النقد بتعريفه اللغوي هو تفحص الشيء والحكم عليه وتمييز الجيد من الرديء، ويعرف بانه التعبير او المنطوق من متخصص يسمى (الناقد) عن سلبيات وايجابيات افعال او ابداعات او قرارات يتخذها الانسان او مجموعة من البشر في مختلف المجالات من وجهة نظر الناقد.[1] كما يذكر مكامن القوة ومكامن الضعف فيها، وقد يقترح احيانا الحلول المناسبة لها، وقد يكون النقد في مجال الادب والسياسة والسينما والمسرح وفي مختلف المجالات الاخرى، وقد يكون النقد مكتوبا في وثائق داخلية او منشورا في الصحف او ضمن خطب سياسية او لقاءات تلفزيونية واذاعية.[2] وكذلك يمكن تعريف النقد ايضا بانه عملية كشف للنصوص، اي تبيين قيمها الفنية من حيث الجودة او الرداءة وذلك من خلال تحليل اجزائها وتفسيرها والحكم عليها، وهذا يعني ان عملية الكشف تتضمن ثلاثة عناصر هي:-

1- التحليل:- كما لو قمنا بتفكيك النص مثلا الى اجزاء مختلفة تتصل بعناصرها من فكر وانفعال وصورة وايقاع وتخيل الخ، او تفكيك الصورة وتحديد اطرافها، او تفكيك ايقاعها من فرز لعناصر التفعيلة مثلا الى التجانس الصوتي للعبارة الى الجرس الخاص بها كل ذلك يجسد عنصر التحليل لمركبات القصيدة.

2- التفسير:- وهو تبيين او شرح او القاء الانارة على الاجزاء المحللة المشار اليها، كما لو قمنا بعملية فك لرموزها وصورها الغامضة مثلا.

3- الحكم: وهو القاء وجهة نظرنا الايجابية او السلبية على النص ومشروعة بعنصر التعليل للحكم المذكور اي: تقديم الاسباب الفنية الكامنة وراء حكمنا على النص[3]، والجدير بالملاحظة ان هناك اتجاها يكتفي من عملية النقد بعنصري التحليل والتفسير دون ان يعنى بعنصر الحكم، مستندا في ذلك الى وجهة النظر الذاهبة الى ان المتلقي ينبغي ان يساهم في عملية الكشف للنص لا ان نحصر الكشف في نشاط الناقد وحده، وذلك لجملة من الاعتبارات، منها: ان مساهمة المتلقي في عملية الكشف سوف يزيد من امتاعه لتذوق النص ويثري تجربته في عملية التذوق بدلا من ان نقدم له وصفة جاهزة تحتجزه من ممارسة الابداع، وهذا يعني ان المتلقي يقوم بعملية فنية مكملة لمهمة الناقد، ومنها: ان للمتلقي وجهة نظره الخاصة في عملية التذوق معا يتنافى مع الحكم الذي يطلقه الناقد على النص، وهو امر يجعل كون النقد منحصرا في عمليتي التحليل والتفسير دون الحكم له مسوغاته في هذا الميدان مادامت معايير الفن وقوانينه نسبية وليست مطلقة.

ومنها:-

ان الاعمال الفنية خاصة الاعمال الخالدة لكبار الفنانين لا حاجة لإصدار الحكم عليها ما دامت مستوفية لشرائط الفن، ومنها: ان عمليتي التحليل والتفسير ذاتها تكشفان عن قيمة النص دون الحاجة لإصدار الحكم.. وفي تصورنا، ان الركون الى التقويم او التفسير والتحليل يظل محكوما بطبيعة الموقف فقد يستدعى السياق مجرد عملية وضعية للنص، وقد يتطلب الموقف احكاما عليه، الا ان عملية الحكم بنحو عام تظل هي المهمة الرئيسية للنقد مادمنا – اسلاميا – مطالبين بنصح الاخرين وارشادهم حيث يفيد صاحب النص من الملاحظات النقدية على نتاجه، كما يفيد الفنانون الاخرون من الملاحظات المذكورة، فضلا عما يفيده (المتلقي – القارئ) من ذلك ايضا.

وان عملية الكشف للنص تقترن بجملة من المبادئ منها: مايثيره النقاد حيال عمليات التفسير او التحليل او الحكم من حيث تناولها للنص وشطره الى شكل ومضمون فيما يذهب النقاد الجماليون: خاصة، وهم النقاد الذين يعنون بالفن من حيث كونه تعبيرا جميلا فحسب بغض النظر عن دلالته الى صعوبة عزل الشكل عن دلالة النص، حيث يترتب على مثل هذا الاتجاه غياب المضمون الفكري اساسا وهو ما يتنافى مع العناية الاسلامية بالمضمون.

والناقد الاسلامي بمقدوره ان يتجاوز هذا المبدأ المفتعل ويتجه الى عزل النص عن مضمونه دون ان يترتب على ذلك تضييع لقيمة النص.

صحيح ان الامتاع الفني لايتحقق الا من خلال وحدة العمل الادبي وهو امر يؤكد الالتزام الاسلامي كما سبقت الاشارة الى ذلك، الا ان ذلك لايحتجر الناقد من فك الوحدة او المركب وارجاعه الى الاجزاء التي انتظمت فيه، بل يمكن القول الى ان الفارق بين العمل الفني وبين دراسته هو: قيام العمل الفني على شكل تركيبي وقيام الدراسة على شكل تحليلي، اي ان تحليل المركبات هو الوظيفة الرئيسية لعملية النقد.

من هنا فان حساب المهمة النقدية نفس المهمة يظل امرا مضادا تماما لطبيعة العمل النقدية، ويترتب على المبدأ المذكور مبدأ اخر يتمثل في ذهاب النقاد الجماليين الى ضرورة تناول النص من خلال الوحدة المشار اليها دون التناول الجزئي لها، فاذا افترضنا ان النص مثلا يتركب من تخيل وعاطفة وايقاع: حينئذ يظل من الممتنع تناول الجزيئات المذكورة منفصلة عن الشكل الكلي لها: في نظر الاتجاه الجمالي في النقد، وهنا نكرر نفس الكلام السابق ان وظيفة الناقد هي تفكيك المركب وتناول جزيئاته منفصلة عنه حينا، او وصلها من جديد بالمركب المذكور حسب ما يتطلبه الموقف [4]

ان بعض المواقف تتطلب رصد افكار جزئية من النص: كما لو حاولنا – على سبيل المثال – ان ننتزع من السورة القرآنية (وهي اساسا تقوم على هيكل معماري محكم) العنصر القصصي او الصوري او الايقاعي او الفكري (ظاهرة الجهاد، الانفاق، الخ): حينئذ فان التناول الجزئي المذكور قد يفرض ضرورته: كما لو استهدفنا الحديث عن الجهاد او الانفاق مثلا: حيث تفرض المهمة العبادية على الناقد ان يعنى بهذا الجانب السياسي او الاقتصادي من النص: لكن دون ان يحتجزه ذلك من التناول الفني للظاهرة كما لو وصل بين احدى الصور الفنية للانفاق ذاته، ويكون الناقد – بهذا التناول الجزئي – قد حقق مهمته العبادية من خلال اللغة الفنية التي توفر عليها: كما هو الامر في المثال السابق، وقد يستدعي الموقف ابراز الظاهرة الاعجازية للقران الكريم مثلا، حينئذ بمقدروه ان يتحدث عن السورة كاملة من حيث كونها عمارة محكمة تتلاحم اجزاؤها بعضا مع الاخر.

اذاً في الحالات جميعا تظل تجزئة النص او وحدته محكومة بمتطلبات الموقف العبادي للناقد دون ان يترتب على ذلك اي اخلال بمهمته الفنية ايضا وبالنحو الذي تقدم الحديث [5] وبهذا يكون النقد البناء حول فكرة موضوعية يمكن قياسها وملاحظتها، ويسعى الناقد من خلاله الى تحسين او بناء الفكرة.

الاسلوب النقدي والسياق الثقافي

وهذا ما اكده سماحة المرجع الامام اية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (دام ضله) في كتابه العلم النافع سبيل النجاة من خلال محاضراته القيمة والتي يرى فيها أن بعض الاشخاص يستاء لو وجه نقد لعمله او انتاجه، وكما لو نبه على وجود اخطاء في كتابه او امور غير سائغة في خطاباته، وبعض اخر وان كان يتقبل النقد الا انه لا يأخذ به في تنمية قدراته، وهناك طائفة ثالثة تطالب الاخرين بالنقد وترحب به من اجل تطوير عملها. [6] والنقد البنّاء عموما هو عملية تقديم اراء صحيحة ووجيهة حول عمل الاخرين، والتي تنطوي عادة على تعليقات ايجابية وسلبية ولكن بطريقة ودية وليس بطريقة فيها عناد، وفي الاعمال التعاونية غالبا ما يكون هذا النوع من النقد اداة قيّمة للارتقاء بمعايير الاداء والمحافظة عليها، وبسبب الافراط في استخدام النقد السلبي الذي ينطوي على تذمر، اصبح بعض الاشخاص دفاعيين حتى عند تلقيهم نقدا بنّاءا تم توجيهه بحسن النية، ومن المرجح ان يكون النقد البناء مقبولا اذا انصب تركيز النقد على عمل او سلوك الشخص الخاضع للنقد، وهذا يعني يجب تجنب القضايا الشخصية قدر الامكان، ويمكن ان يساعد التفكير النقدي في تحديد القضايا ذات الصلة للتركيز عليها.

وان اعتماد الاسلوب النقدي الاكثر فاعلية يجب ان تتم تقويته عن طريق السياق الثقافي وشخصية الشخص المتلقي للنقد وطبيعة العلاقة بين الناقد والمنتقد، ولتقييم الموقف، ويتعين على المرء طرح موقف ادراكي سلمي وليس نقدي هجومي ويمكن ان تكون مهارات حل النزاعات مفيدة، وكمتلق للنقد، ويمكن للمرء الاستفادة عن طريق التركيز على العناصر البناءة للنقد وعن طريق نسب تفسيرات خيرية لأولئك الذين يستخدمون لغة قوية، وباعتماد موقف مفتوح تجاه النقد، يمكن للمرء تحقيق قد اكبر من التنمية الشخصية والمساعدات في كشف النقاط العمياء. [7]

وعلى وفق ذلك يرى سماحة السيد (دام ظله) مستشهدا بمثل، حيث ينقل ان الشيخ محمد حسن النجفي (المتوفى 1266 هـ) صاحب كتاب الجواهر كان يطلب من تلاميذه ان يذكروا له كل نقد او اشكال يأتي الى اذهانهم على المادة التي يلقيها عليهم في درس الخارج يوميا، ولهذا كانت دروسه تتميز بالفاعلية والنشاط، فكان من طلابه من يناقش في سند الراوية التي ذكرها استاذه، واخر يستفسر عن صحة اللفظ، وثالث يعترض على مداليله، ورابع يشكك في الاجماع المدعى مثلا، وبهذا الاسلوب كان الشيخ الاستاذ يجمع علوم الطلبة الى علمه، وفي احد الايام لاحظ ان احدا من طلابه لم يستشكل في الدرس الذي القاه، فتعجب وقال لهم: لم اسمع اليوم من وجّه اشكالا او نحوه، فهل كان ماذكرناه اليوم وحيا منزلا ام ماذا؟! [8] فاجابه بعض الطلاب: كلا لم نطالع الدرس ونحضر له امس بسبب ارتفاع درجة الحرارة وكثرة الهوام والحشرات، لذا لاعلم لنا بمدى ثبوت ماذكرت اليوم [9] لم تكن كل الاشكالات التي توجه لصاحب الجواهر صحيحة، لكن حتى لو كان بعضها – مهما قل – صحيحا، فانه لايخلو من فائدة للشيخ.. اذاً حري بالانسان ان يسمع للآخرين في نقده، ولاشك انه يوجب استفادته من وجهات النظر الصحيحة المطروحة عليه، وذلك من خلال تنمية قدراته والتقدم في اعماله.[10]

لغة النقد البناء

والان، بعد ان الممنا عابرا بطبيعة النقد البناء وقضاياه، يحسن بنا ان نعرض لـ (لغة النقد البناء) من حيث التصور لهذا الجانب.

ان عملية النقد بنحو عام، وجدت لها نماذج شرعية لدى المعصومين عليهم السلام، فالنبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام طالما ثمنوا صاحب النص الادبي واغدقوا عليهم الهدايا، تعبيرا عن الحكم على نتاجهم اي: الحكم بالجودة على ذلك، مما يعين ان نقد النص من خلال اظهار محاسنه هو عناصر التقويم الثلاثة: (اظهار المحاسن، اظهار المساوئ والوقوف عند التحليل والتفسير فحسب)، ويظل امرا مشروعا، بل يمكن القول بانه يظل امرا مندوبا، طالما يقود التقويم الايجابي الى تشجيع الفنان (الكاتب) لمواصلة المزيد من العطاء.

وكما ان التقويم السلبي (اظهار المساوئ) وجد له نماذج شرعية ايضا، حيث ان المعصومين عليهم السلام كانوا يقترحون على كاتب النص ان يستبدل شيئاً باخر او يطالبونه احيانا بالقاء وكتابة الموضوعات الهادفة فحسب، وامثلة هذه الاقتراحات تفصح عن ملاحظة النص من حيث جوانبه السلبية يظل امرا له مشروعيته ايضا، خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان ملاحظة الجانب السلبي والتنبيه عليه في مطلق السلوك يظل في الصميم من توصيات المشروع الاسلامي الذي يطالبنا جميعا بنصح الاخرين وتنبيههم على اخطائهم حيث يدخل العمل الفني ضمن مفردات السلوك العام ايضا [11] وبهذا يرى ايضا سماحة المرجع السيد الشيرازي (دام ظله) انه قد ينجح الانسان في غش من لم يعرف نواياه وما يدور في ذهنه، ولكن هيهات ان يغش من يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور، واذا كنا نتعامل فيما بيننا حسب قناعتنا الشخصية فلا نساوي بين من يخلص الينا ومن يغشنا، فلماذا نعترض على الله تعالى ان يعاملنا كذلك؟! فمثلا: لو اقسم لك شخص قائلا: اني مخلص لك، ولكنك لم تكن مقتنعا بصدقه، لما ترى من سلوكه او ما خبرته من نواياه، فهل ستعامله معاملة من تعتقد اخلاصه؟ كلا بالطبع، بل ربما تتظاهر معه وتجامله وتعامله بالمثل، ولكنك في اللحظات المصيرية والمواقف الحساسة سوف تعامله حسب قناعتك، فان كنت شاكا به، فانك لا تودعه اسرارك، ولو سألك عن السبب، فتحول مجرى الكلام، وقد تخبره انك لاتثق به [12] فاذا كانت هذه موازيننا في تعامل بعضنا مع بعض ونرى انها حق، فلما نعترض على الله في الحق نفسه، ونتوقع ان يعاملنا معاملة المخلصين، ونحن لم نخلص له في نوايانا؟! لاشك ان الله سبحانه لايساوي بين المخلص وغيره، فهل يحق ان يستوي عند سبحانه من يعمل وهدفه منافع دنيوية – اعم من ان تكون مالا او شهرة وسمعة او شيئا اخر – ومن يكون عمله خالصا لله وحده، ولا يفكر في سواه؟ [13]

وقد يسأل: اذا كان العلم نورا – كما ورد في الاحاديث [14] - فماذا لا يقذفه الله في قلوب العباد كافة، مع ان الله سبحانه وتعالى لا تزيده كثرة العطاء الا جودا وكرما، ويداه مبسوطتان؟ ايا منا اذا انفق، نقص منه شيء لامحالة، حتى لو انه بذل نصف ساعة من الوقت في تدريس او محاضرة فان ذلك يعني نقصان نصف ساعة من عمره، وكذا لو اعطى مالا مهما قل فانه يعني نقصان امواله بذلك المقدار، اما الله سبحانه وتعالى فلا ينقص من ملكه شيء مهما اعطى، اذا لماذا لايقذف نور العلم في قلوب كل عباده؟ الجواب: لان (الناقد بصير)، [15] اي الذي يتولى النقد يميز بين المخلص وغيره، فيعطي من يخلص له مالا يعطي غيره، فكيف نغفل عن هذه الحقائق ونتصور اننا نخلص عندما نتظاهر بان اعمالنا لله، مع اننا نخدع انفسنا في الواقع ولم نعمل لله؟! وهذا الامر يصدق على الناقد ايضا، اذا لا غبار على عملية النقد اساسا من حيث الحكم على النص بالجودة او الرداءة، كل ما في الامر ان لغة النقد كما اشرنا ينبغي ان تحكمها الموضوعية من جانب وان تتسم بالبعد الاخلاقي من جانب اخر، بمعنى ان التعامل بالحسنى في حالة النقد السلبي يظل غير منفصل عن السلوك العام الذي يطالبنا المشرع الاسلامي بالصدور عنه، ولعل التوصيات الاسلامية المطالبة بمفهومات من نحو: (العدل) (قول الحق) (الانصاف)... مما تشكل جوهر السلوك السوي: تظل منسحبة على العمل النقدي أيضا.

بل يمكننا ان نستخلص هذه الحقيقة بوضوح حينما نقف على توصيات خاصة في هذا الميدان او حينما نقف على نماذج في النقد من ذلك مثلا: ما ورد عن النبي صلى الله عليه واله وسلم من انه لو احتكم طفلان مثلا الى احد الاشخاص حيال افضلهما خطا او كتابة، كان من الضروري على الشخص ان يحكم بـ (العدل) حيال هذه القضية، فاذا كان مجرد الخط او الكتابة لطفلين (وهو عمل عادي) يتطلب في التوصيات الاسلامية (موضوعية) في الحكم، حينئذ فان (الموضوعية – الحياد) في اصدار الحكم على العمل الفني تفرض ضرورتها – دون ادنى شك – على الكاتب الاسلامي، والاستشهاد بالنموذج المعروف الذي اصدره الامام علي عليه السلام حيال احد شعراء الجاهلية، حينما حكم عليه السلام بجودة نتاجه من حيث الاداة الفنية مع انه عليه السلام وسم النتاج المذكور او وسم صاحبه بالطابع الانحرافي (الضلال)، وهو امر يكشف عن (الموضوعية) في ارفع مستوياتها، مما يعني ان طابع النقد البناء (الموضوعية) في النقد، هذا كله فيما يتصل بالبعد الموضوعي في النقد [16]، اما ما يتصل بالبعد (الاخلاقي) منه، فان النقد – وفق التصور الاسلامي له ينبغي ان يتسم بنفس لغة التعامل الاجتماعي مع الاخرين من حيث الالتزام بالآداب العامة من عمليات الارشاد او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لا فارق بين لغة منطوقة ولغة مكتوبة بين لغة تتناول السلوك الفردي والاجتماعي ولغة تتناول السلوك الفني.

ان كلا من عمليتي التجريح والفضح اللذان نألفهما في النقد الارضي ينبغي ان يتنزه الناقد صاحب النقد البنّاء عنها، صحيح ان ابرز المساوئ الفنية في النص تفضي الى عملية فضح لصاحب النص، الا ان هذا الاخير ينبغي ان يتقبل ذلك برحابة صدر مادام النص الادبي ملكا للآخرين وليس لكاتبه فحسب، وهو ما يفترق تماما عن السلوك الشخصي فيما يتعين ارشاد الشخص مبادرة دون فضحه امام الاخرين، وهذا يعني ان هناك فارقا بين نقد السلوك الفردي وبين نقد نتاجه الفني، وهو امر يتعين التشديد عليه في هذا الجانب، كما يترتب عليه جانب اخر يظل في غاية الاهمية بالنسبة للناقد صاحب النقد البناء فالناقد نفسه من الممكن ان تطبعه نفس السمات السلبية التي خلعها على كاتب النص، بل ان التشهير نفسه يجسد نزعة عدوانية تفصح عن شذوذ صاحبه، وحينئذ ما فائدة ان يشخص الناقد حالة مرضية تطبع شخصه بمثل ما تطبع شخصية كاتب النص.

ان امثلة هذا النقد دفعت الكثير من رواده الى الوقوع في احكام لاتقف عند مجرد التشهير او الفضح لعيوب خفية بل تجاوزت ذلك الى محاولة افتعال التهم والصاقها بكاتب النص من نحو ما نلحظه من تفسيرات تتحدث عن كاتب للنص أخضعوا نتاجهم لتقاليد فنية لاعلاقة لها بسلوكهم الشخصي، او لوحظ انهم –في السلوك الشخصي– قد طبعهم بعض الشذوذ، فالتمسوا لنتاجهم تفسيرات متعسفة في ضوء وقوفهم على الشذوذ المذكور، فضلا عن محاولتهم تفسير ما هو ايجابي عند بعض الفنانين بانه عملية تعويض لغسل او قناع لنزعة عدوانية، او تصعيد لرغبة جنسية.... الخ هذا النقد يظل غير متوافق اساسا مع الاتجاه النقدي البناء الذي لايصدر الحكم الا بعد اليقين بوجود الصلة بين نتاج الكاتب وشخصيته، وحتى بعد يقينه بذلك، لايحق له – كما قلنا – فضح الشخصية بل يجب أن يتستر عليها كما هو صريح التوصيات الاسلامية المطالبة بذلك وبعدم الجهر بالسوء مادام الامر غير مرتبط بالجانب الفني من النتاج، بل بالجانب الشخصي الصرف، لكن نستثني من ذلك – بطبيعة الحال – النماذج المنحرفة التي تجهر بممارسة الرذيلة او النماذج المنحرفة التي تتقنع بما هو ايجابي من السلوك بغية تمرير نزعتها الشريرة على الاخرين: حيث يتطلب مثل هذا الموقف عملية فضح وادانة للنماذج المشار اليها [17]

واخيرا: يظل الفعل النقدي على اختلاف مفاهيمه وتعدد زوايا نظر المعاينة واليات اشتغاله، البوصلة التي لا غنى للإبداع عنها، والجناح الذي لاسبيل الى تحقيق فعل تحليق ناجح حقيقي بدونه واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

..............................................
[1] ينظر:- تاريخ النقد الادبي عند العرب: 12-13.
[2] ينظر:- مقاربات نقدية: 52.
[3] ينظر:- الاسلام والفن: 61.
[4] ينظر: الاسلام والفن: 62.
[5] ينظر: الاسلام والفن: 62 – 63.
[6] العلم النافع سبيل النجاة:- 80
[7] ينظر: الاسلام والفن: 62.
[8] العلم النافع: 80.
[9] المصدر نفسه: 80
[10] المصدر نفسه: 80
[11] ينظر:- الاسلام والفن: 63.
[12] العلم النافع: 41 – 42.
[13] ينظر: مصباح المتهجد: 16، وينظر: خلاصة عبقات الانوار: 1/14
[14] ينظر: الاختصاص: 341.
[15] العلم النافع: 42
[16] ينظر الاسلام والفن: 64.
[17] ينظر:- الاسلام والفن: 65.
...............................
المصادر والمراجع
1- الاختصاص: لابي عبد الله محمد بن النعمان العكبري المفيد، (ت 413 هـ)، جماعة المدرسين، قم – ايران، د- ت.
2- الاسلام والفن: محمود البستاني، مجمع البحوث الاسلامية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان، ط1، 1413 هـ - 1992 م.
3- تاريخ النقد الادبي عند العرب: طه احمد ابراهيم، منشورات دار الحكمة، دمشق - سوريا، د-ت
4- خلاصة عبقات الانوار: السيد حامد الحسيني النقوي (ت1306 هـ)، مؤسسة البعثة، قم – ايران، د-ت.
5- العلم النافع – سبيل النجاة: اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، مؤسسة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله الثقافية، ط2، 1429 هـ.
6- مصباح المتهجد: لابي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (ت460هـ)، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت – لبنان، د-ت.
7- مقاربات نقدية في الثقافة والتراث: صالح هويدي، الموسوعة الثقافية، بغداد – العراق، ط1، 2013 م.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0