إسلاميات - المرجع الشيرازي

الضمير الحيّ يخطِّطُ لمستقبل الإسلام

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

لكل إنسان نموذج يتأثر به ويتعلم منه، ولكل أمة أعمدة فكرية وثقافية ودينية تستند عليها، لتبني حاضرها في ضوء الوهج الفكري المتوقد للنموذج، ثم تجعل من الحاضر قاعدة انطلاق نحو مستقبل مشرق ومضمون، وبهذا فإن تطوّر الفرد وتنوير الأمة يعتمد على النموذج الأرقى الذي يُستنَد عليه، ولكن هناك اشتراط في غاية الأهمية يكمن في مدى استعداد الفرد والأمة السير على خطى نماذجها المنيرة.

المسلمون ومنهم العراقيون من هم النماذج التي يهتدون بها ويسيرون على خطّها الفكري العقائدي والمبدئي، إنهم أئمتنا المعصومين عليهم السلام، هم الذين نسير على خطاهم المبدئية والفكرية، لكي نضمن سلامة النهج السلطوي في إدارة الدولة وشؤون الناس المختلفة، بماذا يتحلّى الإمام المعصوم النموذج؟ ولنأخذ من الإمام الكاظم عليه السلام مثالا نهتدي به ونناقش سيرته النضالية التي عرَّت زيف سلطة هارون ووقفت بالضد من ظلمه ورعونته، فكانت النتيجة السجن الانفرادي طوال ثلاثين عاما.

مع أن السلطة الهارونية الفاحشة كانت على استعداد لشراء الضمير الحي للإمام الكاظم عليه السلام بأكبر الأثمان والمغريات، لكن الضمير المنحدر من السلالة النبوية أبى أن ينصاع للترغيب الهاروني ومغرياته، وفضَّل السجن الرهيب للحفاظ على نظافة الضمير والمبدأ والموقف، لهذا يجب علينا كعراقيين ومسلمين أن نطلع على سيرة الضمير الحيّ لإمامنا كي نستلهم منه السيرة النظيفة، بعيدا عن التلوّث بالمواقف الكاذبة المحابية للفساد أو أموال السحت.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتاب (من عبق المرجعية):

(يجب علينا معرفة سيرة الإمام المعصوم سلام الله عليه لنهتدي بها ونقتدي به سلام الله عليه، فليس مثل الأئمة سلام الله عليهم كمثل اثني عشر مصباحاً متماثلة بل مثلهم مصباح واحد).

فضائل أئمة الدوحة المحمدية

حين يحوز الإنسان على الضمير الحي تتكوّن لديه حصانة ضد الأخطاء الكبيرة والصغيرة، كما أن الإنسان من هذا النوع ينتسب إلى الارتقاء والنقاء والطيبة وسلامة السرائر وقوة الشكيمة، وهذا ما نلاحظه في شخصية الإمام الكاظم عليه السلام، حامل الروح التي تسمو فوق أرواح الجميع بنقائها وأصالتها وشجاعتها وزهدها بمغريات السلطة أو سواها.

إن الضمير الحي لكاظم الغيظ عليه السلام، هو الذي سما به إلى الأعالي، وجعل من عاطفته الإنسانية الجياشة تتفوّق على الجميع حتى لو كانت تحمل أكمل العقول، وطالما أن إمامنا هو قدوتنا ومثالنا، فيجب أن نتمسك بالضمير الحي في جميع المواقف، وأن نكون في مأمنٍ من السقوط في فخ مناصرة الظلم السلطوي على حساب خيانة الضمير والأمانة، ينطبق هذا على الفرد المسؤول والإنسان العادي أيضا.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(لا شكّ أن الإمام المعصوم سلام الله عليه أرقى وأعقل خلق الله، وله روح عالية تعلو على جميع المخلوقات، لكن له قلباً يطفح بعاطفة تسمو على عواطف جميع البشر وإن كانت معقودة بأكمل العقول).

ولأن أئمتنا المعصومين عليهم السلام، نهلوا فكرهم ومبادئهم وسلوكهم من جدهم الرسول محمد صلى الله عليه وآله، فكانوا الأكثر علماً وحُلماً وفضيلة وتقوى، وعدلا وعصمةَ، ولأننا كبشر عاديين ونتخذ منهم نماذج نهتدي بها، فعلينا أن نركز بقوة على نقاء الضمير وسلامته وعدم التفريط به مهما كانت المغريات أو الفوائد التي يمكن أن نجنيها من خيانة الضمير.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن ما يحدث اليوم في البلدان الإسلامية والعربية على مستوى الحاكم والمحكوم من تجاوزات وانتهاكات وأوبئة فساد تجتاح المؤسسات الحكومية وغيرها، ما هو إلا نتيجة لخيانة الضمير، وفقدانه وضعفه تجاه مغنمة ما أو مصلحة مادية أو منصب ما، يحدث هذا لأن بعض المسؤولين ما عادوا مهتمين بما تمليه عليهم ضمائرهم من حدود، فتجاوزوا تلك الحدود وأمعنوا بالانحدار في مسالك خاطئة ما كان لهم أن يسقطوا فيها لو أنهم امتثلوا لضمائر حيّة تأبى المحاباة والمجاراة على حساب الحق والحقوق المنتهكة للناس، لذلك علينا أن نرتقي بضمائرنا وملَكاتنا وأخلاقنا إلى المستوى الذي كان عليه إمامنا المعصوم عليه السلام.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول حول هذا الجانب:

(كان الأئمة سلام الله عليهم كرسول الله صلى الله عليه وآله في العلم والحلم، والفضيلة والتقوى، والعدل والعصمة، وحسن الخلق وكرم السجية، وسائر الصفات الحميدة).

المنهاج الوحيد لسعادة المسلمين

إن الإنسان الذي يتحلّى بضمير حي سوف يتمسك بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه، وسوف يكون أهلا للتفكير والسلوك السليم، لاسيما من يتصدى لمسؤوليات تؤثر على عموم أفراد الأمة، فالحاكم ومعاونوه من الطبقة السياسة حين يحملون ضمائر حية لا يمكن أن تزلّ بهم أقدامهم إلى فخاخ السلب والاختلاس والفساد، إنهم يكونوا محصنين بضمائرهم، لهذا على المسؤول أن يقرأ سيرة الإمام الكاظم عليه السلام بدقة وتروٍ وتمعّنٍ شديد، خصوصا مواجهته للبطش الهاروني، وإلقائه في زنزاتة السجن الانفرادي ثلاثة عقود.

مع ذلك هذا السجن الشديد، وهذه الحرب السلطوية الظلمة لم تمنع الإمام عليه السلام من التخطيط لمستقبل الإسلام والمسلمين حتى وهو مكبّل بين جدران الزنزانة الأربع، لأن الضمير الحي لم يكتفِ من التطلعات ولم يقنط بسبب السجن المعتم، بل تفتّحت آفاق مضيئة أمام الضمير الحي الذي مهّد لصاحبه (عليه السلام) كي يخطط بعلميته ودقته وسعة معارفه واستشرافه لمستقبل أفضل للمسلمين، ومع سجال التخطيط والاستبسال في وضع اللمسات المستقبلية الباهرة للمسلمين، والانتهاء من تثبيتها، استشهد الإمام الكاظم بضمير مرتاح أدّى ما عليه من مسؤوليات حفظها التاريخ الإسلامي في حروفٍ من نور.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(الإمام المعصوم موسي بن جعفر الكاظم صلوات الله عليه وعلي آبائه وأبنائه الطاهرين, خطّط لمسقبل تاريخ الإسلام وهو في السجن قُبيل استشهاده).

وكان عليه السلام يحذر من الخيانة في كل أنواعها وصورها، وخصوصا خيانة الضمير، والركون إلى ظلم السلطة، أو ظلم النفس التي لا يستطيع صاحبها لجمها والسيطرة على شهواتها ورغباتها، كذلك حذر عليه السلام من الذين يخونون ربهم ودينهم ونبيهم وأمانتهم، وهذه هي محصلة خيانة الإنسان لضميره، فهو بعد ذلك يكون مستعدا لخيانة الجميع، لذلك نصل في الخلاصة إلى أن الضمير الحي يصنع الإنسان الملتزم إزاء نفسه وربه ودينه ومسؤولياته، ومن لا يمتلك ضميرا حيّاً فإن يخسر الجميع ويرتكب جميع الموبقات والمحرّمات المادية وحتى الفكرية منها.

سماحة المرجع الشيرازي يقول:

(كتب - الإمام الكاظم عليه السلام- إلى بعض أصحابه كتاباً جاء فيه: "لا تأخذنّ معالم دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم". وهذا هو منهاج القرآن الكريم ومنهاج الرسول الأعظم صلي الله عليه وآله الذي توارثه عنه عِترته الطاهرون عليهم السلام, وهو المنهاج الوحيد لسعادة المسلمين جميعاً في الدنيا والآخرة).

إذاً نحن كعراقيين وبقية المسلمين نقف اليوم وجها لوجه أمام مهمة حيازة الضمير الحي، فهو غاية ووسيلة في نفس الوقت، ومن يحصل على ذلك سوف يكون كاملا مكتملا ويؤدي دوره في الحياة على أكمل وجه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1