لم يكن يوم العاشر من محرم الحرام لسنه (61ه) يوماً عادياً في ذاكرة البشرية، ولن تبقى "كربلاء" هي ذاتها بعد هذا التاريخ، وما حدث في هذه المدينة الصغيرة لم يكن ليمر مرور الكرام، لان ما حدث فيها هز ضمير ووجدان الإنسانية، وأحدث تفاعلاً وصراعاً بين قيم الإصلاح والخير والتحرر التي مثلتها نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) امام انانية وانحدار الظلم والاستبداد والخنوع والعبودية التي تجسدها الأنظمة الفاسدة والمستبدة في كل زمان ومكان، لذلك لم تكن نهضة الامام الحسين (عليه السلام) محدودة الاهداف او موجهة ضد نظام الحكم الاموي فقط، بل هي عالمية الهدف وإنسانية المعنى وفطرية القيم.

لم يقتصر تأثير نهضة الامام الحسين على العالم الإسلامي فحسب، بل اعتبرت هذه النهضة بمثابة الرمز لسائر المصلحين وجميع الساعين للتحرر من قيود الظلم والعبودية، وكما قال الامام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) : "كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وستبقى نبراساً لسائر النهضات التحررية في العالم ضد الظالمين، فقد كانت وستبقى النهوض الإنساني العظيم الذي هز عرش الطغاة المستبدين، كما وإن واقعة كربلاء قد مهدت الطريق أمام الثورات الأخرى وهيأت الأسباب لقلع جذور دولة بني أمية وبني العباس وغيرهم (...)، حتى يعيشوا في ظل جهادهم الحياة الحرة الكريمة، ويمكن الوقوف على هذه الحقائق من خلال مراجعة التاريخ"، وطبعاً الأمثلة على ذلك اكثر من ان تحصى عبر التاريخ الطويل لنضال الحق ضد الباطل والظلم.

ان ما يمز هذه النهضة ويجعلها فريدة من نوعها هو:

1. حجم المأساة والمواقف الإنسانية التي حوتها في الواقع، والتعاطف الفطري البشري مع رموز هذه النهضة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية والأيديولوجية.

2. الانتصار الذي حققته لم يكن في ارض المعركة، لأنه لم يكن الهدف المباشر لها، بل في وجدان كل انسان يرفض الظلم والعبودية ويتوق نحو التحرر والكرامة.

3. استثمار القيم والمعاني والاهداف التي افرزتها هذه الواقعة بمشاريع نهضوية عبر عنها بـ(الشعائر الحسينية) التي تميزت بكونها الرافد الفكري والعملي لقيم التحرر والخلاص من العبودية، او كما يعبر عنها الامام الراحل الشيرازي: "هي ثقافة حية تحث الإنسان على جميع أنواع الخير، وتردعه عن جميع أنواع الشر".

4. تحويل حالة الانكسار والهزيمة الى عزيمة ونصر من خلال التأسي والعبرة بهذه النهضة لعبور المحنة والانتصار عليها: "يوجب تأسي الناس بهم، وربط قلوبهم وشد عزيمتهم فلا تسبب المصائب مهما كثرت وكبرت انهزامهم".

ومن بين أبرز هذه الشعائر هي شعيرة "المجالس الحسينية" التي لا يخلو منها مكان او زمان، وتنطلق منذ اليوم الأول من محرم الحرام وتستمر حتى نهاية صفر الخير، وعلى مدى شهرين متتابعين، كما لا تخلو إقامة هذه المجالس على مدار العام، في اغلب مدن العالم وبقاعها، وخصوصاً خلال المناسبات الدينية او كلما دعت الضرورة الى اقامتها، لأنها تحتوي على الكثير من الفوائد النفسية والثقافية والاجتماعية والقيمية والإنسانية المفقودة او النادرة الوجود في غيرها من المجالس او الاجتماعات او التجمعات البشرية الأخرى، يقول الشيرازي (رحمه الله): "إذا استثمرت المجالس الحسينية باعتبارها تثير الكوامن العاطفية في النفس، وبما تحمل من التوجيه العقلي المؤثر في تغيير السلوك الإنساني، في قضاء حوائج الناس، وفي التراحم والتواد، وإنجاز الخدمات الفردية والعامة، لقضيت ملايين الحاجات في كل عام".

لذا وجب الاهتمام كثيراً بهذا المجلس الحسيني وطريقته في إيصال الكلمة الصادقة والمؤثرة الى المتلقي ومدى نجاح المنبر الحسيني في احداث التغيير في السلوك الإنساني بطريقة ينجح معها في التأثير على الافراد لتغيير الواقع المتراجع الذي يعيشه الفرد او الجماعة بواقع أفضل: "لابد لنا من الاعتقاد بأن إقامة مجالس العزاء على سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) والشعائر الحسينية، إضافة إلى الأجر والثواب الجزيل الذي فيه، أنها مفيدة لنا في إصلاح دنيانا وآخرتنا".

لقد اهتم الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي بإحياء ثقافة عاشوراء من خلال "الشعائر الحسينية" بصورتها العامة و"المجالس الحسينية" و"المنبر الحسيني" بصورة خاصة ومركزة: "علينا أن نبذل جهدنا في إقامة الشعائر الحسينية بشكل أحسن، وبصورة أكبر، وبشمولية أوسع، وأن نعتني بمجالس العزاء والمنبر الحسيني عناية كبرى، ونرفع من كمها وكيفها باستمرار ودوام"، معتبراً ان: "علينا أن نقيم وأينما كنا مجالس العزاء للإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) على أفضل نحو ممكن، لأن بقاء الإسلام إلى آخر الزمان هو الهدف الذي من أجله استشهد الإمام الحسين (عليه السلام)".

واعتبر الامام الراحل نشر ثقافة عاشوراء والنهضة الحسينية هي مسؤولية الجميع، كل على قدره، المهم ان تبقى حية وفاعلة، ولا يكون ذلك الا من خلال المجلس والمنبر: "يلزم الاهتمام بالشعائر الحسينية بمختلف أنواعها والسعي لنشر ثقافة عاشوراء والنهضة الحسينية مضافاً إلى التبليغ الديني، فإن واقعة كربلاء وقصة عاشوراء وشهادة الإمام الحسين ‹عليه السلام› يلزم أن تبقى حية وفاعلة، وإن بقاء قيمها ومبادئها يكون بالمجالس والمنابر والشعائر الحسينية"، كما ان السيد الشيرازي في سبيل ذلك قدم الكثير من النصائح والارشادات خلال كتبه ومحاضراته وافعاله لتحويل المجالس الحسينية ومن يقوم عليها ويسعى لنشرها وتطبيقها الى مدارس للتغيير نحو الخير والصلاح نستعرض بعضها في هذا المقال:

1. "من الضروري على الخطباء والهيئات الإدارية وأصحاب المجالس أن يهتموا بشأن مجالسهم، حتى تكون مجالس الإمام الحسين (عليه السلام) منبعاً للفكر والوعي، ولا بد أن تتضمن تحليلاً علمياً سليماً للأحداث والوقائع، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، إذ بدون ذلك لا يمكن للمجتمع أن يقاوم الأخطار المحدقة به ولا الأعمال المشينة التي يتعرض لها".

2. "على أصحاب المجالس والهيئات الإدارية التوجه إلى تحريض الخطباء على إلقاء أفضل التحليلات النفسية والاجتماعية والتاريخية والعقدية (...)، وهذا من أفضل الطرق لشدّ الناس إلى الإيمان ولغرس معالم الدين والفضيلة في حياتهم".

3. "المنبر الناجح، هو الذي يعمل على تحريك الأحاسيس والعواطف وتوجيهها نحو الخير والصلاح والتغيير والإصلاح، حتى تكون واعية وموجَّهة، لا أن يمر عليها بدون إعطاءها حقها من التوجيه الرباني والاندفاع الواعي".

4. "ينبغي على أصحاب المنابر تقوية ملكة المستمع في ربط الأحداث، وفهم الروايات والآيات، واستنباط الصغريات من الكبريات، ورد الفروع إلى الأصول، بحيث تتوفر للمستمعين حصانة في مقابل الشبهات الفكرية والعقائدية والتاريخية التي يثيرها المنحرفون وبحيث يكونون قادرين على توجيه الآخرين وهداية الضالين أيضاً".

5. "إن مثل الخطيب مثل الزارع الذي يبذر في الأرض، فكما أن الزارع ما لم يهيئ الأرض للزرع بالحرث والسقي وما إلى ذلك، لا يأخذ نتيجة ما بذره، كذلك الخطيب لا بد له وأن يهيئ نفوس السامعين بمختلف صنوف ما يكتنف بالمطلب الذي يريد إلقائه إليهم".

6. "الناس جبلوا على حب الاطلاع على ما يدور حولهم، كما جبلوا على حب الاطلاع على أخبار الماضين، وعلى استطلاع المستقبل، ولذا كلما كان الخطيب أعرف بالأمور التي تجري في البلاد كان أقرب إلى التأثير في النفوس".

7. "على الخطيب الذي يروم الترقي والصعود أن يحتفظ دائماً بجديته في تطوير المنابر وشحنها بما هو جديد ومفيد، وقد علمنا القرآن الحكيم هذا الأسلوب، فإنه لم يكرر قصة واحدة بالرغم من الإلمام بها مرات ومرات، ففي كل مرة نجد فيها جديداً غير مذكور في المرة السابقة".

8. "إذا تمكن الخطيب من توصيف المواقف وصفاً دقيقاً بدون بتر أو تكبير أو تصغير أو مبالغة للموقف عن واقعه تمكن من التأثير الكامل في نفوس السامعين وتوجيههم إلى حيث ما يريد من التقرب إلى الله تعالى".

9. "من اللازم على الخطيب التوجه التام إلى ملاحظة تناسق المطالب بعضها مع بعض، فإذا بدأ مثلاً بذكر فضيلة من الفضائل، فاللازم أن تكون هي محور كلامه من أوله إلى آخره، لا أن يذكر في مجلس واحد كل شيء مما يدور في خلده، ويجري على لسانه، كما يطير الطائر من غصن إلى غصن، فإن ذلك يسبب تشويش ذهن السامع مما يقلل أثره".

10. "يحضر المجلس الحسيني غالباً أناس من مختلف المستويات، فهناك العالم وغير العالم، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والناضج وغير الناضج، والمتدين والضعيف الإيمان، والذي يروق له القديم والذي يروق له الجديد وهكذا، فعلى الخطيب أن يهتم غاية الاهتمام بإلقاء المَطالب المناسبة لهذه المستويات المختلفة، لئلا يسبب إبعاد الناس عن الحق عوض تقريبهم إليه، ولا لينفرهم عن الحقيقة".

11. "من الأمور اللازمة على الخطيب الإلمام بشيء من (علم النفس) ليتمكن من الوصول إلى دخائل القلوب، وإيصال الحق إلى الناس والتأثير فيهم، وإن شئت قلت، ينبغي له أن يتحرى الأقرب فالأقرب إلى التأثير، فإن الردع أو التشويق، قد يأتي بكلام دون كلام، كما قد يأتي بصب الكلام الواحد في قالب دون قالب".

12. "يلزم على الخطيب أن يحضر درس الفقهاء، فإن درس الفقه الذي يلقى بطريقة المحاضرات من أهم ما يربي الذهنية الابداعية، وإذا شك الخطيب في ضرورة ذلك، فليس عليه إلا أن ينظر إلى خطيبين أحدهما يحضر درس الفقه، والآخر لا يحضر، ليرى أي المنبرين أكثر جمالاً وتأثيراً في السامع".

13. "ينبغي إقامة مجالس تذكر فيها الأحكام الشرعية المبتلى بها الناس، وتدريس الأمور العقائدية المهمة التي تجب على كل أحد معرفتها، من قبيل أصول الإسلام وفروعه، وأصول المذهب وفروعه، وتأريخ المذهب وحياة الأئمة (عليهم السلام) وتصديهم الخالد للطواغيت، والمسائل الفقهية المبتلى بها يومياً".

14. "إن الهيئات والمجالس، والمساجد والحسينيات، مضافاً إلى اشتمالها على الثواب العظيم، وتقوية إيمان الإنسان وترسيخه، توجب تقدمه في العلم والعمل، وفي كل المجالات الحياتية، بل حتى فيما يرتبط بالصناعة والاقتصاد، لأنها تنشر ثقافة الدين الإسلامي، وهي ثقافة حية تحث الإنسان على جميع أنواع الخير، وتردعه عن جميع أنواع الشر".

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق