من الحقول الإدارية الحديثة، حقل إدارة الأزمات، وهذا الحقل في تطور مستمر في السنوات الأخيرة، نظراً لكثرة الأزمات التي تفرض نفسها على المنظمات والمؤسسات على اختلاف أنواعها، من منظمات خاصة وعامة، حكومية ودولية وغيرها.

ويعدّ هذا الحقل كباقي الحقول في العلوم الأخرى، فهو لم يكتمل بعد لأن العلم في تطور مستمر، ويبحث دائما عن الجديد ومع ورود كل هذا الكم الهائل من التطور، بالتأكيد هناك أزمات تصيب المجتمع والمنظمات، لذلك لا يزال الدارسون المختصون يبحثون عن استراتيجيات وتكتيكات لتطوير هذا الحقل وجعله علماً باستطاعته القضاء على الأزمات، ومواجهة المشاكل المتعددة.

وبما أن الأزمات لا يمكن تجنبها، لأنها في كثير من الأحيان تحدث بصورة غير متوقعة ودون تحذيرات، على المنظمات أن يتعلموا كيفية المواجهة مع هذه الأزمات والخروج منها بسلام، وهناك من يلقي باللوم على الآخرين أو على الأحداث والظروف، وهناك من يدخل إلى ساحة العمل ليجد الحل المناسب للخروج من هذه الأزمات، والتعامل المناسب معها.

من هنا على المنظمات والمؤسسات الفاعلة في الدولة، أن تمارس عملية التخطيط لأجل عدم الخوض في هذه المشاكل أولا، ومن ثم تجنب عواقب الأزمة وكيفية الخروج منها بأقل الأضرار، وعليها أن تفكر بنفسها وبباقي أجزاء المنظمة أيضاً، كي لا تنعكس الأزمات على باقي أجزاء المنظمة، وبالتالي قد تفقد القدرة على القيام بمهامها ووظائفها كما يجب.

لذا يعد التخطيط جوهر إدارة الأزمات لما له من أهمية في تجنب المشاكل، وكيفية التعامل معها والقضاء عليها وذلك لا يأتي هباء، بل يعتمد على منهج علمي وعملي يعتمد على الخبرة والذكاء والمعرفة، كي يؤدي إلى معالجة الأزمة بكفاءة عالية وعدم انتشارها في أماكن أخرى.

المفهوم اللغوي للأزمة

تعود الأصول الأولى لاستخدام كلمة "أزمة" إلى علم الطب الإغريقي القديم، كما ورد في كتاب إدارة الأزمات للدكتور يوسف، وقد كانت هذه الكلمة تستخدم للدلالة على وجود نقطة تحول مهمة ووجود لحظة مصيرية في تطور مرض ما، ويترتب على هذه النقطة إما شفاء المريض خلال مدة قصيرة وإما موته، وتعني الأزمة في معاجم اللغة الانجليزية نقطة تحول في المرض أو في تطور الحياة أو في التاريخ.

وهي نقطة تحول تتصف بالصعوبة والقلق من المستقبل، وتتطلب اتخاذ القرار المناسب خلال مدة زمنية محددة، وللأزمة في معاجم اللغة الفرنسية معانٍ متعددة أهمها النزاع، التوتر، النوبة، الفقر، الفاقة.

وقد كثر استخدام كلمة أزمة في القرن السادس عشر في المعاجم الطبية، ثم تطورت استخدامات هذه الكلمة في القرن السابع عشر لتعني ارتفاع درجة التوتر في العلاقات بين الكنيسة والدولة، وتم استخدام هذه الكلمة في القرن التاسع عشر للإشارة الى بروز مشكلات كبيرة وخطيرة، وللإشارة الى لحظات وحالات تحول فاصلة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتم استخدام هذه الكلمة "أزمة" في بحوث علماء الطب النفسي للدلالة على الانعكاسات النفسية الحادة على الفرد وسلوكه، وعلى الجماعة وللإشارة أيضا الى أزمة الهوية.

والأزمة في معاجم اللغة العربية تعني القحط والشدة، وهي تشير الى حالة طارئة وموقف استثنائي مغاير ومخالف لمجريات الأمور الاعتيادية، ولم تكن كلمة أزمة شائعة الاستعمال في الأدبيات العربية القديمة، وقد التفت الباحثون العرب الى هذه الكلمة بصورة بارزة لتكون ترجمة مباشرة للكلمة الانجليزية.

مراحل الأزمة

يعتبر تحديد مراحل الأزمة عنصرا أساسيا وضرورة أكيدة لفهم مسارها وتحديد أبعادها بشكل دقيق، وقد تعددت تقسيمات الباحثين لمراحل الأزمة نظرا لاعتمادهم على معايير متنوعة، وعموما، فإن أغلب الأفكار في هذا المضمار تصب في نفس السياق تقريبا، لذلك فقد ارتأى الباحث تحديد مراحل الأزمة كما يلي:

* مرحلة ميلاد الأزمة؛ يطلق عليها مرحلة التحذير أو الإنذار المبكر، حيث تبدأ الأزمة الوليدة في الظهور لأول مرة.

* مرحلة نمو الأزمة؛ تنمو الأزمة في حالة حدوث سوء الفهم لدى متخذ القرار في المرحلة الأولى (ميلاد الأزمة) حيث تتطور من خلال المحفزات الذاتية والخارجية التي استقطبتها الأزمة وتفاعلت معها.

* مرحلة نضج الأزمة؛ تعتبر من أخطر مراحل الأزمة، إذ تتطور الأزمة من حيث الحدة والجسامة نتيجة سوء التخطيط أو ما تتسم به خطط المواجهة من قصور أو إخفاق.

* مرحلة انحسار الأزمة؛ تبدأ الأزمة بالانحسار والتقلص بعد الصدام العنيف الذي يفقدها جزءا هاما من قوة دفعها ويجعلها تختفي تدريجيا

* مرحلة تلاشي الأزمة: تصل الأزمة إلى هذه المرحلة عندما تفقد بشكل كامل قوة الدفع المولدة لها أو لعناصرها حيث تتلاشى مظاهرها وتأثيراتها. وتمثل هذه المرحلة آخر مراحل تطور الأزمة التي تصل إليها بعد انحسارها وتقلصها التدريجي.

أسباب نشوء الأزمات

تتعدد أسباب نشوء الأزمات وتتنوع، فلكل أزمة ملامحها الخاصة وكذلك أسبابها الخاصة. ولعل دراسة وتحليل كل أزمة على حدا تعتبر الوسيلة الفعالة لتحديد أسبابها المباشرة والغير مباشرة. بيد أن ذلك لا يمنع من محاولة إيجاد مقاربة عامة لأهم الأسباب المولدة للأزمات.

أزمات مرتبطة بالعنصر البشري كسوء الفهم عدم استيعاب المعلومات بدقة،سوء التقدير والتقييم،السيطرة على متخذي القرار، اليأس، الأخطاء البشرية، عدم الثقة وعدم المساندة بين العاملين داخل المنظمة عدم المعرفة عن التطورات الحديثة.

كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه".

وهنالك أسباب إدارية حيث تعتبر من بين أهم الأسباب القائمة وراء نشوء الأزمات وتطورها، كالإدارة العشوائية الارتجالية، وعدم وضوح أهداف المنظمة، وتقييم الآراء، والقيادة الإدارية غير الملائمة داخل المنظمة، وضعف العلاقات الداخلية بين العاملين داخل المنظمة، والقيادة الإدارية غير الملائمة داخل المنظمة. وهنالك أسباب خارجة عن إدارة المنظمة: كالكوارث الطبيعية، الشائعات، استعراض القوة وتعارض المصالح.

أساليب حل الأزمات والتعامل معها

إنكار الأزمة: حيث تتم ممارسة تعتيم إعلامي على الأزمة وإنكار حدوثها, وإظهار صلابة الموقف، والإعلان على أن الأحوال على أحسن ما يرام، وذلك لتدمير الأزمة والسيطرة عليها.

كبت الأزمة: وتعني تأجيل ظهور الأزمة، وهو نوع من التعامل المباشر مع الأزمة بقصد تدميرها.

إخماد الأزمة: وهي طريقة بالغة العنف تقوم على الصدام العلني العنيف مع قوى التيار الأزموي بغض النظر عن المشاعر والقيم الإنسانية.

بخس الأزمة: أي التقليل من شأن الأزمة (من تأثيرها ونتائجها)، وهنا يتم الاعتراف بوجود الأزمة ولكن باعتبارها أزمة غير هامة.

تنفيس الأزمة: وتسمى طريقة تنفيس البركان حيث يلجأ المدير إلى تنفيس الضغوط داخل البركان للتخفيف من حالة الغليان والغضب والحيلولة دون الانفجار.

تفريغ الأزمة: وحسب هذه الطريقة يتم إيجاد مسارات بديلة ومتعددة أمام قوة الدفع الرئيسية والفرعية المولدة لتيار الأزمة، ليتحول إلى مسارات عديدة وبديلة، تستوعب جهده وتقلل من خطورته.

طرق غير تقليدية

طريقة فرق العمل: وهي من أكثر الطرق استخداما في الوقت الحالي، حيث يتطلب الأمر وجود أكثر من خبير ومتخصص في مجالات مختلفة، حتى يتم حساب كل عامل من العوامل وتحديد التصرف المطلوب مع كل عامل.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها.

فهناك طرق شتى للتعامل مع الأزمات ومنها:

- طريقة الاحتياطي التعبوي للتعامل مع الأزمات.

- طريقة المشاركة الديمقراطية للتعامل مع الأزمات.

- طريقة الاحتواء: أي محاصرة الأزمة في نطاق ضيق ومحدود.

- طريقة تصعيد الأزمة: وتستخدم عندما تكون الأزمة غير واضحة المعالم.

- طريقة تفريغ الأزمة من مضمونها.

- طريقة تفتيت الأزمات.

- طريقة تدمير الأزمة ذاتيا وتفجيرها من الداخل.

- طريقة الوفرة الوهمية: وهي تستخدم الأسلوب النفسي للتغطية على الأزمة.

- احتواء وتحويل مسار الأزمة: وتستخدم مع الأزمات بالغة العنف.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام لعبد الله بن جندب: "وقِفْ عند كلّ أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم".

لذا فإن إدارة الأزمات فن لا يتقنه احد سوى العقلاء والأذكياء، وعند المشاكل تُعرف الشخصية الحقيقية وصاحب الموقف الذكي كما خلص جيري سيكيتش الى أهمية تخطيط إدارة الأزمات في كتابه (كافة المخاطر) حين كتب:

"لا تُختَبر أية إدارة اختبارا جيدا إلا في مواقف الأزمات".

-------------------------
المصدر
كتاب إدارة الأزمات للدكتور يوسف احمد.

اضف تعليق