لم تكن الشؤون العامة للرعية في يوم من أيام فترة حكم الامام علي عليه السلام، من الأمور الثانوية، اذ كانت تحظى باهتمامه وكثيرا ما يؤكد عليها لولاته في الامصار، وفي عهده لمالك الاشتر والي مصر، رسالة واضحة على أهمية الرقابة لقضايا الدولة وخصوصا ما يتعلق بحياة الافراد.

لقد أكد سيد البلغاء في عهده للأشتر على جملة من الجوانب التي تصب بمجملها في مصلحة بناء الدولة القوية، القائمة على المؤسسات الحقيقية الفاعلة والمؤثرة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالرقابة المشددة تعني ان مجال الوقوع في الأخطاء بسيط جدا، وان وقعت فهي امر طبيعي ويمكن معالجته وتجاوزه.

للرقابة بمختلف مجالاتها اداور كثيرة وكبيرة، وهو ما جعل الامام علي عليه السلام التأكيد عليها وعدم اهمالها بما يحقق الأهداف العامة للدولة، ومن هذا المنطلق فقد كثف الامام عليه السلام رقابته على القضاء والمحاكم العامة وجعلها من أولويات حكمه، كونها على تماس مباشر بحياة الناس وإصلاحها ينعكس على إصلاح المجتمع وبناءه الرصين.

وفي الحديث عن الدور الرقابي لحكومة امير المؤمنين لا يمكن عدم المرور بالرقابة على الجوانب الاقتصادية وما يتعلق بالشؤون المالية للدولة وخراجها، وكيفية التعامل مع الإيرادات وفق نظام يعرف اليوم بالنظام الضريبي، الذي يؤمن للدولة إيرادات مالية تكفيها لتشييد المشروعات وبناء المؤسسات التي تؤدي دورها لضمان راحة الرعية وتأمين حياتهم.

ويندرج ضمن تفعيل الدور الرقابي والشعور بالمسؤولية هو اختيار الشخصيات المعروفة بالصدق والأمانة والنزاهة في التعامل مع أكثر الملفات واعقدها حساسية، ولهذا لم يختر الامام علي عليه السلام مالك الاشتر بصورة عشوائية، بكل كان اختياره قائم على تفضيل المصلحة العامة عبر توظيف الشخصيات المناسبة والقادرة على تحقيق الأهداف العامة للدولة وتحافظ على تماسكها وسمعتها.

اما اليوم فقد يتم اختيار الشخصيات الحكومية بعيدا عن المعايير الرئيسية التي اتبعها الامام عليه السلام في اختيار مسؤولي دولته المترامية الأطراف، والتي حققت نجاحات لا تزال محط اعجاب واهتمام أكبر الأنظمة العالمية، فهي عكست التجربة الإسلامية التي لم تعط المجال للمنتقدين والمتربصين للإيقاع فيها والنيل من مكانتها التي احتلتها بفترة وجيزة.

حاليا يتم اختيار الوزير او المسؤول المعين وفق ولاءه للجهة التي تقف وراءه وكانت سببا لاختياره للمنصب، وبالتالي مررنا بالتجربة المريرة، وتجرعنا السم عبر الممارسات الخاطئة والاخطاء الجسيمة التي لا يمكن إصلاحها او التخلص من آثارها المتراكمة منذ تغيير النظام والى وقتنا الحالي.

غياب الرقابة العامة على مؤسسات الدولة وتقييم عملها اوصلها الى هذا المستوى من التدني والتراجع، والخلل هو بالشخصية المتسنمة لمنصب معين، اذ تتصف بالنظرة القريبة والافق الضيق وعدم الانفتاح على الجوانب التطويرية التي تنهض بالمؤسسة التي يديرها ومكلف بتمشية امورها خدمة للمواطنين والصالح العام.

وقد أدى فقدان الرقابة الذاتية أولا والجهات العليا بالدرجة الثانية، الى توقف اغلب المشروعات التي وضع حجر أساسها ولم تكتمل لغياب عنصر الرقابة الذي يعتبر من العناصر المقومة للعمل الحكومي، فبدون الرقابة تتحول المؤسسات الحكومية عبارة عن فوضى يبرز فيها صاحب السلطة النابعة من قوة حزبه، وبالتالي تبقى الأمور سائبة ولا نعرف من تسبب بهذا الخلل الذي أخر المرفق عن الاكتمال.

ويحدث في المؤسسات الحكومية والجهات الرقابية الكثير من الأخطاء، والالتباسات، فعلى سبيل المثال تشكيل المفتشيات التي تراقب عمل الوزارات والمديريات العامة، وهي تعاني من الفساد اساسا بطريقة تشكيلها، فهي خاضعة الى المحاصصة الحزبية والمحسوبية، فكيف لهذه المؤسسات ان تؤدي عملها وهي جاءت وفق النظام المحاصصاتي؟، وانتهى الامر بحلها وتميعها بدلا من تقويتها ومساندتها.

ولا تكون الرقابة فاعلة وتؤدي واجبها الموضوعة من اجله مالم يتم تقديم المقصرين الى العدالة ليتم بعد ذلك القصاص منهم وفق القانون المعمول فيه بالبلد، وبذلك التفعيل تعاد للدولة هيبتها ولا يمكن لاحد ان تسول له نفسه التجاوز على الأنظمة الموضوعة، ويحصل ذلك بأخذ الحاكم دوره بما يملكه من نفوذ وامكانيات واسعة وعدم ترك الأمور ومزاولة حياته بعيدا عن المشكلات والعلات التي تعاني منها مؤسسات الدولة.

القواعد والأساليب الرقابية التي وضعها امير المؤمنين عليه السلام وسارت عليها دولته، هي من جعلت رعيته تعيش الرخاء وترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية، فبالرقابة الصحيحة تبنى الأوطان وتعمر البلدان، ويأخذ الجميع فرصته في التنمية المستدامة، وصولا الى دولة قوية قائمة على العدل والإنصاف وتحقيق التوازنات على جميع الأصعدة، فلا نهضة دون تفعيل العنصر الرقابي الذي وضع الامام عليه السلام اسسه وبين معالمه وحدد شروط نجاحه.

اضف تعليق