مرة من المرات كنت اقلب بالقنوات تسيلة في التقليب أكثر من متابعة شيء بعينه، تغيير المحطات والتوقف للحظاتٍ ومن ثم تغيير المحطة يبدو أمراً مسلياً، أثناء التقليب لفت انتباهي وثائقي على قناة ناشيونال جيوغرافيك الإنكليزية حول منظمة تهتم بجمع شمل كلاب و(بزازين) سائبة اعتنى بها جنود امريكان في العراق...

مرة من المرات كنت اقلب بالقنوات تسيلة في التقليب أكثر من متابعة شيء بعينه، تغيير المحطات والتوقف للحظاتٍ ومن ثم تغيير المحطة يبدو أمراً مسلياً، أثناء التقليب لفت انتباهي وثائقي على قناة ناشيونال جيوغرافيك الإنكليزية حول منظمة تهتم بجمع شمل كلاب و(بزازين) سائبة اعتنى بها جنود امريكان في العراق واتخذوها حيواناتهم الأليفة.

ينبغي هنا اولاً توضيح عنوان المقالة لأني يصلني أن (بعض) مقالاتي تُنشر في مواقع عربية وخليجية فصار لِزاماً عليّ توضيح لفظ (البزازين) كي لا يلتبس الفهم.

(البزونة) وجمعها (بزازين) معروفة في العراق، ولكني أشك أن يفهم المقصود منها غيرهم فكان بحثي في مسميات (البزونة) عربياً فتبين ألا يوجد بلد عربي يسمي (البزونة) بلفظها الفصيح (قطة) إلا القليل جداً.

طبعاً (الكلب) معروفٌ بمجرد لفظه بالفصيح حتى مع وجود مسميات اخرى، ولكن الغالبية يعرفونه بأسم الكلب، حتى أن الشخص الذي يواظب على النذالة والخسة ونكران الجميل فيعرف في داخله أنه (كلب). على الأقل هكذا تعرفه الناس رغم براءة الكلب (الحيوان) من هذه الصفات الدنيئة.

لكن عندما تأتي (للقطة) فلكل بلد واحياناً منطقة في نفس البلد مسمى شعبي مشهور لهذا الحيوان الأليف مثلما لا تعتبر سُبة عندما يوصف احداً (بالبزون) فاغلب الأحيان تخرج كمزحة.

في العراق يسمى (القط) الذكر (بزون) والأنثى (بزونة) وجمعها (بزازين) وجميع هذه الألفاظ هي آرامية الأصل كما يُقال. كذلك يُطلق على الذكر (عتوي)، كان أحد أصدقاء الطفولة يُلقب (بالعتوي) ربما لكبر حجم رأسه وليس لتحرشه وتربصه بالاناث كما يدأب (العتوي) على ذلك لدى رؤيته أية (بزونة) فيبدأ بمشوار التحرش والذي غالباً ما ينتهي بأن تبتلى الأنثى بحمل غير مخطط له لمدة شهرين وبضعة أيام هو فترة حملها لتضع بين ثلاثة لخمسة (قطيطات) في المعدل تنو برعايتهم في الوقت الذي وجد فيه ذلك (العتوي) بضع اناث غيرها.

في مناطق من السعودية وسوريا وفلسطين والأردن ولبنان ومصر فيسمى (بس) والأنثى (بسة) وجمعها (بسوس أو بساس أو بِسَس)، في مناطق من اليمن تسمى (دِمّة) للذكر والأنثى وجمعها (دِمَم).

في مناطق من البحرين وعُمان والسعودية يُسمى الذكر (سِنّور) والأنثى (سِنّورة) والجمع (سنانير)، ولفظ (عتوي) المشهور للقط في العراق و(لصاحبي ذي الرأس الكبير)، فهو مستخدم أيضاً في مناطق في السعودية والأمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت.

في مناطق مختلفة في اليمن والسعودية يوجد لفظ (عرّي وعُسني وضِيون).

أما لفظ (كطو) حيث حرف (ك) يقرأ بلفظ صوت (G) باللغة الأنكليزية للذكر و(كطوة) للأنثى فموجود في مناطق من السعودية والكويت والبحرين وقطر والأمارات وعُمان، في مناطق من مصر وسوريا ولبنان (أُطة) للأنثى وللذكر (أُط)، أما في مناطق من تونس وليبيا (قطوس) والأنثى (قطوسة)، في مناطق من موريتانيا والجزائر للذكر (قط) وللأنثى (قطوطة)، لفظ (كِديسة) تجده في أجزاء من السودان، في أجزاء من المغرب وموريتانيا فللذكر (مِشّ) وللأنثى (مِشَّة) والجمع (مشاش).

إستغرق بحثي في الأنترنت حول هذه الأسطر القليلة الماضية بخصوص مسميات (القطة) قرابة الساعتين لكنه كان بحثاً ممتعاً بالرغم من عدم كونه شاملاً أو مفصلاً.

يُقال إن غزارة الألفاظ دلالة على قِدَم وعظمة وعراقة اللغة، وعودة للمنظمة الأمريكية إياها، فقد كانوا يسافرون للعراق إبان سحب القوات الأمريكية حوالي العام 2011 ومن هناك بدأ التنسيق في نقل تلك الحيوانات بعد تلقيهم طلبات (لم شمل) بها من على موقعهم المخصص لذلك على الإنترنت وبعد أن أعلنوا عن استعدادهم للقيام بهذه المهمة (مهمة تسفير الكلاب والبزازين ولم شملها بمتبنيها الجنود الأمريكان).

في مقطع من مقاطع الوثائقي كانت هناك جندية سابقة بشعرٍ اسود (كظلام الليل) وعيون زرقاء (كصفاء البحر) وبشرة بيضاء (زي الاشطة)، كانت تحكي عن تجربتها ببرنامج لم الشمل (ببزونتها) العراقية البرتقالية اللون حيث صرحت انها فَرِحة جداً بوصول (بزونتها) لأمريكا لتنعم بحياة جميلة (إي والله قالت لتنعم بحياة جميلة) وتتخلص من صعوبة الوضع هناك (إي والله قالت صعوبة الوضع هناك).

أثناء اللقاء بها سألتها مديرة المنظمة حول مدى تأثير هذه (البزونة) عليها أثناء تأديتها لمهامها في العراق فردت وهي تبكي (إي والله كانت تبكي) وقالت إن (بزونتها) جعلت منها تشعر بوجود ما يستحق العيش من أجله في العراق (إي والله قالت ما يُستحق العيش من أجله) وأنها جعلت لعيشتها هناك معنى (إي والله قالت معنى) وإنها فَرِحِة اليوم أن (بزونتها) تنعم بحياة كريمة في أمريكا (إي والله قالت حياة كريمة) وأن هذه (البزونة) قد تخلصت اخيراً من العيش في العراق (إي والله قالت تخلصت).

هذا كان كلامها وعيناها الزرقاوان يسبحان بالدموع مع موسيقى حزينة، هل لك أن تتصور أي نظرة ينظرون (للعراق) و(لشعوب اخرى) ما عداهم.

أفلامهم تصورهم حماة الحقوق ورُعاة الحياة الكريمة ووثائقياتهم تصورهم محاربين للحريات ومدافعين عن حقوق الضعفاء والمظلومين، هل لك أن تتصور أي نظرة (دونية) ينظر الكثير منهم لنا ولبشريتنا ولقيمتنا و(لمعنى) حياتنا.

ربما رقة قلب هذه السيدة على حيوان قد يتناوله البعض تلطفاً عن رقة وعطف وحنان سيكون محل رواية لقصص الرعاية والاهتمام، ربما فسرت بعقلها الذي يغلفه شعرها الأسود القصير الجميل وهي ترى بعينيها الزرقاوان انتهاكات ومظالم واعتداءات كثيرة خلفت الكثير من الضحايا وربما لا تهتم بكل بساطة.

ربما دافعت بشراسة الـ(catfight) عن سياسة بلادها وما فعلوه بالعراق وبلدان أخرى حيث كان لبلدها الأمريكي ومكانته العظمى في المجتمع الدولي أن يتدخل ليرفع الحيف عن بلد (بزونتها) العراقية حيث ساهموا عندما كانت الادارة الفعلية لهم في تلك السنوات بخرابه وحلهم للجيش العراقي وتفكيكهم لجميع مؤسسات الدولة وتأسيسهم لمجلس حكم بنسق طائفي حزبي (محاصصاتي) فاسد وبائس لازال أثره المقيت ينمو فساداً كل يوم.

لا ينفع التبرير كثيراً أنهم تماشوا مع الواقع العراقي وضغط أبرز السياسيين العراقيين عليهم لتمكينهم أكثر (وإن كان هذا قد حصل فعلاً) فألم يكن من الأفضل على الأقل الضغط عكسياً خصوصاً وإن (الكثير) من السياسيين العراقيين مشهورين بالخضوع لأي ضغط خارجي لعقدة في شخصياتهم لا تمكنهم من استيعاب انهم صاروا قادة وحاكمين.

ربما شعرت (بزونتها) العراقية بشعور سيء وهربت عند رؤية اعتداءات على عراقيين ابرياء وهي تموء مواءاً عراقياً حزين فسرته السيدة إياها بأن (البزونة) تموء فَرَحاً بأن جمعتها الصدفة بها مصورة نفسها (المنقذ) و(المُخلّص) وربما تلك (البزونة) لو تسنى لها الحديث والبكاء لرددت (موطنييييييي موطني) أو (وطن مدّ على الافق جناحا وارتدى مجد الحضارات وشاحا) لو كانت بعثية.

ربما قالت هذه (البزونة) انها تفقد عائلتها وتفقد متعتها بحياتها اليومية البسيطة التي تهنأ بها بأرضها، لم تر هذه السيدة تكافل الناس في العراق في رعاية الفقراء والمحتاجين الذي تكاثروا بسبب إدمان الفساد وسوء الادارة للكثيرين ممن تسنموا منصب حكومي بارز.

لم تر رعاية أيتام من قضوا نحبهم على ايدي عصابات الميليشيات والإرهابيين وممن استخدمهم اوراق ضغط سياسية وممن تغاضى عن داعمين لهم من الداخل العراقي ومن دول الجوار، ربما لم تعرف هذه السيدة أن (أمي) كانت تواضب على اطعام (البزازين) الزائرة لبيتنا من بقايا طعام أو تعطيها احيانا سمكاً خصيصاً لها.

لم تر هذه السيدة حجم التبرعات لو نودي أن مريضاً ليس لديه ثمن العلاج وسط واقع صحي بائس ومستشفيات ومؤسسات صحية أكثر بؤساً.

ولو كانت هذه السيدة متذمرة من اداء واجباتها في العراق وهي التي اغروها براتب جزيل وتحصيلات تقاعدية ممتازة مع امتيازات كثيرة حين انتهاء واجباتها العسكرية القصيرة الأمد فاقتنعت بالانضمام للجيش، فلتعلم أن في بلد (بزونتها) لما تمكنت د/عش من رقاب الناس وانتشر فسادهم وبشاعة جرائهم، فربما لم تسمع ببطولات وامجاد الاف المتطوعين الباذلين الأنفس في الدفاع عن الأبرياء وعن الأرض التي لوثها اولئك الوحوش ومن دون التفكير في الحصول على (سنت) واحد، متطوعين كثر من شيعة وسنة ومسيحيين وايزديين عرب وأكراد وتركمان متدينين وغير متدينين.

لأولئك الناس العاديين حياة لها (معنى) وكرامة يدافعون عنها.

يا سيدتي الجميلة أننا نحلم كل يوم بالخلاص من هذه العملية السياسية التي خيبت ظنونا وقتلت أحلامنا وضيعت امالنا. يا سيدتي إننا نحلم بالخلاص من هذه الطبقة السياسية الجاثمة على صدور الناس تخنقهم كل يوم بسوء ادارتهم. نحلم كل يوم بأن نعيش بخير وراحة وكرامة لا ضرر ولا ضرار.

البلدان يا سيدتي الجميلة ليست فقط سياسة، بل بشر ومشاعر وثقافات وتراث وحضارة وحياة يومية (عادية) محترمة ومُكرّمة رغم بساطتها ولو كان الوضع السياسي والحكومي سيئ الادارة بصورة كارثية.

ربما انتخبت (ترامب) أو (بايدن) وكلاهما يمثلون سياسة امريكية (قديمة) ثابتة في محاولة تحسين الداخل الأمريكي وبتبرير التدخل في شؤون دول أخرى وفرض عقوبات.

ربما لم تعترضي على العقوبات الدولية التي تفرضها أمريكا على دول معارضة لسياسة دولتك مبررة ذلك بأن تلك الدول تنتهك فيها الحقوق أو مبررات اخرى وربما تتناسى هذه السيدة أن نفس (دولتها) الأمريكية تدعم دول اشتهرت بالقتل والتعذيب وتقييد الحريات بحق مواطنيها فضلاً عن اعتداءات على دول مجاورة، بل قامت (دولتها) العظمى بحماية انظمة تلك الدول الدكتاتورية التي لا تُجرى فيها حتى انتخابات والحيلولة حتى في عدم ادانتهم ولو سياسياً في الأمم المتحدة.

ربما تنسات أن في تلك الدول المضطربة التي فرضوا الحصار عليها أو سهلوا شن الحروب عليها فيها (بزازين) اخرى كثيرة تريد العيش بسلام.

ربما سمعت عن حرب طائفية روجت لها وسائل اعلام جيران السوء بواسطة لاعبين سوء من الداخل مستخدمين الميليشيات والأرهابيين وأصحاب الأجندات السياسية والحزبية ومجاميع شعبية (غبية) ولكن ليس هذا هو واقع أكثر الناس.

كلنا بشر يا سيدتي وكلنا لنا احاسيس ومشاعر وكلنا لنا (معنى) في الحياة ولو كان بسيطاً.

نعيش كل يوم بحلوه ومره مثلك انت مع اختلاف الظروف والثقافات والعادات، ولكن لا تسلبينا حتى (معنى) الحياة وتصورين الناس عديمي (المعنى) لمجرد أنك رأيتهم مختلفين عنك أو قيل لك ذلك.

كلنا لنا اخطاؤنا وعيوبنا، ولكن يا سيدتي الجميلة ربما لم يسؤك (الأنانية) التي تكلمتي بها وأنت ترين العالم بعين زرقاء واحدة لا بعيون سوداء ونرجسية وبنية مختلفة أو حتى تَحِسِين به مشاعراً لو كانت لك عينان عمياوان لا ترى.

أنت يا سيدتي الجميلة لا تهتمين بغيرك قدر اهتمامك بنفسك وطريقة حياتك الأمريكية فعندك البشر الأمريكي ليس كغيره وما عطفك وبكاؤك على (بزونة) عراقية سوى أنك اعتبرتيها ملكية خاصة استأنست بها فبكيت على ملكية (possession) وليس بكاؤك على روح معذبة.

أما الموسيقى الحزينة التي رافقت وصفك لحالك وحال (البزونة) فحزنت بها أنا على ضحايا الأرهاب والحروب والمظلومين والمحرومين والمُعَذبين الذين لا يجدون سوى المعاناة والبؤس والألم.

....................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق