يعاني مئات الآلاف من المهاجرين الأفارقة، الذين أرادوا الوصول إلى أوروبا ظروف صعبة في ليبيا التي تعيش حالة من عدم الاستقرار، فقد اكدت العديد من المنظمات وكما نقلت بعض المصادر، أن المهاجرين العالقين في ليبيا يعانون من تجاوزات فظيعة تتراوح بين الخطف والتعذيب وأعمال السخرة وسوء التغذية، وتحمل مسؤولية ذلك الى سياسة الهجرة المتفق عليها بين الدول الأوروبية والليبيين. وحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة فإن هناك نصف مليون مهاجر في ليبيا بعضهم يواصل العمل بينما يحاول آخرون السفر عبرها إلى أوروبا.

وطالبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان باتخاذ إجراء عاجل للتعامل مع الأوضاع المرعبة التي يواجهها المهاجرون في ليبيا وأثناء محاولاتهم عبور البحر المتوسط باتجاه أوروبا، وحتى بعد الوصول للقارة العجوز. وأوضحت أنهم يواجهون خطر العنف المتكرر وانعدام الأمن في ليبيا، والاحتجاز التعسفي والإعادة القسرية في أوروبا. كما حثت المفوضية الاتحاد الأوروبي على ضمان أن يتعامل ميثاق «الهجرة واللجوء» مع هذه التحديات، بالتوازي مع حماية حقوق الإنسان للمهاجرين.

كما ألقت منظمة العفو الدولية اللوم على الاتحاد الأوروبي في الانتهاكات ضد اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، الذين تفاقمت معاناتهم بسبب القيود المفروضة على خلفية جائحة فيروس كورونا. وانتقدت المنظمة، ومقرها لندن، الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في تقرير جديد بسبب دعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس وخفر السواحل التابع لها في اعتراض المهاجرين واللاجئين في البحر وإعادتهم مجددا إلى ليبيا.

وقالت المنظمة إنه يتم نقل المهاجرين إلى مراكز احتجاز بعد ذلك "ويتعرضون لاحتجاز تعسفي ولأجل غير مسمى في ظل ظروف غير إنسانية". وأصبحت مراكز الاحتجاز في السابق أهدافًا في الصراع المدني الليبي، بين الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق الوطني والقوات المتمركزة في الشرق بقيادة خليفة حفتر، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المهاجرين. وقالت منظمة العفو الدولية إن الاتحاد الأوروبي لم يضغط على حكومة الوفاق المدعومة من الامم المتحدة من أجل صون حقوق اللاجئين والمهاجرين. ويواجه اللاجئون والمهاجرون الإعادة القسرية إلى البلدان المجاورة دون أن تتاح لهم إمكانية طلب الحماية الدولية. وقالت منظمة العفو الدولية إن أكثر من خمسة آلاف شخص طردوا هذا العام وبعضهم تركوا على الحدود مع السودان وتشاد دون أي طعام أو ماء.

ليبيا وملف الهجرة

وفي هذا الشأن اعتبرت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقرير أنّ عشرات آلاف اللاجئين والمهاجرين في ليبيا "محاصرون في حلقة مفرغة مروّعة من الانتهاكات"، مناشدة الاتّحاد الأوروبي "إعادة النظر بشكل كامل" في تعاونه مع السلطات الليبية في هذا الملفّ. وقالت المنظمة الحقوقية في تقرير بعنوان "بين الحياة والموت: اللاجئون والمهاجرون في ليبيا محاصرون في حلقة مفرغة من الانتهاكات" إنّ "ليبيا، الدولة التي مزّقتها سنوات من الحرب، أصبحت بيئة تتسم بعداء أشدّ للاجئين والمهاجرين الذين يبحثون عن حياة أفضل".

وأوضح التقرير أنّه "بدلاً من توفير الحماية لهم، فإنهم يُقابلون بمجموعة من الانتهاكات المروّعة لحقوق الإنسان، ويلقى عليهم اللوم بشكل جائر الآن عن انتشار وباء فيروس كوفيد-19 بناء على آراء عنصرية للغاية وكارهة للأجانب". وأعربت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، عن أسفها لأنّه "رغم هذا، فحتّى في عام 2020، يواصل الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء تنفيذ السياسات التي تحاصر عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال في حلقة مفرغة من الانتهاكات، الأمر الذي يُظهِر استخفافاً صارخاً بحياة الناس وكرامتهم".

وأوضح التقرير أنّه "بعد المعاناة المفرطة في ليبيا، يجازف اللاجئون والمهاجرون بحياتهم في البحر طلباً للأمن والأمان في أوروبا، حتى يتم اعتراضهم، ويُعادون إلى ليبيا، ويُسلَّمون لمواجهة نفس الانتهاكات التي سعوا إلى الفرار منها". ونقلت أمنستي في تقريرها بعضاً من صنوف الانتهاكات التي تعرّض لها اللاجئون والمهاجرون في ليبيا ومنها "القتل غير المشروع، والاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والاعتقال التعسفي؛ والعمل القسري، والاستغلال على أيدي الأطراف والجهات الحكومية وغير الحكومية في مناخ من الإفلات شبه التامّ من العقاب".

وأعربت العفو الدولية عن أسفها لأن تكون دول الاتحاد الأوروبي "وبدافع من الرغبة في وقف وصول المهاجرين واللاجئين بأي ثمن، قد قدّمت دعمها لليبيا ــ في محاولة للتحايل على القوانين الدولية التي تحظر عمليات الإعادة ــ من دون اشتراط تقديم ضمانات صارمة في مجال حقوق الإنسان". وشدّدت المنظّمة على أنّه "يجب على الاتّحاد الأوروبي، وبلدانه الأعضاء، إعادة النظر بشكل كامل في تعاونهم مع السلطات الليبية، الأمر الذي يجعل أي دعم إضافي مشروطاً باتخاذ إجراءات فورية لوقف هذا الانتهاكات المروّعة ضدّ اللاجئين والمهاجرين".

واعتبرت أنّه "إلى أن يتم ذلك، فلا ينبغي لأيّ شخص تم إنقاذه أو اعتراضه في وسط البحر الأبيض المتوسط أن يعاد إلى ليبيا؛ بل يجب أن يُسمَح له بدلاً من ذلك بالنزول في مكان آمن". ولفتت أمنستي إلى أنّ تقريرها يأتي غداة إعلان المفوضية الأوروبية عن "ميثاق الهجرة" الجديد، "والذي يشكل ركيزة رئيسية لتعزيز التعاون مع بلدان خارج الاتحاد الأوروبي للسيطرة على الهجرة باتجاه أوروبا". بحسب فرانس برس.

وكانت المفوضية الأوروبية كشفت عن إصلاح لسياسة الهجرة يتضمن تشديد عمليات إعادة المهاجرين غير القانونيين وتعزيز المراقبة على الحدود الخارجية وتسريع الآليات، وقد تلقته الدول المعنية بتحفظ فيما رأت منظمات غير حكومية أنه تنازل للحكومات المناهضة للهجرة. وبعد خمس سنوات على أزمة اللاجئين عام 2015، ينصّ هذا "الميثاق الأوروبي حول الهجرة واللجوء" على وجوب مشاركة الدول الأعضاء التي لا تريد التكفّل بطالبي لجوء في حال حصل تدفّق، في إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم من الدولة الأوروبية التي وصلوا إليها إلى بلدهم الأصلي. ويجب أن يحظى مشروع المفوضية بتأييد الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي كي يصبح نافذاً.

جرائم مستمرة

على صعيد متصل قالت وزارة الداخلية إن ثلاثة ليبيين قتلوا مهاجرا نيجيريا بإشعال النار فيه في طرابلس فيما وصفته الأمم المتحدة بأنه "جريمة أخرى حمقاء ضد المهاجرين في البلاد". وأضافت الوزارة التي مقرها طرابلس في بيان أنها ألقت القبض على الثلاثة المشتبه بهم في القضية، موضحة أنهم استخدموا البنزين لإضرام النار في الضحية بأحد المصانع. وقال فيدريكو سودا، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، في ليبيا إنه يتعين محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة.

ولطالما قالت المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إنه يجب عدم تصنيف ليبيا كمكان آمن للمهاجرين. وحاول ألوف المهاجرين عبور البحر في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا هذا العام حيث لقي كثيرون منهم حتفهم غرقا. وفي يوليو تموز قتلت السلطات الليبية ثلاثة مهاجرين من السودان بالرصاص لدى محاولتهم الفرار من الاحتجاز بعد إنزالهم في بلدة الخُمس. وفي مايو أيار قُتل نحو 30 مهاجرا، معظمهم من بنجلادش، بالرصاص في بلدة صحراوية بجنوب ليبيا بعد أن خطفتهم عصابة محلية، حسبما قالت بنجلادش ووزارة الداخلية الليبية آنذاك.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن نحو نصف أعمال العنف الذي يتعرض له المهاجرون الأفارقة خلال رحلتهم عبر شواطئ البحر المتوسط يرتكبها القائمون على انفاذ القانون. وبحسب تقرير للمفوضية ومركز الهجرة المختلطة في مجلس اللاجئين الدنمركي فإن آلاف اللاجئين والمهاجرين يتعرضون لإساءة جسيمة تشمل التعذيب والعنف الذي يفضي في بعض الحالات إلى الموت.

وقال فنسنت كوشتيل مبعوث المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لمنطقة البحر المتوسط في مؤتمر صحفي في جنيف ”في 47 بالمئة أبلغ الضحايا عن تعرضهم للعنف من سلطات إنفاذ القانون بينما كنا في الماضي نعتقد أن الجاني في الأساس من المهربين وتجار البشر“. وأضاف ”هناك مسؤولية تقع على عاتق الدول يتعين أن تضطلع بها“. وذكرت المفوضية أن 1750 شخصا ماتوا في 2018 و2019 أثناء محاولتهم الوصول إلى البحر لكن كوشتيل قال إن الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك في الغالب.

من جانب اخر قالت وزارة الخارجية في بنجلادش إن 30 مهاجرا قُتلوا على يد مهربي البشر في ليبيا كانوا قد خُطفوا أثناء عبورهم الدولة بحثا عن عمل ثم تعرضوا للتعذيب للحصول على فدية. ونقلت الوزارة ذلك عن أحد الناجين. وقالت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في ليبيا إنها أصدرت أوامر اعتقال بحق المشتبه بهم في قتل 24 مهاجرا من بنجلادش وستة أفارقة. وقالت وزارة الخارجية في بنجلادش نقلا عن أحد الناجين إن المهاجرين كانوا يعبرون الصحراء من بنغازي بحثا عن عمل عندما احتجزتهم مجموعة مسلحة رهائن قرب مزدة. وأضافت في بيان ”عذبوهم بوحشية من أجل الحصول على فدية. في وقت ما من هذه المحنة قتل الأسرى الخاطف الرئيسي. وانتقاما لذلك، فتحت الميليشيا النار بشكل عشوائي عليهم“.

وكانت تحقيقات صحفية قد أكدت أن الأموال الأوروبية الموجهة إلى ليبيا، فاقمت بؤس المهاجرين، بعدما تم تحويل مبالغ ضخمة من هذه المساعدات المالية إلى شبكات متشابكة من رجال المليشيات والمتاجرين وخفر السواحل الذين يستغلون المهاجرين. ووفق مجلة "دير شبيجل" الألمانية، فإن انتهاكات المليشيات للمهاجرين وحقوقهم في طرابلس تتم بشكل ممنهج.

أوضاع المهاجرين السيئة في ليبيا دفعت المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى المطالبة بحماية المهاجرين في ليبيا، واعتبار أن السواحل الليبية غير آمنة لإعادة من يتم اعتراضهم في المتوسط أو لرسو سفن الإنقاذ. وكانت منظمة ”هاتف الإنذار“ قد نشرت على "تويتر" مطلبها بوقف الدعم الأوروبي لخفر السواحل الليبي وحماية أرواح المهاجرين في ليبيا.

الغرق في البحر

من جانب اخر كشفت منظمة «هاتف الإنقاذ» غير الحكومية المعنية برصد قوارب المهاجرين في المتوسط وكما نقلت بعض المصادر، عن موت 190 مهاجرا غرقت قواربهم خلال شهر سبتمبر قبالة السواحل الليبية، متهمة دول الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ مع خفر السواحل الليبي بهدف إجبارهم على العودة إلى البلد لا من أجل إنقاذهم. ورصدت المنظمة « في تقرير لها نشر عبر موقعها الإلكتروني، ارتفاعا ملحوظا بحوادث غرق المهاجرين في وسط المتوسط، قبالة السواحل الليبية، مشيرة إلى تلقي إخطارات من المئات من الأشخاص ممن كانوا على متن قوارب يحاولون الوصول إلى أوروبا ويواجهون مصاعب بالإبحار، مؤكدة قيام سفينة «آلان كردي» الإنسانية بإنقاذ بعضهم، في حين تمت إعادة أغلب الباقين إلى ليبيا.

وروى الناجون من الأهوال التي واجهوها في البحر للمنظمة مشاهداتهم غرق أصدقاء أو أقارب لهم في المياه دون أن يتمكنوا من مساعدتهم. وسجل التقرير غرق أكثر من 190 مهاجرا في أقل من شهر، تمكنت المنظمة من إحصائهم من خلال الشهادات التي تلقتها من الناجين أنفسهم. واتهمت المنظمة الإنسانية «السياسة الحدودية العنيفة» التي تمولها أوروبا، بالوقوف وراء المآسي، وكذلك نتيجة لمصادرة قوارب الإنقاذ الإنسانية ومنع طائرة «مون بيرد» من الإقلاع لمراقبة منطقة البحث والإنقاذ والتبليغ عن قوارب في البحر.

وأضافت في تقريرها أن الدول الأوروبية أنشأت خفر السواحل الليبي بهدف إجبار الناس على العودة إلى ليبيا، لا من أجل إنقاذهم. وأبرزت في هذا الإطار مواجهتها عدة تجارب مع خفر السواحل الليبي، عندما كانوا يجولون المياه الإقليمية المحاذية لأوروبا، ولا يتدخلون مباشرة عند الحاجة، وحتى السفن التجارية التي تتلقى نداءات استغاثة من قوارب المهاجرين، يطلب منها عدم التدخل وانتظار وصول قوارب خفر السواحل الليبي، التي ستقوم بطبيعة الحال بإعادتهم إلى ليبيا.

اضف تعليق