ينبري لطاعة الله والتقرب إليه، ثم لا يرحمه الله تعالى؟! فهذا محال في منطق الحكمة والعقل، ولا إمكان له).

هذا هو شهر الله وكراماته، وهذه هي كرامة أهل الله، وهذا هو شهر رمضان الذي يمكن أن يكون لحظة تحوّل في حياة كل إنسان، ويغيّر نظرته للدنيا والمصالح والعلاقات، وينظر إلى الكون والخلق بطريقة أعمق وأوسع، وفي كل الأحوال من المهم أن ندرك بأن بلوغ (كرامة الله) هدف أعظم، وأنها متاحة للجميع في هذا الشهر العظيم.

اضف تعليق