يبدو أن من الفروق الأساسية بين الأمم والشعوب المتقدمة، عن غيرها من الشعوب والأمم، التي مازالت تعيش التخلف والتأخر، وكل أمراض الانحطاط، هي في طريقة تعامل هذه الأمم مع أفكارها..

إذ ان الأمم المتقدمة تسعى حين قناعتها وإيمانها بفكرة، إلى البحث الجاد عن طريقة مناسبة إلى تنفيذها وممارستها. لذلك تكثر في هذه المجتمعات المبادرات والأنشطة الإنسانية التي تملأ فراغاً، وتساهم في تقوية المجتمع وقدرته على ادارة ذاته وتسيير شؤونه بنفسه.

أما المجتمعات المتخلفة، فهي لا تعتني بأفكارها الجادة والقادرة على انتشالها من واقع التخلف، ولا بالبحث عن طرق أو خلق الظروف المواتية لممارسة أفكارها.

لذلك تكثر فيها المجادلات العقيمة، التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

وتبرز في محيطها ثقافة التثبيط وليس بالإمكان القيام بدور حقيقي تجاه الواقع وأمراضه.

فالمجتمع يبدأ بالتحضر، حينما يمارس أفكاره ويسعى لتطبيق بنودها على واقعه، حينذاك تبدأ ملحمة البناء الحضاري.

والمجتمع الذي لا يمارس أفكاره، يزداد هامشية وتخلفاً وانحطاطاً، لأنه يصنع لنفسه حواجز وعقبات وموانع تحول دون استفادته من الأفكار والرؤى والبصائر، التي تقوي عزيمتهم وتنير دربهم وتبلور مقصدهم.

فالتغيير والتطور، ليس معجزة، وإنما هي إرادة إنسانية متواصلة، تأخذ على عاتقها ممارسة الأفكار الحضارية وتبحث عن طرائق مواتية، لكي تأخذ هذه الأفكار والرؤى طريقها في الواقع والمجتمع.

ولعل هذا هو الذي يفسر لنا إخفاق مشروعات التطوير والنهضة في واقعنا العربي والإسلامي. إذ ان التشبث بفضاء الكلمات الطنانة والشعارات السحرية، والتعالي الأجوف عن الواقع بقضاياه وهمومه، لا يصنع نهضة، ولا واقعاً مواتياً للنهضة والتطور.

والاكتفاء بذلك دون العمل على تنزيل أفكار النهضة إلى حقائق مجتمعية، هو أحد الأسباب الرئيسية في تقديرنا لإخفاق مشروعات النهضة في العالم العربي والإسلامي، لأن التستر بالشعارات والأفكار الكبيرة، وعدم انكشاف نفوسنا وعقولنا على هذه الشعارات، والأفكار، هو الذي جعل هذه الأفكار بعيدة عن واقعنا وليست متكيفة "التكيف الايجابي" مع النسيج المجتمعي.

لذلك كلما زدنا من وتيرة رفع الشعارات الطنانة والأفكار الكبيرة، زدنا ابتعاداً عن واقعنا وازدادت صعوبات معرفته وفهمه.

إن ملحمة النهضة، تبدأ بالانطلاق، حينما نواجه انفسنا، ونكتشف بيئتنا وننطلق من هذه المواجهة والاكتشاف، إلى خلق الأفكار والرؤى والبصائر المنسجمة ومتطلبات تلك المواجهة والاكتشاف.

وإن أحد الأسباب التي تعوق تقدم الشعوب والأمم هو حينما تحلق في فضاء الأفكار المجردة. والشعارات الطوباوية، وتعتبر هذا التحلق بديلاً عن عملها وكفاحها وممارستها لأفكار البناء والتطوير، ان التقدم لا ينجز إلا بالممارسة، والكفاح المستميت في سبيل تعميق أفكار التقدم في النسيج المجتمعي.

وإن إرادة التقدم والتطور، لا تنضج وتتبلور بشكل مجتمعي إلا بسعي كل واحد من أبناء المجتمع، لأن يمارس أفكار التقدم والنهضة في واقعه الخاص والعام.

فحينما نمارس أفكارنا، ونزيل الحواجز بين واقعنا وأفكارنا، حينذاك تبدأ إرادة التقدم بالنضوج والتبلور التام.

أما دون ذلك فسيظل التقدم والتطور، وكأنه رغبة عائمة في التمني والجمل الإنشائية، وهذا لا يقود إلا إلى المزيد من التقهقر والتخلف، تحت "يافطة" التقدم والتطور.

وبهذا يتحول مشروع التقدم وكأنه عملية دعائية لا تلامس إلا الشكل وتزيد من الزيف والتضليل. فيمارس (مشروع التقدم) عملية التستر على الخطأ ونقاط التخلف بدل فضحها والعمل على اجتنابها ويتواطأ مع منابع التخلف والانحطاط، بدل من العمل على تجفيف منابعها وحصار آثارها كمقدمة لإنهائها من الوجود.

وانسياقاً مع هذه الصورة، يتحول الطبيب إلى مشعوذ ومضلل، لأنه يخفي علل المريض، ولا يسعى بإمكاناته العلمية والفنية، لإنهاء هذه العلل والأمراض، وتصور معي (عزيزي القارئ) الآثار الخطيرة حينما لا يمارس الطبيب دوره المطلوب، ويتحول إلى المشروع والمهمة النقيضة.

مشروع النهضة والتقدم، ينتقل إلى المهمات النقيضة حينما لا يمارس أفكاره على واقعه، وحينما لا يهيئ وضعه النفسي والاجتماعي، للتفاعل مع هذه البصائر والأفكار.

لذلك كله نرى، أن من المهمات الأساسية، التي ينبغي لنا جميعاً أن نوليها العناية والاهتمام، هي ممارسة أفكارنا، والعمل على إذابة الجليد، الذي يفصلنا عن الأفكار والرؤى.

وإن تقدمنا وتطورنا مرهون، بقدرتنا على ممارسة أفكارنا، واجتراح الوسائل والطرق المناسبة لممارسة هذه الأفكار.

وإن ممارسة الأفكار، هي التي تمد الأمم والشعوب بالقوة والقدرة على مواجهة التحديات والصعاب التي تواجهها سواء الداخلية أم الخارجية، لأن ممارسة الفكر توفر في الأمة قدرة فذة على دمج كل فعاليات الحياة والواقع، وتوظيفها في حركة متساوية ومتناغمة صوب الأهداف الاستراتيجية للأمة.

من هنا ينبغي أن تكون علاقتنا بأفكارنا حية وخلاقة، حتى نتمكن من ممارستها وتحويلها إلى واقع عملي، وحتى نضيف إليها من تجربتنا وخبرتنا.

وحينما تجمد علاقتنا بأفكارنا، أو ننحبس في جوانب ضيقة من حياتنا، تفقد الأفكار حياتها وحيويتها وتنعدم كل أطر التفاعل الخصب بيننا وبين أفكارنا لأنها لن تكشف عن امكاناتنا وآفاق التقدم أمامنا.

لهذا نجد أن المسلمين الأوائل حينما تنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم آية قرآنية، وينقلها لهم كانوا يجوبون الآفاق لتطبيقها وممارسة مقتضياتها، ثم يعودون إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أخذ التعاليم الجديدة، وبفضل هذه الأخلاقية الرفيعة والاستعداد التام لممارسة الأفكار والتعاليم الربانية، استطاع المسلمون الأوائل وفي فترة زمنية وجيزة أن يبنوا أمة خلاقة وحضارة شامخة..

من هنا ينبغي العمل على إنهاء كل صور وحالات الأمية الثقافية، والعمل على تشجيع القراءة ومتابعة النتاج الثقافي ولابد أن ندرك، أنه كلما نجحنا في تقليص مساحة الأمية الثقافية، توفرت الفرص الكثيرة للتفاعل الايجابي مع الأفكار وتهيأت الظروف المؤاتية لممارستها.

فالفكر يتجرد من أية فعالية، حينما يفصله حاملوه عن واقع حياتهم، ويتم خنقه، حينما لا يتعامل معه المرء باعتباره مشروع حياة.

فحينما يكون مجال الفكر الذهني وكفى، حينذاك يتم تطويق الفكر وخنقه، لأن حياة الفكر بممارسته، وتنزيله على الواقع، وأي طلاق بين الفكر والواقع، فإنه سيفضي بنا إلى طريق مسدود، لأنه سيقطع كل جسور الوعي والفهم والحيوية، التي يبلورها ويخلقها الفكر في حياة الإنسان وبهذا نتجرد من كل الامكانات التطويرية التي يغرسها الفكر في الحياة الإنسانية.

فالكلمات السحرية والمقولات الجاهزة والشعارات الفضاضة، لا تغير من الواقع شيئاً، وأن سبيل التغيير والتطوير، هو العمل والممارسة على هدى الأفكار والبصائر العليا، والمدارس التنويرية في التجربة الإنسانية، لم تكن وليدة المقولات الجاهزة، وإنما هي وليدة العمل والفعل المنسق والمشروع الاستراتيجي الذي تنشده هذه المدارس التنويرية.

وأخيراً: فإن رغوة الكلام، لا تخلق فعالية تاريخية، تتجه صوب البناء والانتاج والتطوير.

اضف تعليق