شكلت نهاية الحرب الباردة ظهور حزام جديد من الدول الفاشلة والمضطربة يمتد من اوروبا إلى جنوب أسيا، وتشكل دول الشرق الاوسط وعلى رأسها العراق مخاطر وتهديدات جدية للأمن والسلم الدوليين، باعتبارها مصدر صراعات وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ولكونها اصبحت بيئات صالحة لتوليد الإرهاب؛ لذلك أصبح دعم الدول الضعيفة وتقويتها عبر مختلف اشكال وصيغ بناء الدولة مهمة وحيوية لضمان الامن العالمي.

وتشير عملية بناء الدولة إلى تعزيز القوة النسبية للدولة، او توسيع المقدرة التنظيمية للدولة في مواجهة المجتمع، فقوة الدولة تتضمن عناصر (اقتصادية واستراتيجية وسياسية وعملية شاملة)، بينما تشير مقدرات الدولة إلى قدرتها على تحديد وتنفيذ ومتابعة أهداف وسياسات محددة من خلال توفير ثلاث قدرات اساسية القدرة (الاستراتيجية) في التنظيم والسيطرة، والقدرة (الاكراهية) في فرض سلطتها على المجتمع، والقدرة (التكاملية او الاندماجية) التي تشير إلى قدرة الدولة في دمج المجتمع في هوية قومية وطنية.

إن وضع العراق ما بعد 2003 اختلف كثيراً عما قبله، واصبحت الدولة العراقية بعد ذلك التاريخ تتراوح بين عدة نماذج في الوصف المعاصر، فهناك من يضعها ضمن الدول الفاشلة، أو الدول الرخوة والهشة، وهناك من يصفها بالدولة الزبائنية أو غيرها من الاوصاف، وهذه النماذج في مجملها لها قواعد وسلوكيات سلبية على مستوى الدولة والنظام السياسي؛ لهذا سنحاول توضيح ما مقصود بها والتوصيفات المعاصرة، ومقاربتها بالنموذج العراقي القائم منذ عام 2003 وحتى الآن.

الدولة الزبائنية:

يطلق هذا الوصف على الدول التي تقدم خدماتها لزبائنها فقط، فمن لديه من الأفراد تواصل مع نظام الحكم في الدولة يستفيد من خدماتها، ومن يفتقر من الأفراد لمثل هذا التواصل يُحرم من خدماتها وامتيازاتها ويعيش على الهامش. كما تتسم الدولة الزبائنية بتغلغل ظواهر سلبية فيها تؤدي إلى استنزافها من جهة، وتعطيل عجلة التنمية بكافة أشكالها البشرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية من جهة أخرى، وهذه الظواهر تتمثل في الواسطة والمحسوبية والفساد بكافة أشكاله، وهي ظواهر تجسدت بشكل مرعب في الدولة العراقية بعد عام 2003، وتفشت بكل مفاصلها العليا والدنيا.

الدولة الرخوة:

يُطلق هذا الوصف على الدول التي تعاني من غياب سيادة القانون، وتفشي ظواهر الزبائنية والواسطة والمحسوبية في علاقاتها مع الفرد والمجتمع، وتراجع قيمة الإنسان ومستوى الدخل للمواطنين في ظل عجز الدولة عن توفير متطلبات الحياة، ومعاناة المواطن من العوز الشديد الذي يدفعه لتبني بعض التوجهات والسلوكيات غير المألوفة لتحقيق حاجاته ورغباته المختلفة. ورغم أن هذه الدول تبدو ديمقراطية وعادلة في ظاهرها، من خلال وجود المؤسسات والقوانين والقرارات التي تتخذها، إلا أن الواقع يكشف طبقة متنفذة تعمل على تحقيق مصالحها سواء على صعيد السياسات الداخلية او الخارجية.

ولعل الجميع يلاحظ تفشي ظواهر هذا النموذج في الدولة العراقية، وهي ظواهر متداخلة مع ظواهر الدولة الزبائنية أو نتيجة تراكمية لظواهرها السلبية، سواء على صعيد السياسات المحلية وفي علاقة السلطة بالمجتمع، أو على مستوى السياسات الخارجية، التي اصبحت امتداد للفساد والفشل الداخلي، وهذا ما انعكس سلباً على سمعة الدولة العراقية في المجتمع الدولي.

الدولة الضعيفة:

إن أهم المؤشرات الدالة على ضعف الدولة هي هشاشة الحكومة المركزية في السيطرة على إقليمها وحدودها، وقصور مؤسساتها في تأدية واجباتها الوظيفية للمواطنين مثل الخدمات العامة وضعف سياساتها وغياب المشاركة السياسية الفاعلة للمواطنين، والضعف في إدارة التنوع في بنيتها الاجتماعية؛ وهو ما قد يؤدي إلى ظهور صراعات عرقية أو دينية، تهدد استقرارها ووحدتها إضافة إلى انكشافها نحو الخارج. وعلى الرغم من ان الحدود الفاصلة بين اغلب النماذج المعاصرة تبدو متقاربة جداً، إلا ان قصور الدولة العراقية بعد عام 2003 في السيطرة على حدودها وضعف سلطتها الاتحادية، وانكشافها السياسي نحو الخارج بشكل فاضح، كانت من أبرز الظواهر التي تميزت بها الدولة العراقية على مدار العقديين الماضيين تقريباً.

الدولة الفاشلة:

إن استمرار هشاشة الحكومة المركزية للدولة يؤدي إلى فقدانها السيطرة على أجزاء من إقليمها وشعبها، وهو ما يدفعها إلى اللجوء للفاعل الخارجي، من دول أو مؤسسات إقليمية ودولية لمعالجة فشلها. وما يميز نموذج الدولة الفاشلة عن الضعيفة، هو عدم تمكنها من الحفاظ على المؤسسات التي يتم من خلالها إدارة شؤون المجتمع وحمايته، وفشل سياساتها في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية وعدم قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطن أو جباية الضرائب، وانتشار أراضيها، وتفاقم الصراعات العرقية أو الدينية فيها وابتعاد الافراد عن الدولة وتموضعهم في إطار الهويات الفرعية، للدفاع عن أنفسهم ومصالحهم التي فشلت الدولة في تحقيقيها، وقد تصبح الطائفة واجهة لعصابات أو جماعات تمارس العنف أو الجريمة.

وفي هذا الإطار تتفاقم الاضطرابات والصراعات في المجتمع وتفقد الدولة على تحقيق الأمن لمواطنيها. وهذه الظواهر كثيراً ما تذكرنا بظواهر الدولة العراقية، ولاسيما بعد عام 2014، عندما اجتاح تنظيم "داعش" ثلث مساحتها الجغرافية، وما نتج عنه بعد ذلك من تدخلات خارجية وتشكيلات مسلحة (طائفية ودينية وعشائرية) وما وصلت له حتى الآن.

الدولة الطرفية:

هي إحدى دول المحيط التي تتسم بعدم تأثيرها في السياسة الدولية، أو في السياسات الاقتصادية أو الدولية أو حتى الخاصة بها، فهي لا تملك القدرة على توظيف المتغيرات التي تحدث في المجتمع الدولي لصالحها. وهذا النوع من الدول يستند إلى القوة البوليسية في عملية تطويع وإدارة المجتمع، ولم تنجح هذه الدولة في بناء مشروع نهضوي ينقل المجتمع نحو التقدم والرقي والازدهار.

الدولة المنهارة:

ينطبق هذا المفهوم على بعض نماذج الدولة الفاشلة التي وصلت إلى مراحل متقدمة جداً في أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ويدار المجتمع في هذا النموذج من بعض الفواعل التي تنشئ سلطة بديلة أو تسيطر على أجزاء من الدولة جراء سقوط أو ضعف نظام الحكم وتفكك مؤسساته، ومن هذه الفواعل (قوى قومية أو طائفية أو قبلية أو نخب عسكري أو حزب سياسي أو اقاليم جغرافية).

باستقراء هذه النماذج، نرى بان الدولة العراقية بعد عام 2003 لا تنحصر في وصف أو نموذج معين دون غيره، فجميعها قد تنطبق على النموذج العراقي، ولاسيما اذا ما اخذنا المراحل التي مرت بها الدولة بعد عام 2003، فقد تنقَّلت بين عدة نماذج، بين الزبائنية أو الضعيفة والهشة أو الفاشلة، واذا ما اخذنا هذا التسلسل المرحلي في النماذج السياسية المعاصرة، منذ بداية تشكيل الدولة بعد عام 2003، وحتى الآن، نرى بأن الدولة قطعت اشواطاً في هذه النماذج وتسير بشكل تصاعدي نحو الدولة المنهارة، ولاسيما في ظل حالة الانسداد السياسي وتفاقم الأزمات وتراكمها بشكل قد يؤدي إلى انفجارها؛ الامر الذي يقودنا إلى انهيار الدولة ومؤسساتها، أو ما يضعنها أمام مشهد وسيناريو النموذج الاخير (الدولة المنهارة).

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

.................................
(**) المفاهيم وتعريفاتها مقتبسة بتصرف من اطروحة دكتوراه (أزمة الدولة في العالم العربي: دراسة مقارنة لحالتي العراق والسودان) للباحث هاني محمود عبد موسى، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة تونس المنار.

اضف تعليق