تحركات جديدة تقوم بها بعض الدول من اجل تسوية الخلافات الخليجية، التي دفعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر لفرض مقاطعة دبلوماسية وتجارية مع قطر منذ عام 2017 لاتهامها بـ"تمويل الإرهاب" ودعم إيران، وهي اتهامات نفتها الدوحة. حيث اكدت بعض المصادر، وجود تقارب بين السعودية وقطر للوصول إلى اتفاق أولي لإنهاء خلافهما. وتجري التحركات الاخيرة بدعم من إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، ولا يشمل الاتفاق الأولي الإمارات والبحرين ومصر.

وتقدمت الدول الأربع بلائحة من 13 مطلبا كشرط لإعادة علاقاتها مع الدوحة، تضمنت إغلاق القاعدة العسكرية التركية الموجودة على الأراضي القطرية وخفض العلاقات مع إيران وإغلاق قناة الجزيرة. وترافق قطع العلاقات الدبلوماسية مع تدابير اقتصادية شملت إغلاق الحدود البرية والطرق البحرية، ومنع استخدام المجال الجوي وفرض قيود على تنقلات القطريين. وقام جاريد كوشنير مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا بزيارة للسعودية وقطر، وقالت صحيفة وول ستريت جورنال إن الهدف منها حل الخلاف القائم بين البلدين.

وذكرت وكالة بلومبيرغ (Bloomberg) أنه من المرجح أن تشمل مساعي حل الخلاف بين السعودية وقطر إعادة فتح المجال الجوي والحدود البرية، وإنهاء حرب المعلومات بينهما، وتشمل أيضا خطوات أخرى لإعادة بناء الثقة. ونقلت الوكالة نفسها عن دبلوماسيين أن الإمارات كانت أكثر ترددا في إصلاح علاقاتها مع قطر، وفضلت التركيز على بناء علاقاتها مع إسرائيل. ولفترة من الوقت، بدا ترامب منحازا للمحور السعودي في هذا الخلاف.

لكن إدارة ترامب قررت تدريجيا التوسط لإعادة توحيد قطر مع جيرانها الإقليميين حيث ترى أن المعركة الأكثر أهمية هي ضد إيران، ومنذ عام 2018، عندما سحب ترامب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، فرضت إدارته عقوبات اقتصادية ضد طهران فحرمتها من ما يقدر بنحو 70 مليار دولار من عائدات النفط، وقد ساهم ذلك في ما وصفه بومبيو بأنه تخفيض بنسبة 25 في المئة في الميزانية العسكرية لإيران.

التحركات الاخيرة قد تجبر السعودية ايضا على تقديم تنازلات كبيرة لقطر من اجل ابعادها تدريجياً عن ايران واعادتها الى مجلس التعاون الخليجي، الذي سيكون اقرب الى اسرائيل بعد اتفاقات تطبيع العلاقات الدبلوماسية الاخيرة وما سيعقبها من قرارات ستشمل دول اخرى. وهو ما سيشكل ضربة جديدة لمصالح طهران التي ستخسر حليف خليجي مهم في هذا الوقت بذات.

ويرى بعض المراقبين ان اعادة بناء العلاقات بين قطر ودول المقاطعة لن تعود إلى الوضع السابق قبل عام 2017 وستحتاج الى وقت طويل، خصوصاً وان قطر قد ادركت اليوم ضرورة ايجاد بدائل وتحالفات اخرى تمكنها من البقاء والاستمرار خارج الخيمة الخليجية والقرار السعودي. وهو ما حدث بالفعل بعد تحالفها مع تركيا وايران. ومرت العلاقات بين السعودية وقطر بمراحل عديدة ساد فيها التناقض والخلاف، فمنذ بداية تشكل الدولتين في القرن التاسع عشر وكما نقلت بعض المصادر، برز التنافس بين أسرتي آل سعود وآل ثاني الحاكمتين لهاتين الدولتين.

السعودية وانهاء الازمة

تسعى السعودية للوصول إلى تسوية لإنهاء الأزمة الخليجية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، لكن الحل الشامل يبقى أمرا بعيد المنال على الرغم من الاستعداد لتقديم تنازلات، بحسب مصادر مقرّبة من المفاوضات الخاصة بملف الخلاف. وكان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قال إن حلفاء بلاده "على الخط نفسه" في ما يتعلّق بحل الأزمة الخليجية، متوقعا التوصل قريبا إلى اتفاق نهائي بشأنها.

ويأتي هذا في وقت تستعد فيه دول الخليج لموعد تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، الذي سيرحب بحل خلاف قوض جهود الولايات المتحدة في مواجهة إيران في منطقة الخليج الاستراتيجية. وقطعت السعودية وحلفاؤها الإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر في حزيران/يونيو 2017 ومنعتها من استخدام مجالها الجوي، متهمة الدوحة بتمويل حركات إسلامية متطرفة وهو ما تنفيه الدوحة بشدة. كما أخذت عليها تقاربها الكبير مع الجمهورية الاسلامية. وتقول مصادر مطلعة على المفاوضات إن الدول المقاطعة لقطر بقيادة الرياض مستعدة لتخفيف حدة مطالبها بشكل كبير في الاتفاق النهائي.

وأشار مصدر مقرّب من الحكومة السعودية إلى أن المملكة مستعدة لتقديم تنازلات عبر فتح مجالها الجوي أمام الطائرات القطرية في حال توقّفت الدوحة عن تمويل معارضيها السياسيين وكبحت جماح وسائل الإعلام التابعة لها. وقال إن "السعودية تدفع باتجاه ذلك - والسعودية تملك المفتاح الرئيسي وهو المجال الجوي". وتسببت الأزمة بقطع روابط النقل وتفريق العائلات وكلفت مليارات الدولارات خسائر في مجالي الاستثمار والتجارة، وألحقت أضرارا قد لا تكون اقتصادات دول الخليج قادرة على تحملها مع مسعاها الخروج من أزمة فيروس كورونا المستجد.

وأعربت الإمارات ومصر عن دعمهما للجهود الرامية إلى حل النزاع. ولكن أشار مصدر مقرب من السعودية إلى أن الإمارات، وهي خصم قوي لقطر، تقاوم ذلك. وبحسب المصدر فإنه "لا يمكن للسماح للغضب الإماراتي بإبقاء هذه النار مشتعلة"، موضحا "حان الوقت لإنهاء هذه الأزمة". من جهته، قال مصدر آخر في الخليج مقرب من ملف المفاوضات إن العملية التي تقودها المملكة حاليا قد تؤدي إلى نوع من السلام ولكنها لن تقوم بحل كل القضايا الأساسية.

ومن المرجح أن يكون الاتفاق النهائي على شكل وثيقة مشتركة تحدد الشروط، وقد يشبه على الأرجح اتفاق الرياض في عام 2014 بين قطر والدول الخليجية- وهو اتفاق سري يُعتقد أنه كان يدعو لعدم التدخل بشؤون الدول الأخرى. وبحسب دبلوماسي غربي في الخليج، فإن الوسطاء من الكويت يدفعون باتجاه إقناع القادة الثلاثة الرئيسيين - ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، وولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وأوضح أنه سيتعين على القادة الثلاثة "الموافقة"، موضحا أنه على الرغم من معارضة الإمارات، فإن ولي عهد أبوظبي "منخرط بشكل وثيق" في العملية. وأوضح "نحن نبحث عن حل مؤقت محتمل في غضون أسابيع قليلة (..) لا أعتقد أن أي شخص يتوقع حلا كاملا. سينظر الجميع في مدى دفء صياغة البيان".

ونقل دبلوماسيون في الدوحة عن مسؤول قطري كبير قوله إن الاتفاق النهائي "تم الاتفاق عليه مبدئيا" ولكنه "محدود النطاق". وأشاروا إلى أنّ المسؤول أوضح أن السعودية لا ترغب في الإعلان عن الاتفاق قبل نهاية حكم دونالد ترامب على الأرجح بهدف تسجيل نقطة إيجابية لدى إدارة بايدن الذي توعد بإعادة تقييم الروابط مع الرياض على خلفية سجلّها في مجال حقوق الانسان.

وتسعى الولايات المتحدة إلى رفع إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات القطرية الذي دفعها لتغيير مسار رحلاتها لتمر فوق إيران التي أشارت تقارير إلى أنها حصلت مئة مليون دولار سنويا لقاء ذلك، الامر الذي يقوض الجهود الأميركية للضغط اقتصاديا على طهران. وهناك مؤشرات بالفعل على قيام وسائل الإعلام في قطر والسعودية بالتخفيف من حدة لهجتها. وأشاد المعلق السعودي طارق الحميد في صحيفة "عكاظ" السعودية المقربة من الحكومة بالتصريحات "المتفائلة" مؤكدا على ضرورة "وحدة وتماسك مجلس التعاون الخليجي". ولكنه أشار إلى أنّه "لا بد من آلية تضمن تعلمنا من التجارب، وعدم تكرارها، لأن الخلافات جوهرية، ووجودية، وليست خلافات تنتهي فقط بمصافحة".

قطر والإمارات

قال سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة إن هناك "بذور تقدم" لحل الخلاف الخليجي القائم منذ وقت طويل وتعهدات "بتخفيف حدة الأمور" مع عمل أطراف الأزمة على التوصل إلى حل لإنهاء الشقاق مع قطر. وكانت تصريحات العتيبة، التي أدلى بها لمؤسسة بحثية أمريكية، أكثر حذرا أكبر من التصريحات الصادرة عن السعودية التي قال وزير خارجيتها إن تقدما كبيرا تحقق وعبر عن أمله في أن يسفر هذا التقدم عن اتفاق نهائي يبدو أنه في المتناول.

وقال العتيبة في كلمة عبر الفيديو أمام معهد هدسون "أعتقد أن هناك تقدما بالتأكيد أو على الأقل بذور تقدم". وهذه أكثر التصريحات الصادرة عن الإمارات وضوحا في هذا الصدد منذ أعلنت الكويت عن مباحثات لحل الخلاف. وقال العتيبة "هناك الكثير من التعهدات .. بتخفيف حدة الأمور نوعا ما. وإذا استمر هذا فأعتقد أنه سيكون أمرا مبشرا. أرى أن هناك فرصة لبدء عملية تخفيف حدة الخلاف على الأقل" مضيفا أن الوقت سيثبت ما إذا كان هذا سيؤدي إلى "التقدم بصورة ما نحو التوصل إلى حل للأزمة".

وكانت قطر أيضا أكثر حرصا في تصريحاتها حيث عبر وزير خارجيتها عن أمله في أن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح. وتتهم الدول الخليجية الثلاث ومصر الدوحة بدعم الإرهاب. لكن قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية بالمنطقة، تنفي هذا الاتهام وتقول إن المقاطعة تهدف للنيل من سيادتها. ورجّح محللون أن يقتصر أي اختراق يتم تحقيقه على العلاقات بين الرياض والدوحة، وأن يستثني خصوصا الإمارات التي كانت أشد الدول انتقادا لقطر منذ بدأت الأزمة. وفي وقت سابق استبعد سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة أن يُحل الخلاف في أي وقت قريب، قائلا "ليس على قائمة أولويات أي شخص".

الملف الايراني

وفي الملف الإيراني، شدّد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ف على وجوب التشاور مع دول الخليج "بشكل كامل" في حال أعادت الإدارة الأميركية المقبلة إحياء الاتفاق النووي مع طهران، مشددا على أنه الطريق الوحيد باتّجاه التوصل إلى اتفاق دائم. وتقول عدة مصادر أن السعودية والبحرين والإمارات ومصر متمسكة بقراراتها تجاه قطر، ومن بين هذه القرارات قطع العلاقات بين قطر وإيران، وقطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك إغلاق قناة الجزيرة التي تعدّ الواجهة الإعلامية لقطر، بالإضافة إلى إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، وهذا ما ترفضه قطر وعدّت هذه المطالب تمس سيادتها.

وتكبدت قطر، نتيجة الخلاف، خسائر اقتصادية كبيرة تمثلت في انخفاض أسعار العقارات وخسائر طالت شركة طيرانها الوطنية، كما فقدت مصادر مهمة للغذاء والمواد الأولية، كانت تحصل عليها من الدول التي قامت بمقاطعتها. وصعّد البيت الأبيض خطابه ضد إيران في وقت يشارف عهد ترامب على نهايته. وأعلن الأخير في 2018 انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الذي أبرمته دول كبرى مع إيران في 2015. لكن الرئيس المنتخب جو بايدن أشار إلى أن الولايات المتحدة ستبرم مجددا اتفاقا نوويا مع طهران وأنه لا يزال يدعم اتفاق 2015.

ومن شأن انضمام واشنطن مجددا إلى الاتفاق أن يلقى أصداء إيجابية في أوساط حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، لكنه سيثير بلا شك قلق دول خليجية. وقال الوزير السعودي "بشكل أساسي، ما نتوقعه هو أن يتم التشاور معنا بشكل كامل وأن يتم التشاور بشكل كامل (... كذلك) مع أصدقائنا الإقليميين بشأن ما يحدث، في ما يتعلّق بالمفاوضات مع إيران". وتابع "الطريق الوحيد باتّجاه التوصل إلى اتفاق دائم هو عبر تشاور من هذا النوع"، مضيفا أن عدم إشراك دول المنطقة في هكذا عملية سيفضي إلى "انعدام للثقة".

وعمّا إذا كانت إدارة بايدن تواصلت مع بلاده حيال المسألة، قال الأمير فيصل إن أي اتصالات لم تجرِ بعد، لكن الرياض "على استعداد للتعاون مع إدارة بايدن فور توليها السلطة". وأضاف "نحن على ثقة بأن إدارة بايدن المقبلة، كما شركائنا الآخرين، بمن فيهم الأوروبيون، متفقون تماما على ضرورة إشراك جميع الأطراف الإقليمية في أي حل". وأشار إلى أن المملكة تفضّل نموذجا أوسع للاتفاق النووي الحالي تحدّثت عنه برلين في الأيام الماضية للجم برنامج طهران للصواريخ البالستية، معتبرا أن الاتفاق القائم "ناقص ولا يتطرق إلى جميع القضايا المرتبطة بأنشطة إيران النووية".

وتحدّث الوزير على وجه الخصوص عن الإطار الزمني الوارد في الاتفاق (بين 10 و15 عاما) والذي اعتبره غير كاف للتعامل مع خطر تطوير إيران أسلحة نووية. وقال "كما شهدنا من خلال قدرة إيران الآن على تعزيز إمكانياتها سريعا لزيادة مخزوناتها من اليورانيوم المخصّب، فإن إطارا زمنيا قصيرا كهذا غير كاف لاحتواء قدرات إيران النووية". بحسب فرانس برس.

وفي وقت تسعى المملكة لبناء علاقات مع الإدارة الأميركية المقبلة، أبدى الوزير السعودي ثقته بأن تعهّد بايدن تحويل السعودية إلى دولة "منبوذة" على خلفية سجلها في مجال حقوق الإنسان، ليس إلا تصريحات للاستهلاك خلال الانتخابات. وقال "أعتقد أن الدعاية الانتخابية تجلب معها كافة أشكال التصريحات، لن آخذها أبعد من ذلك". وأضاف أن المملكة ستحتفظ بعلاقاتها مع ترامب قائلا "المملكة دائما تتذكر أصدقاءها. وبالطبع، سنبقى على اتصالات ودية مع الرئيس ترامب".

وعقب إغلاق المملكة العربية السعودية لمجالها الجوي اضطرت الطائرات القطرية للتحليق فوق إيران، غريمه الرياض وواشنطن التقليدية، ودفع رسوم باهظة لطهران في العملية. وذكرت نيويورك تايمز نقلا عن مصادر دبلوماسية أن قطر تدفع 100 مليون دولار سنويا مقابل التحليق فوق الجمهورية الإسلامية. وقال مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين في تشرين الثاني/نوفمبر إن السماح للطائرات القطرية بالتحليق فوق السعودية عن طريق "جسر جوي" أولوية لإدارة ترامب.

وقالت تشينزيا بيانكو الباحثة في معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية "نعلم أن إدارة ترامب تعمل على حلحلة الأزمة القطرية، من أجل خلق جبهة أكثر اتحادا ضد إيران أو منع إيران من استقطاب الدعم القطري". وكانت جهود وساطة سابقة بقيادة الكويت قد باءت بالفشل.

اضف تعليق