بعد ثلاث سنوات كاملة وبالتحديد في التاسع والعشرين من حزيران الفائت، أعلنت القوات العراقية تحرير منارة الحدباء وجامع النوري من قبضة ما يسمى الدولة الاسلامية، وهو نفس المكان الذي عرّف فيه أبوبكر البغدادي العالم بخلافته.

رغم أن عملية تحرير الموصل استغرقت مدة طويلة وخلفت عددا كبيرا من الضحايا وتكلفة باهظة جدا ودمارا هائلا في البنية التحتية لهذه المدينة التاريخية، ومع أنه من الناحية الجغرافية مازال داعش يسيطر على عدد من الأقضية والقصبات، مثل الحويجة وتلعفر، إلا أن استعادة الموصل التي كانت عاصمة خلافة ودولة داعش، تعد من الناحية المعنوية والعسكرية مكسبا كبيرا وهاما للقوات العراقية ومستقبل المسيرة الديمقراطية في البلد وتقدمه على الصعد الدبلوماسية المختلفة، فهذا الانتصار يعتبر عاملا قويا بيد الساسة العراقيين، فهو بمثابة جسر لربط بغداد بالعالم الخارجي والدول العظمى في مواجهة الارهاب والجماعات الارهابية، إذا أرادت القيادة السياسية استغلال هذا العامل أو عرفت كيف تتعامل معه.

هذا من الناحية العسكرية والدبلوماسية، أما فيما يتعلق بالأبعاد السياسية والفكرية والاقتصادية لهذا الانتصار، فينبغي اجراء قراءة دقيقة لها:

1- على الصعيد السياسي: هناك شد وجذب سياسي كثير بين القوى الأساسية ومازالت مسألة احياء الطائفية مستمرة، وتبادل الاتهامات بين الكتل البرلمانية، بتبعيتها لهذه الدولة الاقليمية أو تلك واقع مجسد لايمكن لأحد إنكاره. كل هذا الولاء الطائفي والتدخلات الخارجية في المشاكل الداخلية واتباع سياسة عدم قراءة رأي ووجهة نظر الطرف المقابل، كان من العوامل الرئيسة لنشوء داعش ووصول العراق الى هذا الوضع غير المرضي، والذي قد تدفع الأجيال القادمة ضريبته لعقود عدة.

2- على الصعيد الفكري: داعش الملتحي وداعش القتل وداعش نكاح الجهاد وداعش النحر وداعش حرق الانسان داخل القفص الحديد وداعش قلي الاطفال في قدور مغلية، كل أنواع الدواعش هذه انتهت مع تحرير الموصل بصورة فعلية، وبقاء من نجا منهم في الأماكن الاخرى، مسألة وقت لا غير، ولكن ما يبقى في العراق هو فكر داعش، ووجهات نظره وتفكيره ورؤاه، وجود داعش في بعض المدارس والتربية، وجود داعش في جزء من الثقافة والتراث، وجود داعش في جزء من الموسوعة والتاريخ، أي الدواعش المخفية التي أصبحت دون ارادتنا جزءا من تكوين المجتمع العراقي وتتحين الفرص للبروز في أي وقت، وهذا هو الخطر الأكبر الذي ينبغي التفكير في حله حلا جذريا، وإلا فإن الحلول العسكرية والضربات الجوية القاصمة وطردهم من منطقة أو محافظة، تعد علاجا مسكنا، بل يجب استئصال الورم من جذوره والقضاء على فكره، وذلك بإصلاح النظام التربوي بدءا من رياض الأطفال الى المرحلة الجامعية، وكذلك اصلاح النظام السياسي والاداري والاقتصادي والاجتماعي بشكل ممنهج وبعيد المدى وعلى مراحل.

3- على الصعيد الاجتماعي: كلف مجيء داعش الاقتصاد العراقي خسارة اقتصادية تقدر بـ35 مليار دولار، كما أشار الى ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي، وبحسب تحليلات الخبراء والمختصين، فإن إعادة إعماء العراق تحتاج الى 100 مليار دولار و10 أعوام، هذا اذا سار العراق على مساره الطبيعي ولم تحصل كوارث وحوادث طبيعية مفاجئة، وكما نعلم جميعا أن البلد واقع تحت ديون خارجية بسبب انخفاض أسعار النفط.

النقاط الثلاث المذكورة آنفا هي المرحلة العصيبة التي يعيشها عراق ما بعد داعش، وإذا أراد القادة السياسيون ومراكز القرار والمسيطرون على المفاصل الرئيسة في الدولة والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تجاوز هذه المرحلة، عليهم من الآن التفاعل مع هذه المسألة بدقة ووعي وتضمين جميع افرازاتها وتداعياتها واحتمالاتها في برنامج وطني شامل وكامل.

* نائب رئیس كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في مجلس النواب العراقی، عضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق