إسلاميات - المرجع الشيرازي

الإمام علي (ع): الحاكم المنصف والحكومة العادلة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

العدل بين الناس، واعتماد العدالة الاجتماعية كمعيار يتساوى في ضوئه الجميع، من أهم ركائز حكومة الإمام علي عليه السلام، بل هذا المبدأ القائم على العدل والمساواة هو ما أثار حفيظة الطبقة المتنفذة (القادة)، حيث أبدت اعتراضها على قرار الإمام علي باعتماد العدل والمساواة فيما يتعلق بما يحتويه بيت المال، وكيفية توزيع الموارد المالية على الناس وفق معيار العدل.

ولم تكن العدالة وحدها هدفا لسياسة الحكم في عهد الإمام عليه السلام، بل ساندتها المساواة بين المسلم وغير المسلم، فلم يكن الدين سببا في ترجيح مواطن على غيره، ولم تكن قرابة الدم مبررا لإعلاء شأن القريب على الغريب، بل لم تكن العداوة سببا في التمييز والعقاب، لدرجة أن الإمام علي عليه السلام لم يعاقب حتى من رفع السلاح ضده وألَّب الآخرين عليه.

ورافق ذلك سياسة اقتصادية حكيمة متوازنة، دفعت شبح الجوع عن دولة المسلمين بصورة مطلقة، فليس هنالك فقير واحد في عهد الإمام عليه السلام، بل هناك غرابة شديدة من ملاحظة أي علامة من علامات الفقر حتى لو تمثلت بوجود فقير واحد من غير المسلمين، أي من الأقليات التي كانت الحكومة تحرص على كرامتهم وتوفير العيش الكريم لهم.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتاب (من عبق المرجعية):

(لقد أوصل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه خلال أقلّ من خمس سنين من حكمه البلاد إلى حدّ لم يعلم وجود فقير واحد حتّى في أطرافها النائية عن العاصمة، بل حتى أنّ وجود مستعطٍ غير مسلم كان غريباً وشاذّاً).

كيف تمكنت حكومة الإمام عليه السلام من القضاء على الفقر؟، لابد هناك خطوات وإجراءات تم التخطيط لها في عقلية القائد وتم تنفيذها على الواقع، العقلية الاقتصادية العلمية، والتنفيذ الدقيق الصارم، هو من قضى على الفقر، وكانت العدالة والمساواة تدعمان السياسة الاقتصادية، بل هنالك وسيلة وقيمة أخرى تمسّك بها الإمام في تنفيذ حكمه وسياساته ونعني بها الرحمة والعفو التسامح.

هذه السياسة الاقتصادية هي بالضبط ما تحتاج له الحكومات في الدول الإسلامية، حتى يمكنها القضاء على الفقر، من خلال دراسة تجربة الحكم في عهد الإمام علي عليه السلام واستنباط السبل والأساليب وحتى الأفكار من تلك التجربة، وتطبيقها على ما يدور اليوم في البلدان ذات الحكومات الإسلامية، على أن يتم ضمان المعيشة الكريمة للجميع بمن فيهم الأقليات التي تعيش في هذه الدول.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(في مجال الاقتصاد، وضمان معيشة الأقلّيات، لم يَدع الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه أيّام حكومته فقيراً واحداً من أهل الكتاب إلاّ وضمن معيشته).

كيف نطبّق مبدأ الرحمة؟

وما كان لحكومة الإمام عليه السلام أن تنجح لو أنها أهملت إحدى الثلاث (العدالة، المساواة، الرحمة)، فهذه الثلاثية تترابط مع بعضها كالسلسلة التي تكتسب قوتها ومتانتها بسبب الترابط فيما بينها، لأن فقدان إحدى حلقات السلسلة يعني فقدان قيمة الحلقات الأخرى، وهكذا كانت العدالة فاعلة مفيدة ومنتِجة.

تساندها المساواة، وتطبيق مبدأ الرحمة في التعامل مع الجميع، لا يوجد أحد أفضل من أحد، لا قريب ولا معاون ولا والي ولا حاكم ولا مسؤول أعلى أو أدنى، الجميع يقع تحت طائلة العدالة والمساواة، والجميع مشمول بالرحمة حتى الأعداء، بهذا الأسلوب العظيم تمكن الإمام علي عليه السلام من بناء دولة عظيمة غاب عنها الفقر ووسمها العيش الرغيد، وتساوى فيها الجميع.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(لقد ساوى الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه إبّان حكومته في القضاء الإسلامي بين الحاكم الأعلى وفرد عادي من أفراد الأقلية).

هذه القيم العظيمة لا يتمسك بها إلا قائد عظيم، مثل الإمام علي عليه السلام، ولن تكون النتائج إلا بقيمة هذه القائد ومقامه وعظمته، وهي سمات متوفرة لجميع القادة بشرط قدرتهم على الارتقاء بأنفسهم وقلوبهم وعقولهم وإرادتهم إلى مرتبة القائد العظيم الذي لا تغريه السلطة ولا امتيازاتها، لهذا يقول العلماء والمصلحون والمراجع الأجلاء لساسة اليوم وقادتهم عليكم بالاستفادة من سيرة وتجربة الإمام علي عليه السلام في الحكم وإدارة شؤون الدولة والسلطة.

وحين يصل القائد إلى درجة العفو عمّن حاربه وأظهر العدوان ضده، هنا ترتقي النفس إلى أسمى مراتبها، ويصبح القائد من صنف العظماء الخالدين، فبالإضافة لعدم معاقبة الأعداء ماديا كالسجن أو التعذيب أو الضرب بأنواعه، منع قائد المسلمين إلحاق الأذى اللفظي بأعدائه، ومنع وصفهم ونعتهم بـ المنافقين، مع أنهم في مقدمة هذا النوع من البشر حيث النفاق يصلح عنوانا لهم لأنه حقيقتهم وصفتهم وعنوانهم.

كذلك أمر الإمام عليه السلام بعدم قطع (معاشات) الذين حاربوه في سوح القتال، وأظهروا كل أنواع المعاداة ضده، لكن القائد الرحيم العادل الذي يدعم رحمته وعدالته بمبدأ المساواة بين الجميع، أكبر من إذلال الناس حتى لو كانوا من أعدائه، وأكثر رفعةً من أن يتعامل معهم بأسلوبهم البائس، فأجرى لهم العطاء كأنهم ليسوا من أعدائه، ورفض أن يسميهم أحد بالمنافقين مع أنهم كذلك بالفعل والقول.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(لم يأذن الإمام أمير المؤمنين عليّ سلام الله عليه أيام حكومته بقطع عطاء محاربيه بعد هزيمتهم في ساحة القتال، بل نهى صلوات الله عليه من أن يسمّيهم أحد آنذاك بالمنافقين، مع أنهم كانوا من أظهر مصاديق المنافقين).

رمز العدالة والمساواة والرحمة

وحين يصل القائد إلى مرتبة الرحمة والعفو عن أعدائه، فإنه من باب أولى سوف يكون رحيما مع جميع مواطنيه، وهذا ما ينتظره المسلمون - بمن فيهم العراقيون- من حكوماتهم وحكامهم وساستهم في الدول الإسلامية والعربية ومنها العراق، فالحاكم الذي يتعامل بمبدأ الرحمة المدعومة بالعدل والمساواة، حتما سوف يكون قائدا لحكومة منصفة عادلة تساوي بين المواطنين وتضمن لهم حياةً كريمة.

يتبين هذا النوع من المسؤولية حين يرتقى شعور الحاكم إلى المرتبة التي كان يتحلى بها الإمام علي عليه السلام تجاه حتى أعدائه، لذلك كلما كان الحاكم رحيما، كان أكثر قربا من نشر العدالة بين الناس، وأكثر إرادة لنشر المساواة فيما بينهم، بعيدا عن التميز العائلي أو الحزبي أو العشائري أو المناطقي.

هكذا كان الإمام عليه السلام رحيما بمن هزمهم في الحرب، عادلا معهم، مساويا فيما بينهم، وحين يصل الحاكم هذه المرتبة العظيمة، فإنه سوف يكون قادرا على بناء دولة عظيمة، وهذا ما حدث بالفعل، فحين نستعيد تاريخ إدارة الدولة وسياسة الإمام علي عليه السلام، فإننا سنحصل على دروس التعامل المترفّع عن التوافه.

فمن يكون قادرا على العفو عمّن حملوا السلاح ضده وحاربوه بكا ما أوتوا من قوة، فإنه سوف يكون قادرا على ضمان العيش الرغيد العادل الكريم المرفّه لكل المواطنين، فيكون المجتمع ذا علاقات اجتماعية رصين، تضمنها قيم لإنسانية يستمدها الشعب من قائده، وهذا ما نحتاج إليه اليوم في العراق وسواه من الدول العربية والإسلامية، نحن باختصار نحتاج إلى قادة رحماء عادلين مؤمنين بمبدأ المساواة لفظا وتطبيقا.

سماحة المرجع الشيرازي يقول:

(من عدل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه ورحمته أنه وبعد ما أن وضعت الحرب أوزارها في (الجمل) و(صفين) و(النهروان) لم يعاقب مثيري الفتنة، ومشعلي نار الحرب، مع انتصاره عليهم، وتمكّنه من رقابهم).

ونحن نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام، علينا كقادة ومسؤولين، أن نقرأ ونفهم ونؤمن ونسترشد بتجربة الإمام عليه السلام في الحكم، فهي تجربة غنية أثمرت نتائج دبّجها التاريخ بحروف من ذهب، وليس أمام قادتنا إلا الاسترشاد بها للأخذ بيد الأمة نحو المعالي في ضوئها وهدْيِها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2